د. عبد الحفيظ عبد الرحيم محبوب
لم ينتقل الرسول صلى الله عليه وسلم إلى الرفيق الأعلى إلا وأنه تركنا على المحجة البيضاء التي لا يزيغ عنها إلا هالك ( اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي ورضيت لكم الإسلام دينا ) أي فارضوه أنتم لأنفسكم وهي آخر آية نزلت يوم عرفة في حجة الوداع ( وتمت كلمة ربك صدقا وعدلا ) أي صدقا في الإخبار، وعدلا في الأوامر والنواهي.
وهناك فئات وجماعات عبر التاريخ لم تفرق بين الثابت والمتغير، وشكلت لها ملامح هوية سياسية دينية بقصد الهيمنة مستعينة بأدوات الإقصاء وتوجيه تهم الكفر والإلحاد والجاهلية وغيرها من مصطلحات التي لا حصر لها، نصبوا من أنفسهم أوصياء جاعلين من أنفسهم بوابات لا يحق لأحد أن يلج إلى الدين إلا من خلالهم، يستوي في ذلك التسلط وفرض الرأي والتوجه وبشكل خاص على كل من خالفهم حتى لو كانت لديه حجج وبراهين، أي أنهم يمارسون الإرهاب الفكري، فيما الإسلام برئ من تشدد تلك الفئات وتفريطها.
تحولت هذه الفئات إلى ممارسة خطاب إقصائي متكبر، ولا يتورعون عن تضييق مفهوم الدين وقصره في مناهضة الحكام، حتى تعليم الناس الخير والموعظة الحسنة إلى مطالبة المخالفين لهم بالتوبة، وعينوا أنفسهم قضاة يحاكمون الناس في فهمهم للدين بدلا من التواضع الذي أمرنا الله سبحانه وتعالى عندما أمر نبيه موسى وهارون بالذهاب إلى فرعون الذي قال أنا ربكم الأعلى ( اذهبا إلى فرعون إنه طغى فقولا له قولا لينا لعله يذكر أو يخشى )، فالإسلام أرحب وأرحم بكثير من ذلك التضييق، وهو سعة وتنوع ورحمة وجدال بالحسنى بل وبالتي هي أحسن، وهو دين لا وصاية فيه لمخلوق على مخلوق، وليس هو سلعة يتم المتاجرة به، وهو ينافي الفكر الوسطي، بل وينافي صحيح الدين ووسطيته، والإشكالية الأكبر أن تلك الفئة هي من تولت تحديد الفكر الوسطى لتحكم قبضتها على المجتمعات وتتحول إلى الوصاية.
وقد أراد الرسول صلى الله عليه وسلم أن نفرق بين العابد والعالم، فعن أبي سعيد الخدري عن النبي صلى الله عليه وسلم ( أن رجلا قتل تسعة وتسعين نفسا، فجعل يسأل هل له من توبة؟ فأتى راهبا، فسأله فقال: ليست لك توبة، فقتل الراهب، فكمل به مائة، ثم سأل عن أعلم أهل الأرض، فدل على رجل عالم، فقال: إنه قتل مائة نفس، فهل له من توبة؟، فقال: نعم، ومن يحول بينه وبين التوبة، انطلق إلى أرض كذا وكذا، فإن بها ناس يعبدون الله، فاعبد الله معهم، ولا ترجع إلى أرضك، فإنها أرض سوء، فانطلق حتى إذا انتصف الطريق أتاه ملك الموت، فاختصمت ملائكة الرحمة وملائكة العذاب، فقالت ملائكة الرحمة جاء تائبا مقبلا بقلبه إلى الله، وقالت ملائكة العذاب: إنه لم يعمل خيرا قط، فأتاهم ملك في صورة آدمي، فجعلوه بينهم فقال قيسوا ما بين الأرضين، فإلى أيتهما كان أدنى فهو لها، فقاسوه فوجدوه أدنى إلى الأرض التي أراد فقبضته ملائكة الرحمة، كما في حديث الرسول صلى الله عليه وسلم ( فضل العالم على العابد كفضلي على أدناكم) ثم قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ( إن الله وملائكته وأهل السموات والأرض حتى النملة في جحرها وحتى الحوت ليصلون على معلمي الناس الخير).
