ادغار موران .. لا شيخوخة ولا حزن بعد المائة!

07/03/2024 - 10:46 AM

A

 

 

 

بقلم: ألفة السلامي

 

يحتفل المفكر الفرنسي الأكثر شهرة، ادغار موران، بعيد ميلاده الثالث بعد المئة في الثامن من يوليو الجاري، وفي سجله سيرة غير نمطية تمتد لثمانية عقود تزخر بالعطاء من خلال أكثر من 120 عنوانًا في علم الاجتماع والتاريخ والسياسة والانثروبولوجيا والإنسانيات بشكل شامل. تغير موران وتطور عبر المراحل الزمنية ولم يقل يومًا إنه اكتفى بل ظل منفتحًا أمام التيارات الفكرية يحاور جميع الأفكار من مختلف التخصصات، ويستكشف ويأتي بالجديد، دون أن تفارقه دهشة الفلاسفة وتواضعهم.

ومازال يردد في كافة الحوارات التي تستضيفه أن حياته هي رحلة فكرية مستمرة لبناء أفكاره، وأن تفكيره لم يكتمل أبدًا، بل وحتى اليوم، وهو قد تجاوز القرن بثلاث سنوات، لا يزال الأمر غير مكتمل لديه.

استضافه منذ عدة أيام يان رومان برتيز، صحفي ومقدم تلفزيوني ومنتج فرنسي، من مواليد أكتوبر 1974، واشتهر بتقديم البرنامج التلفزيوني "لو بيتي جورنال"، والبرنامج "كوتيديان". وقد شاهدت الحوار على منصة "يوتيوب" ليزداد يقيني بأن حكمة هذا العالم المعمّر متوهجة مثل المنارة وسط العاصفة التي تحيط بعالمنا، ومازال تحليله وكلامه ثمين ينير العقول وينبه اليائسين والغافلين بأن الاتجاه نحو المستقبل الأفضل لا يصنعه غلاة الفكر المتعصب والمتطرف وحاملو الأسلحة الفتاكة الكارهون للحياة والنماء، وأنه بدون ثقافة سياسية وثقافة تاريخية "لا يمكننا إلا أن نضيع".

ويردُّ الفيلسوف وعالم الاجتماع الفرنسي إدغار موران على فوز حزب الجبهة الوطنية اليميني المتطرف في الجولة الأولى من الانتخابات التشريعية الفرنسية، ويحذر من "الخطر الحقيقي والتاريخي الذي يواجهه الفرنسيون"، ويتحدى اليمين المتطرف كل المجتمعات التي يقودها أو يسعى لقيادتها. ويحذر موران من مغبة ترك المسئولية، حيث يرى أن أوروبا هي وطن لكل مواطنيها وعليهم ألا يتأخروا لبنائها، وألا يستسلموا في مقعد مريح أمام منصة "نتفليكس " يتلهون بأفلام قد تريح ضمائرهم أو تزيح عنهم حزنهم ويتبضعون الشوكولاتة من "أمازون" لإضفاء بهجة مصطنعة على أمزجتهم المنهكة، ثم الاكتفاء بالفرجة، أو بانتقاد تقدم "اللوبيات" التي تعمل بشكل حثيث ضد الأوروبيين منذ أكثر من عشرين عاما مع تيار "العولمة" وعصيرها المغري، لكن السام، بل إن المقاومة هي السبيل للتغيير، كما يدعو موران.

وبخلاف العديد من أترابه المفكرين والفلاسفة، لا يرى إدغار موران في الحضارة الغربية مصدرًا للحل بل إن هذه الحضارة متورطة في الأزمات، ولا يعقل أن تقدم نفسها للبلدان النامية على أنها حاملة للعلاج الشافي. ويبيّن موران كيف أنّ العولمة في مظاهرها العديدة (الاقتصادية، السياسية، التقنية، العلمية، الفنّية، الثقافية) وما خلّفته اتّجاهاتها المتطرّفة، من حيث الاستهلاك المفرط، والتلوّث البيئي الخطير، والفوارق الصارخة بين الشمال والجنوب، تطرح تحدّيات كبرى أمام الأجيال. وعلى عكس المفكرين الذين يرون أن الحضارات تؤدي إلى تصادم حتمي فيما بينها، فإنّ موران يعتبر أنّ ثمة آمالاً في أن "تتعايش الحضارات".

