د. عبد الحفيظ عبد الرحيم محبوب
أراد الرئيس الامسركي جوزف بايدن استعادة قوة أمريكا الاستثنائية، وإنشاء التحالفات من أجل تحقيق التنافس بفاعلية خلال العقد القادم فهل يتحقق؟ ففي الثاني عشر من أكتوبر 2022 أصدر البيت الأبيض استراتيجية جديدة للأمن القومي الأمريكي وهي متماهية مع سياسات الرئيس بايدن، الغريب أن من أعد الوثيقة هم على غرار إيران وعلى غرار أي نظام أيديولوجي في أنحاء العالم، يدعون أن الوثيقة هي اصطفاء رباني، أي نظام أيديولوجي مقنع كما استخدمه الجمهوريون في زمن بوش الإبن، وكعادة أمريكا تدعي أنها الطهر والنزاهة والعدل عندما تقوم بالترويج للحرية والديمقراطية، وكأنها دولة عادت بفكر شمولي تدعي امتلاك الحقيقة المطلقة، وهي بذلك تتعامل مع العالم على أنها القوة الوحيدة والمفرطة التي يحق لها أن تفرض أوامرها على العالم، ويجب أن تكون نافذة.
لذلك هي وقفت مذهولة من أن السعودية لم تستجيب لأوامر بايدن برفع الإنتاج بسبب أنها كانت تدافع عن مصالحها وعن مصالح شركائها، فيما أمريكا تراعي مصالحها، وترفع الفوائد لسحب الأموال إلى البنوك الأمريكية، ولا يهمها انخفاض العملات العالمية، وتضرر أسواق الأسهم والسندات، بينما السعودية حافظت على استقرار أسعار النفط العالمية الذي صب في صالح استقرار الأسواق الاقتصادية، فيما أمريكا وأوروبا لم يتمكنوا من الحفاظ على أسعار الغاز والفحم الحجري الذي تضاعفت أسعارهما أضعافا كثيرة.
لا شك كانت الوثيقة التي كتبت من قبل الدولة العميقة من أجل أن تدير أمريكا التي تدعي أن العالم بحاجة إلى القيادة الأمريكية، وأن الولايات المتحدة في خضم منافسة استراتيجية لتشكيل مستقبل النظام الدولي، فهي ترى في روسيا متمردا على أمريكا وتهديدا فوريا، كما ترى أن الصين المنافس الوحيد الذي لديه نية في إعادة تشكيل النظام العالمي من خلال قوتها الاقتصادية.
لو لم تكن روسيا تمتلك القوة النووية لقضت أمريكا على روسيا في أوكرانيا، كما قضت على النظام العراقي الذي لم يكن يمتلك أي قوة نووية، ما جعل وزير الدفاع الأمريكي يتصل بنظيره للمرة الثانية منذ اندلاع الأزمة في أوكراينا، ودار الحديث عن الأزمات الدولية.
وسعت أمريكا لخلق تكتلات بمسحة نووية مثل أوكوس في مياه المحيط الهادي مع استراليا، لكن في المقابل أخفقت أمريكا في جعل جزر سليمان موطئ قدم لبحريتها لمواجهة الصين بعد تحول الجزيرة إلى قاعدة عسكرية للصين، وأيضا فشلت أمريكا في مواجهة أوبك بلس بقيادة السعودية التي خفضت الإنتاج مليوني برميل من أجل استقرار أسواق الطاقة، بذلك تكون الصين ودول الأوبك بقيادة السعودية هما قوتان يرفضان الاستجابة لمطالب أمريكا بما يتعارض مع مصالحهما.
هناك من يعتبر الاستراتيجية الأمريكية ليست استراتيجية بمعناها الحقيقي بسبب الانقسام الداخلي الذي يحجم قدرة الولايات المتحدة على مواجهة روسيا أو الصين، بل إنها استراتيجية غير واقعية على نحو أكثر تشاؤمية مثل ادعاء أن الأنظمة الاستبدادية لديها بعض العيوب مقارنة بالأنظمة الديمقراطية في العمل وفقا لإرادتها، وتجاهل كل المزايا، مثل بول بيلار التابع لمركز الدراسات الأمنية بجامعة جورج تاون في مقال له، لكنه أشار إلى أن هناك نقاط إيجابية في الوثيقة منها افتراض التعاون أن المنافسة مع القوى العظمى الأخرى والتعاون مع بعضها لحل المشكلات المثيرة للقلق العالمي، مثل تغير المناخ، والأمراض المعدية، والاضطرابات الاقتصادية، مجالي عمل متكافئين ومتزامنين بالضرورة.
في المقابل تواصل السعودية تعزيز استقرار أسواق الطاقة من خلال تعزيز التعاون السعودي الصيني في مجالات الطاقة واستقرار سوق البترول العالمية، فعقد وزير الطاقة السعودي الأمير عبد العزيز بن سلمان اجتماعا عبر الاتصال المرئي بجانج جيان هواء مسؤول الطاقة الوطنية في الصين، وأكد الجانبان حرصهما على العمل على تعزيز التعاون الثنائي بين البلدين في مجال الطاقة بصفتهما من اهم الدول المنتجة والمستهلكة للطاقة عالميا، وأكدا استعدادهما للتعاون في المحافظة على استقرار سوق البترول العالمية، وتعزيز التعاون في مواجهة التحديات المستقبلية، وعلى أهمية إمدادات البترول الموثوقة على المدى الطويل في جلب الاستقرار لسوق البترول التي تواجه حالات عدم يقين عديدة نتيجة للظروف الدولية المعقدة والمتغيرة، وتظل السعودية الشريك والمصدر الأكثر موثوقية لإمدادات البترول الخام للصين.
إلى جانب الاستثمار في مجمعات التكرير والبتروكيماويات المتكاملة في كلا البلدين من أجل تعزيز سلاسل إمدادات الطاقة عن طريق إنشاء مركز إقليمي للمصانع الصينية للاستفادة من موقع السعودية بين ثلاث قارات، بجانب مناقشة التعاون والاستثمار المشترك في دول مبادرة الحزام والطريق الصينية، بجانب أهمية التعاون في مجالات عدة منها اتفاق التعاون في مجال الاستخدامات السلمية للطاقة النووية، وأهمية التعاون في مجال الكهرباء والطاقة المتجددة، وكذلك التعاون في مجال الهيدروجين النظيف عن طريق الأبحاث والتطور.
* أستاذ الجغرافيا الاقتصادية والسياسية بجامعة أم القرى سابقا











10/22/2022 - 09:46 AM





Comments