العراق المصري!؟ (3) والأخير

10/21/2022 - 09:16 AM

Atlantic home care

 

 

 

مسار عبد المحسن راضي *

 

سونيتات الاستقلال في المشرق العربي المُعاصر، لا يمكن فهمها بدون السُلَّمِ الموسيقي الثوري للقاهرة؛ الذي أجاد المايسترو البكباشي، جمال عبد الناصر، قراءة نوتاته، و احترفت فرقة الضباط الأحرار، عزفها.

السونيته الأشهر التي غنَّاها البكباشي، كانت القومية العربية. إنصاف البكباشي، يدفعنا للقول، إنه غنَّى القومية العربية باللحن المصري. اكتشف في اغنيته تلك، و عبر صدى القوى العُظمى، مغارة علي بابا جيواستراتيجية، بابها القاهرة، و كنوزها المخفية الوطن العربي.

الكونسرفاتوار الناصري، كان ضرورياً لجميع دول المشرق العربي؛ ذات النظام الجمهوري – مثار اهتمامي هنا - كي يسمح لها بالتأليف القومي. لم يكن بالإمكان أن يعزف نظام عربي أو دولة، موسيقاه القومية، إلَّا إذا أدخل القاهرة في حالة طَرَبيَّةً .

استعارة مفردات الناقد الأدبي، هارولد بلوم، و التصرُّف فيها، بالنيابة عن الأنظمة القومية العربية، تبدو ملائمة جدّاً، لفكِّ حبسة لسانهم، عن رأيهم بـ شكسبير القومية العربية: "شخصيته دائماً تُمحينا، حتى في السونيتات الاستقلالية. عبد الناصر هو كلُّنا ولا أحد" (الأصالة الغربية، الطبعة الإنكليزية، ص90، و الجملة الأصل كانت للمقارنة بين شكبير و دانتي).

الثياب الجغرافية: زينة عالمية و خزينة داخلية

اتاتورك، و عبد الناصر، كانت الثياب الجغرافية لبلادهما، قادرة على أن تتحمل زمهرير هذه "الحداثة العالية": "أي عدم الاكتفاء بمحاولة جعل مشهد ما وشعبه قابلاً للقراءة، بل جعل مستقبلهم قابلاً للقراءة" (جون لويس غاديس، المشهد التاريخي/ كيف يرسم المؤرخون خارطة الماضي، ص161).

الخزانة التاريخية للبلدين، احتوت على تجارب حكم مستقرة و راسخة، بنى عليها الاثنان، أمّا صدام حسين؛ فقد وَجَدَ جغرافيا و تجارب حكم تعمل كالتالي: الإسلام يجُبُّ ما قبله! المعنى الروحي لهذه العبارة العظيمة، إذا نُزِعَ من سياقه، و أُقحِم في تجارب الحكم و الجغرافيا، بات تشرنوبل ثقافي و حضاري.

الرئيس العراقي الراحل، نتاج بلد، عمِلَ لألف و أربعمائة سنة، كمركز لوجستي إمبراطوري. أدارت الحكم في هذه البلاد، أقوام مختلفة، مارست حسابات جيوسياسية و استراتيجية متنوِّعَة، غيَّرت كل شيء إلَّا طبيعته اللوجستية الإمبراطورية.

العراقيون لحدِّ هذه اللحظة يرون أنفسهم مركز العالم. هم لا يذهبون إليه بل هو من يأتي إليهم.. واقِفاً أو راكِعاً! هذا طبعاً عيب خلقته جغرافيا بلادهم "شبه الحبيسة". هكذا نوع من الجغرافيا: يُضخِّم الأنا الاجتماعية، و يُطيل فترة شفاء جروح الاحتلال التاريخية.

المُفارقة إن هذا ربّما قد يكون الدافع الأكبر لإرجاع تاريخهم إلى الوراء.. عادةً ما لا يقل عن ألف سنة، مع كل أزمة تاريخية و احتلال جديد، لأنهم لا يستطيعون الحصول، و لو على خمسين سنة مستقرة، لجني ثمار آلافٍ من سنين يملكونها، ولا يحتاجون لحقنها بآلافٍ جديدة!

البكباشي المصري، كان قد رأى مصر ضرورة تاريخية للمنطقة العربية، و وَجَدَ نفسه، المؤهَّل الوحيد لإدارة هذه البطولة المصرية. كانت الكاريزما التي يمتلكها، كفيلةً بشلِّ أقدام من يسعون خلفه ليصبحوا أمامه.

صديقه المشير عبد الحكيم عامر، و الذي كان وزيراً للدفاع، خدع نفسه و ظن نفسه ناصِراً حقيقياً. السبب وكما هو معروف، إنه كان يحاول الهروب، من نتائج إدارته الكارثية للجيش المصري، و التي أدَّت إلى الهزيمة في معركة الخامس من يونيو 1967م، ضد "إسرائيل"، و النكسة المعنوية الكبيرة في الروح العربية. انقلابُ المشير عامر انتهى بانتحاره حسب الرواية الرسميَّة المصرية، و بدسِّ السُّم له من قبل أجهزة مصر الأمنية، بحسب رواية أهله.

