هنا لندن !

10/24/2022 - 10:28 AM

A

 

 

بقلم: ألفة السلامي

 

مؤخراً تم الإعلان عن اغلاق القسم العربي بهيئة الإذاعة البريطانية. حزنت لهذا الخبر لارتباطه بذكريات دافئة لدي لكنه أمر كان متوقعاً حيث يُنظر لراديو لندن التابع لهيئة الإذاعة البريطانية على أنه يشكل عبءً على دافعي الضرائب حيث أن تمويله الضخم يأتي بالكامل من المواطن البريطاني مباشرة من خلال الضريبة التي تضعها الدولة على كل جهاز تلفزيون في بريطانيا.

ويبدو أن الجدوى من إنشاء محطة بي بي سي بالعربي انتفت الآن، حيث أن الغلق يعكس أيضاً ان هناك تغيرا في التعامل مع القوى الناعمة مثل الراديو الذي كان همزة وصل لبريطانيا مع شعوب العالم العربي وله قوة تأثير سياسي خاصة على مستعمراتها القديمة. وللعلم فقد كان إنشاء راديو لندن بالعربي عام 1938 بدافع سياسي للردِّ على "راديو باري" الذي أنشأته الحكومة الإيطالية منذ عام1934 لنشر الأفكار المؤيدة للفاشية في العالم العربي وكانت نشرات الأخبار تجاهر بالعداء لبريطانيا وتهاجم سياساتها الاستعمارية وخاصة في فلسطبن آنذاك.

ورغم محاولات راديو لندن الحياد إلا أنه كان "يمشي على سطر ويسيب سطر" كما يقول المصريون. ونتذكر،على سبيل المثال، كيف رفضت إذاعة لندن مناشدة إنسانية لصالح قطاع غزة بعد الهجوم الإسرائيلي على قطاع غزة في 2009 والأمر لا يخرج عن كونه انحيازاً لصالح إسرائيل رغم النفي والتبريرات.

المهمّ أن إغلاق هذا الصرح جاء كإشارة واضحة على أن الدور المتعارف عليه للإعلام يتغير ويكتسب أشكالاً أخرى حديثة قد تضمن التأثير الأوسع والأرخص من حيث التكلفة. وكان لغلق راديو لندن بالعربي وقع خاص في نفسي كما ذكرت في البداية. لقد تربيت على الاستماع لهذه المحطة، منذ نعومة أظافري وشكّلت مصدراً مهماً أستقي منه المعلومات والأخبار أنا وجيلي وأجيالٌ أخرى عديدة متعاقبة. وكنت قد تعلمتُ الإنصاتَ للإذاعة منذ السادسة صباحاً من والديَّ من خلال مذياع يعمل بالكهرباء تضعه أمّي في المطبخ على الرخامة وكأنه بوكيه ورد يطلُّ على شباك المطبخ ومازال لا يفارق مكانه رغم تغير العصور .

كان صوت مذيعي نشرة الأخبار يرافق أبي وأمي وهما يتناولان قهوة الصباح قبل بدء يوم العمل. وكانت النشرة مقدسة كما الصلاة نسمعها ونحن نتململ في فراشنا استعداداً للاستيقاظ.

تغيّرِ بعد ذلك الراديو بالنسبة لي حيث أصبح لي راديو ترانزستور خاص بي صغير في حجم الكفِّ اشتراه لي والدي من سوق الجمعة وكنت أضعه بجانب السرير مثل الكنز الثمين.

وحفظت أصوات المذيعين صوتاً صوتاً وكانوا نجومي دون أن أرى ملامح وجوههم ولكني كنت أراهم في أصواتهم.. سامي حدّاد، ماجد سرحان، جميل عازر، أفتيم قريطم، محمد صالح الصيد، ماهر عثمان، محمد الأزرق، سالم العبادي، أيوب صديق، رشاد رمضان، فؤاد عبد الرزاق، محمود المسلمي، حسام شبلاق، مديحة المدفعي، هدى الرشيد سلوى الجراح وغيرهم. وظل الترانزستور صديقي بعد أن أصبحتُ صحفية وظلت نشرة أخبار السادسة صباحا هي أيضاً صديقتي ومعلمتي وأهم النشرات التي أحرصُ على متابعتها وبمجرد البحث بالإبرة عن التردد في الموجات المتوسطة والقصيرة يصبحُ الإرسالُ صافياً ودون تشويش ويصبحُ معه مزاجي أيضا رائقاً.

