هل ستشهد أوروبا استدارة؟

07/03/2024 - 11:06 AM

Atlantic home care

 

 

د. عبد الحفيظ عبد الرحيم محبوب *

 

يعتبر البعض أن صعود اليمين في أوروبا يهدد بقلب الموازين بعدما اكتوى بالسياسات الليبرالية، جعل من أوروبا قطبا جاذبا للمهاجرين لتهديد الأمن والرخاء، قد يبعثر الأوراق في أوروبا، ويوقف الطلاق الأوروبي مع روسيا، الذي جرده من الغاز الروسي الرخيص، والحصول على الغاز الأمريكي بخمسة أضعاف الغاز الروسي، مما هدد التنافسية الأوروبية.

لا تزال روسيا تمثل 15 في المائة من إمدادات الغاز الروسي في أوروبا، وفي شهر مايو 2024 استوردت أوروبا غاز من روسيا أكثر من الغاز الأمريكي للمرة الأولى منذ سبتمبر 2022 عندما تفوقت أمريكا على روسيا في تصدير الغاز المسال إلى أوروبا، إذ انخفض الغاز الأمريكي 14 في المائة من إمدادات أوروبا منذ ما يقرب من عامين وسط مشاكل في منشاة أميركية للغاز الطبيعي المسال، أي أن الاتحاد الأوروبي تلقى صفعة من أمريكا بعدما تركته في منتصف الطريق عقب الحديث عن تحجيم إرادات روسيا من أجل عرقلة مواصلة روسيا حربها في أوكرانيا.

أوروبا تائهة في الحرب الروسية الأمريكية على الأراضي الأوروبية ومنقسمة بل منقسمة على نفسها في زمن تغير المفاهيم وتبدل السياسات الكبرى والاستسلام للتسويق السياسي، في ظل بحث أوروبا عن مدى استقلال القرار الأوروبي عن القرار الأمريكي، خصوصا وأنها لم تنجح في فرض الوطنية للحفاظ على تماسك هذا الاتحاد.

الانتخابات هي التي تحدد مسارات مهمة جدا على رأسها ملف الهجرة أحد أبرز الهوامش في الانتخابات الأوروبية بجانب السياسات الخارجية المتعلقة بالحرب الروسية في أوكرانيا التي جعلت أوروبا اقتصاديا كمن رجل أطلق النار على قدميه، لذلك تعتبر الخيارات الاقتصادية للدولة القومية القادمة في أوروبا بفرض العقلانية في إعلاء مصالح الدولة القومية بعيدا عن التجاذبات السياسية والضغوطات الخارجية الأمريكية، ما يعني عودة أوروبا طاقويا بشكل تدريجي نحو روسيا بسبب أن الخيارات ليست عديدة بل محدودة جدا بالنسبة لأوروبا.

تستثمر الولايات المتحدة تحدي الجغرافيا التي تعاني منه أوروبا، فروسيا استطاعت تغيير الجغرافيا عبر الحرب في أوكرانيا لكن لا تود أوروبا تغيير خريطة الجغرافيا على غرار هتلر عبر الحرب فهي تقع بين روسيا في الشرق وأمريكا في الغرب، عوضا عن ذلك ستكون عموم أوروبا محكومة من خلال أحزاب أقصى اليمين، خصوصا مع إمكانية عودة الرئيس الأميركي جوزف  ترمب الذي يعول على تفكيك أوروبا، لكن العنصر المحدد ماذا قدم بايدن لأوروبا من أجل تحديد مسار العلاقات بين جانبي الأطلسي، ففي مسار التحديات الاقتصادية فيما يتعلق بالتنافسية، جعل بايدن التنافسية الأوروبية في مهب الريح، لكنه استطاع على الأقل منع اتجاه أوروبا التوجه نحو الشرق على عكس ترمب الذي يتجه نحو تفكيك أوروبا ما يجعلها تتجه نحو الشرق بالكامل.

عرض بوتين قبول أوروبا وبالطبع أمريكا بأربعة أقاليم التي سيطر عليها ومن بعدها يبدأ التفاوض إذا أرادت أوروبا الاستقرار، لكن يبدو أن القرار حتى الآن ليس بيد أوروبا بل بيد أمريكا لكنها حرب بين الجانبين على الأرض الأوروبية لكن برضى أوروبا، فروسيا ألقت 800 قنبلة غبية "فاب" الثقيلة الانزلاقية على أوكرانيا لأنها في مواجهة أقوى حلف عسكري في التاريخ.

 تنوي روسيا إن استمرت أمريكا في تعنتها استخدام صواريخ نووية تكتيكية خصوصا وأن بوتين منتصر لن يلجأ إلى استخدام السلاح النووي، رغم حصول زلينسكي على استخدام السلاح الأمريكي لمسافة 100 كلم داخل العمق الروسي، لكنه يحاول الحصول على موافقة على ضرب المطارات العسكرية الروسية، خصوصا في ظل توقف الاتصال بين السفير الروسي والإدارة الأمريكية فيما نادرا ما يتم التواصل بين وزيري الدفاع في البلدين من أجل احتواء التصعيد خصوصا بعدما وافقت هولندا وبلجيكا على تسليم زلينسكي طائرات اف 16 بموافقة أمريكية من أجل إيقاف الهجوم الروسي في أوكرانيا لتامين سير مواصلة الانتخابات الأمريكية.

في نفس الوقت يحاول بوتين إسقاط مسيرة أميركية في البحر الأسود، لكن الولايات المتحدة أبعدتها عن سواحل البحر الأسود، كذلك يحاول بوتين اسقاط أقمار صناعية أمريكية لجمع المعلومات لصالح أوكرانيا، كما يلجأ بوتين إلى إرسال صواريخ فرط صوتية إلى إيران لإرسالها للحوثي لضرب أهداف أمريكية، ما جعل الولايات المتحدة تبعد حاملة الطائرات أيزنهاور عن سواحل اليمن، كذلك يمكن إرسال تلك الصواريخ لحزب الله لتوسيع الحرب في الشرق الأوسط، فيما يواصل بوتين سيطرته على المناطق الأربعة استباقا لتوقع مجيئ ترمب الذي ينوي وقف الحرب في أوكرانيا، فيكون بوتين قد حقق تقدما ملحوظا في أوكرانيا يحقق طموحاته الذي فشل الغرب في إيقافها.

أمام هذا المشهد عن تغيرات المرحلة المقبلة صعود الدولة القومية في أوروبا، ما مدى إمكانية استقلالية القرار الأوروبي عن القرار الأمريكي، خصوصا وسبق مجيء الدولة القومية فشل سياسات ديغول وشيراك في التحرر من الهيمنة الأمريكية، ولم يتمكن ماكرون من فعل أي شيء نهائيا في قيادة أوروبا المستقلة وكانت ألمانيا أول وأكبر دولة في أوروبا عارضت قرار أوروبا المستقلة الذي كان ينوي ماكرون تحقيقه واستبدل بمحاولات تشكيل جيش دفاع أوروبي لكنه حتى الآن لم يتحقق بسبب مجيء الدولة القومية التي لديها أولويات مختلفة.

 

 * أستاذ الجغرافيا السياسية والاقتصادية بجامعة أم القرى سابقا

                    [email protected]

 

 

Share

Comments

There are no comments for this article yet. Be the first to comment now!

Add your comment