العقيد عبد السلام عارف، كان نسخة عراقية من المشير، لكن هو من كان في الأمام. قشَّر عارف بيضة ثورة 14 يوليو 1958م، و التي أكلها الزعيم عبد الكريم قاسم. نجح الرئيس عارف بعدها، في تصفية الرئيس قاسم، برصاصِ ناصريَّته المُتجذِّرَة، و التي توفَّت معه، في حادث تحطم طائرة الهليكوبتر؛ التي كان يستقلها، سنة 1966م.

الرئيس عارف، هو مؤسس الانقلابات العسكريَّة الحقيقي – بحسب تقييمي - في النظام الجمهوري العراقي. هذه المؤسسة الانقلابية، صُفيَّت من قبل الجناح البعثي لـ احمد حسن البكر- صدام حسين.

نائب الرئيس العاطل و البطات العرجاء

الرئيس الراحل، صدام حسين لم يترك خلفه نائب رئيس مميز.. جميع من تولوا المنصب كانوا غروباً! نوَّاب الرؤساء عموماً، هم مادة نوادر و فكاهة. في أمريكا مثلاً، و بحسب سيَّرة الرئيس الأمريكي الأسبق، ليندون بينز جونسون؛ فإن قيمة هذا المنصِب، تصِفُها العبارة التالية: "عندما لا تجِد عملاً تصبح نائباً للرئيس" ( روبرت اي. كارو، سنوات ليندون جونسون، الطبعة الإنكليزية).

التحوَّلُ الكبير في سياسة مصر، بعد موت عبد الناصر، و النتائج الكارثية في العراق، بعد سقوط النظام البعثي، ولَّدت ثقافة سياسية، مبتورة الأطراف الاجتماعية. الإطاران العريضان لهذه الأعضاء المبتورة، أوَّلُهما كان: "في نهاية القرن التاسع عشر، حدث تغيُّر رئيسي: بدأ المثقفون يمارسون لعبة الأهواء السياسية. أولئك الذين كانوا يشكِّلون مكبحاً للواقعية المبتذلة عن الشعوب، جعلوا من أنفسهم مُحرِّضاً لها" (باسكال بونيفاس، المثقفون المزيَّفون/ النصر الإعلامي لخبراء الكذب، ص15).

الأمر الثاني؛ اختفاء مساحات النقاش الجريء – السياسية تحديداً - من الساحة الثقافية. هذه الساحة الضرورية لتثوير بعض الأفكار، و رؤية القاع الاجتماعي وما يمور فيه. المثقفون و الناشطون سياسياً، ضروريون جدّاً بحسب تصوري للدول ذات النظام الجمهوري. هم يتكلمون نفس لغة نظام الحكم.. يكونون قادرين على تقديم الانتقادات له، على طبق من فضة. هم قادرون كذلك، على أن يكونوا "صُنّاع ملوك" مستقبليين.

قاموس كامبريدج، أورد حكاية طريفة، من ضمن ما ذكره عن هذا المصطلح، ألا و هو "البطة العرجاء". إذاً المثقفون و الناشطون سياسياً، هم بطَّة عرجاء في طور "الحداثة العالية"، و صُنّاع ملوك في المستقبل، لأنهم يكونون قد رسموا ملامح سياسات، تحتاج إلى خصائص معينة لإدارة البلاد.

غير اللطيف أبداً، إن بغداد و القاهرة، اختصرت المُثقف: بوقاً و تنظيراً إيديولوجياً.. إيديولوجية ليست لغرض التوضيح، و إنّما لعرقلة المشاركة السياسيَّة. كانت هنالك استثناءات نادرة في الحالة المصرية، خلقتها احتياجات الأمن القومي لمصر. أمّا النسخة العراقية: أبواق لا تصدأ في الداخل، و بحوث سرية، يطلبها النظام من المؤسسات الأكاديمية، و تقارير مُخابراتية، تطَّلِعُ عليها فيما بعد، نخب محدودة، و التي بدورها تعيش اجتماعياً، من خلال حلقات ضعيفة جماهيرياً، لتوصيل ما فوق إلى تحت. باختصارٍ مجازي: قدح ماء يصِلُ القاع الجماهيري نقطة. هذه النخب المحدودة عندما تُغادِر الحدود، تصبح ساكسفون ديموقراطي، بتقنيات نفخ مكوِّناتيَّة!

عُمق الأثر المصري في تاريخ العراق المعاصر لا يمكن إغفاله. يكفي أن نذكر إنه حتّى بعد 2003م، دائماً ما حاول النظام الوليد في العراق، دخول الساحة العربية من بوابة مصر.

 

*كاتب، صحافي، و باحث عراقي

 

Share

Comments

There are no comments for this article yet. Be the first to comment now!

Add your comment