ويكتملُ الروقان مع الصوت الرخيم للمذيع أو المذيعة معلناً : هنا لندن هيئة الاذاعة البرطانية القسم العربي .. نحييكم ونقدم لكم نشرة أنباء الصباح.

متابعتي لراديو لندن بالعربي أثرت فيَّ بلاشك لدرجة أني كنت أقلد المذيعين والمذيعات عندما تطلب مني مدرسة اللغة العربية قراءة النصوص. وهو ما يثيرضحك بعض زملائي في المدرسة. كما دفعني حب راديو لندن إلى الحنين الدائم إلى الإذاعة والصحافة بشكل عام بالرغم من أن توجهي بعد الباكالوريا كان لمدرسة المعلمين العليا.

وفعلاً عملت بعض الوقت متدربة مع أستاذتي سمية الزواري التي صحبتني معها إلى إذاعة صفاقس وهي إذاعة محلية في مدينة تونسية هي صفاقس مسقط رأسي. وكنت أتعلم فنون الإذاعة والمشاركة في الحوار وأنا في الخامسة عشر من عمري كما أتعلم أيضاً كيفية صناعة رأيي ودعمه بالحجج والأهم كيفية خروج تلك الأفكار على المستمع بطريقة جذابة. ثم انطلقت في أجواء أرحب إلى مصر لأتخصص في مهنة الصحافة وأدخل بعد ذلك لمبنى "ماسبيرو" العريق كمنتجة لأحد أهم برامج التوك شو الليلية.

 ولم تنقطع علاقتي براديو لندن حيث ظل معي جهاز الترانزستور كأنه أحد أفراد عائلتي الصغيرة، ولكنه لم يكن موضع تشجيع أو ترحيب من زوجي -كما كان مع أبي- كانت إذاعة لندن مثل "الضرة" - تشاركنا فراشنا وتشوش عليه نومه في الصباح الباكر. وكان يتسم بأكثر موضوعية مني عند تقييم محتواها بينما كنت أدافع عن محبوبتي كان يوضح انحيازها الفاضح ضد قضية فلسطين بالرغم من الإدعاء بالمهنية والحياد. وأصبحت قضية محتوى الأخبار حاضرة في منزلي أيضاً بسبب النقاش حول إذاعة لندن وموضوعاً مشتركاً للحوار، خاصة بعد أن امتهنت ابنتي هي أيضاً الصحافة. وصاحبتنا إذاعة لندن بالعربي في مختلف الأزمات التي شهدها عالمنا من حرب الخليج الأولى والثانية والحرب على أفغانستان والعراق إلى سقوط بغداد مروراً بأحداث الحادي عشر من سبتمبر وضرب برجي التجارة في نيويورك..

كما كان لإذاعة لندن فضلٌ في بعض محطات مشواري الصحفي حيث نجحت في "انترفيو" للعمل في إحدى وكالات الأنباء العالمية. كنت بعدُ صغيرة بفضل إجابتي على سؤال وجهه لي الممتحن عن أهم خبرٍ لفت نظري في ذلك اليوم. وعلى الفور أجبته لأني استمعت إليه في نشرة السادسة في إذاعة لندن بأنه خبر الإبادة الجماعية للآلاف في روندا على خلفية الحرب الأهلية بين التوتسي والهوتو، خلال هجوم الجبهة الوطنية الرواندية على العاصمة كيجالي، وكان ذلك في صيف عام 1994 وبالتحديد في الرابع من يوليو، لتكون رواندا مهمتي الأولى للعمل في الوكالة ..حيث تعلمت التغطية الصحفية لمناطق النزاع التي تخصصت فترة فيها.

بلا شك راديو لندن بالعربي علمني الكثير. ورغم المآخذ والعثرات استطاع أن يكون مدرسة لأجيال من الصحفيين والإعلاميين وستغيب هذه المدرسة باحتجابه عن الأجيال الجديدة التي سيفتقدونها بالتأكيد في تكوينهم المهني خاصة وقد أصبح غالبيتهم في مهب الريح بلا مدارسَ حقيقية تقريبا يتعلمون منها الآن الحرفية والإجادة.

 

 

 

Share

Comments

There are no comments for this article yet. Be the first to comment now!

Add your comment