ادغار موران سبق واعترض على تسميته بعالم الاجتماع، فهو يرى نفسه انثروبولوجي بمعنى أنه يفكر ويعمل على الطبيعة الثالوثية للبشر: الفرد/المجتمع/النوع، وهي الأنثروبولوجيا بالمعنى القديم للكلمة التي تربط كل جوانب المعرفة عن الإنسان، وهي التي قادته إلى التجاوز المنهجي. ويوضح أنه فهم هذا أثناء العمل على كتابه المهم الأول، الذي نُشر عام 1951، بعنوان "الإنسان والموت". ويرى أنه ضروري لفهم مواقف البشر من الموت، دراسة الأديان، ولكن أيضًا علم الأحياء والتاريخ، ودراسة الحضارات وعلم النفس والتحليل النفسي، وعمليًا كل العلوم الإنسانية، دون نسيان الأدب والشعر اللذين يتحدثان الكثير عن الإنسان والموت. علاوة على ذلك، فإن أي مشكلة كبيرة أو مهمة تكون غير مرئية في النظام المغلق وتتطلب نهجًا متعدد التخصصات، وهذا ما تقوم به الانثروبولوجيا. ومن أجل هذا النهج المتعدد التخصصات، يرى موران أنه يتوجب على الشعوب أن تعدّ أجيالاً من "الشموليين" أي الذين ينظرون إلى المشاكل والأحداث من منظار شمولي عالمي متعدد الأبعاد، حتى يحسنوا وضع الحلول الناجعة لها.

وينتقد الفيلسوف المعمر الذي لم يوقفه التقدم في العمر عن متابعة الأحداث، موقف حكام الدولة العبرية الذين انخرطوا في مذبحة حقيقية بحق سكان غزة، تستمر بلا هوادة؛ كما يستنكر صمت العالم تجاه مأساة غزة. ويُعرَف الفيلسوف الفرنسي ذو الأصول اليهودية الإسبانية (السفرديم) بمواقفه المؤيدة لحق الفلسطينيين في إقامة دولة مستقلة خاصة بهم، وتسبب مقال نشره عام 2004 في صحيفة "لوموند "ندد فيه بالسياسة الإسرائيلية، إلى مثوله أمام المحكمة الفرنسية.

وعندما أشاهد تعبيرات وجهه خلال حواراته وابتساماته العريضة التي تسع العالم ونكاته الذي يعكس لياقة عقلية متفردة، وحركاته الرشيقة وخطواته الأنيقة حيث لا يتردد في الرقص عندما يفرح.. كل هذه التفاصيل تدفعني لأوقظ داخلي تلك الطفلة وأردد مع نفسي "مازلتِ صغيرة"، مادام هؤلاء الشخصيات من أمثال ادغار موران يتحدون الزمن ويملؤون الأرض فكرًا وبهجة، ويضيئون حياتنا بعلمهم، وينيرون دربنا بحكمتهم، وينشرون السعادة في كل خلية من خلايا أجسادنا؛ فلا حزن ولا تشاؤم إذن، بل الأمل والعمل؛ فقط عندما يموتون نحزن لفقدانهم، لكنهم جديرون بالحياة على الدوام حتى في غيابهم. فكل عام ونحن أكثر شبابًا بفضل ادغار موران الذي لا يشيخ ولا يحزن!

 

 

Share

Comments

There are no comments for this article yet. Be the first to comment now!

Add your comment