بينما نجد الخوارج كما جاء في البداية والنهاية منهم عبد الرحمن بن ملجم قاتل الإمام علي رضوان الله عليه قالوا ماذا نصنع بالبقاء بعدهم؟ كانوا لا يخافون في الله لومة لائم، فلو شرينا أنفسنا فأتينا أئمة الضلال فقتلناهم فأرحنا منهم البلاد وأخذنا منهم ثأر إخواننا، وتعاهدوا على قتل الإمام علي رضوان الله عليه ومعاوية رضي الله عنه وعمرو بن العاص رضي الله عنه، وتعاهدوا ألا ينكص أحد منهم عن صاحبه حتى يقتله أو يموت دونه، فأما ابن ملجم فسار إلى الكوفة فدخلها وكتم امره حتى عن أصحابه من الخوارج، واستمال عبد الرحمن بن ملجم رجل آخر يقال له شبيب بن نجدة الأشجعي الحروري قال له ابن ملجم هل لك في شرف الدنيا والآخرة، فقال ما ذاك: قال قتل علي، فقال ثكلتك أمك لقد جئت شيئا إذا كيف تقدر عليه، فال ويحك لو غير علي كان أهون علي، فقد عرفت سابقته في الإسلام وقرابته من رسول الله صلى الله عليه وسلم فما أجدني أنشرح صدرا لقتله، لكن أجابه إلى ما أراد، ولما ضرب بن ملجم الإمام علي رضوان الله عليه قال لا حكم إلا لله ليس لك يا علي ولا لأصحابك، وجعل يتلو قوله تعالى ( ومن الناس من يشري نفسه ابتغاء مرضاة الله والله رؤوف بالعباد)، وهو من الناس الذين أحسن إليهم الإمام علي رضوان الله عليه.
بهذا الاختزال المشوه لطبيعة العلاقة الطوعية بين الحاكم والمحكوم، إلا انه أفرز عدد من التشوهات المماثلة لكافة القيم والإنسانية، وهي انتقال البنية الفكرية البشرية من مرتبة لأخرى، فالتشدد كما كنا نرى في مختبر التاريخ في تجارب الأمم السابقة، ما كان منها متحدا فانفصل، وما تلاشى منها واندثر، تظهر في أماكن أخرى من التاريخ والجغرافيا، باختصار تلد الهيمنة السياسية والدينية تود ان تتكيف معها المجتمعات مع واقع كل هيمنة دينية وسياسية جديدة، ببساطة لأنها تحمل هوية واحدة.
فشلت إيران إلصاق القاعدة بالسعودية، لكن محاربة السعودية القاعدة وبقية التنظيمات التي تدور في فلكها وشكلت تحالفات عندما زار ترمب السعودية عام 2017 إيذانا بنهاية عهد التنظيمات الإرهابية التي ترعاها الدول من أجل تحقيق تموضع وزيادة نفوذها في المنطقة العربية، فالولايات المتحدة كشفت عن وجود تنظيم القاعدة سيف العدل في إيران، وحاربت السعودية قادة القاعدة ومكافحة التمويل أغلبها كانت تأتي من خطباء مغمورين تحت ذرائع جمع أموال لبناء مساجد وكفالة أيتام، وحفر آبار، وعندما جففت السعودية التمويل القادم من السعودية، لجأت القاعدة إلى احتجاز عدد من مسؤولين سعوديين في عدد من السفارات من أجل الإفراج عن هؤلاء الخطباء الذين كانت القاعدة تستثمرهم في جمع الأموال خصوصا الخطباء المؤثرين ظنا أن السعودية تخشى منهم، وأن لهم عصمة تحميهم من خلال تجييش الشعوب بحجج أنهم يدافعون عن الرسوم المسيئة للرسول صلى الله عليه وسلم، ويقودون مظاهرات احتجاجية في دول أوروبية يخفون الأدوار الحقيقية التي كانوا يقومون بها في أنهم أطراف ينتمون لتنظيم القاعدة، ومارسوا التحريض وتجنيد وتجهيز الشباب في ساحات القتال والزج بهم في العمليات الإنتحارية تحت مسميات الجهاد والمبالغة في التترس، وبعضهم بايع أبو مصعب الزرقاوي سرا ونفسه أبو مصعب الزرقاوي بايع القاعدة في بلاد الرافدين ثم تغير المسمى إلى دولة العراق الإسلامية، وبعد الثورة في سوريا سميت بدولة العراق والشام، لكنه يتبنى نفس الفكر التكفيري، وشيخ أبو مصعب الزرقاوي المقدسي الذي كفر الدولة السعودية والعلماء، ويرى جهيمان رجل مجتهد إن أخطأ فله أجر وإن أصاب له أجران.
قتلت القوات السعودية قائد القاعدة في السعودية صالح العوفي 2004 عندها هدد أبو مصعب الزرقاوي السعودية بالانتقام، رغم أن أبو مصعب الزرقاوي أعلن عن مقتل العوفي في العراق للتغطية على تحركات العوفي في السعودية، لكن كانت القوات السعودية على علم بمثل هذه التحركات، ومتابعته، وصلت تفجيرات أبو مصعب الزرقاوي إلى مسقط رأسه في الأردن، وبلغ في تطرفه وغلوه في أسواق العراق حتى أن شيخه أبو المقدسي انتقد تطرفه في القتل، حتى ان تنظيم فرع القاعدة في السعودية قام باختطاف القنصل السعودي في عدن عبد الله الخالدي في 17 أبريل 2012، ولم تقوم القاعدة بأي عمليات داخل إيران.
ولا تزال داعش منتشرة في سوريا فطائرة مسيرة للتحالف شنت في 24 فبراير 2023 قيادي في القاعدة في شمال إدلب عبد الرؤوف المهاجر من الجنسية العراقية، كان يتخفى تحت عباءة حراس الدين بعد ساعات من اعتقال هيئة تحرير الشام من الجهاديين الأجانب بطلب من المخابرات التركية، وسبق أن قتل أبو بكر البغدادي بعد انهيار التنظيم في 2019 في أكتوبر من نفس العام، وقتل خليفته إبراهيم القرشي في فبراير 2021 على الحدود السورية التركية، كما قتل الزعيم الجديد أبو الحسن في درعا الجنوبية في 2022.
هناك إعادة تموضع خصوصا لتنظيم حركة الإخوان، وتشكيل كيانات جديدة لتستقطب مزيد من التمويل والأموال يفتح شهيه هذه القيادات باعتباره دولاب مصالح، وعودتنا الاستخبارات العالمية أنها تستثمر هذه الكيانات، وتستخدمها ورقة للإساءة للدول العربية، فهذه التنظيمات تحاول التخفي في واجهات أكاديمية تتعدد وتتنوع، رغم ذلك لا يمتلك هذا التنظيم كفاءة وقدرة على إيجاد برامج جديدة، ما جعله ينخرط في هياكل حقوقية ويسارية لإعادة التموضع، واختراق كيانات لتعويم السفينة الغارقة بدلا من مراجعة الأفكار والسلوك، بسبب أنها غير راغبة وغير قادرة نتيجة التشطي بين جماعة محمد حسين وحلفاء إبراهيم منير أو قيادات السجون، وحتى اليوم يستخدم الإخوان سياسة التمويه استراتيجيا، لكنهم مصابون بعمى استراتيجي.
* أستاذ الجغرافيا السياسية والاقتصادية بجامعة أم القرى سابقا











03/05/2023 - 18:18 PM





Comments