الدكتور نسيم الخوري
أطرح ذبول القوميات، مفترضاً بأنّ العولمة وأفضّل عليها مصطلح الكوننة بأدواتها ومخترعاتها المتنوعة المُغرية والدائمة التواصل والتبدّل، قد أشاعت نسيجاً من العلاقات الساطعة التي تخطّت حدود الدول إلى العالمية بوصفها مشاعات حوار مفتوحة. لا أنعي الفكر القومي، بل أشير إلى جورجيا ميلوني زعيمة حزب "إخوة إيطاليا" كأوّل رئيسة منتظرة وصلت حكم إيطاليا من اليمين المتطرّف الرافض للعولمة والإنفتاح ومقدّماً الهوية الوطنية على الأوروبية. جاءت ترنيمتها المشهورة:" أنا جورجيا، أنا إمرأة، أنا أم، أنا إيطالية، أنا مسيحية" ليتناقلها الإيطاليون الذين رأوا فيها شابّةً مسكونة بإقفال أبواب إيطاليا أمام المهاجرين الذين تجاوزوا ال5 ملايين، لكنّهم غفلوا بأنّها ستفتحها للطاقة والغذاء أمام دول الشرق الأوسط وشرقي المتوسط متجاوزة العقوبات الأوروبيّة، ولن تُخرج بلدها من مجموعة السبع والإتحاد الأوروبي والناتو ومجموعة العشرين.
يقظة التطرف عالمية ولها أسبابها، لكن تقفّي القوميات وأنشطتها تبرزها دينية إقتصادية وسياحية فوق أرض العولمة المفتوحة أمام البشرية الهاربة من الأقفاص الضيقة إلى الهويات المائعة والمطّاطة التي تجاوزت الحدود الصلبة. اجتاحت ظاهرة الحركة الكونية البشر لتقلب المفاهيم السائدة القديمة، وترفع عمارة "الأمميّة الجديدة" مع التنبيه أنّ الفكر الأممي السياسي بمعناه القديم حمل بذور موته تحت إبط الأنظمة والثورات التي "عبدته". لن يغيّر هذا في الواقع العام كلّه سوى "جنون نووي" سيعيدنا نحو نقطة الصفر في تجديد التفكير.
لو سلكنا لِماماً هذا الدرب، وتناولنا نتفاً منه للمجادلة وحسب، نجد في ملفّ مشقّة العروبة أفكاراً ومواقف متعارضة. صحيح أنّها أفكار وتجارب يعتورها الحنين إلى ما قبل تشكّل القوميات، لكنّها ضرورية تكشف الإعاقات التوحيدية لمساحة العرب بصيغتي المفرد والجمع من ناحية، وتقديراً للصراعات السياسية المتضافرة من ناحية ثانية، وصولاً إلى المحصلات الكبرى للقومية التي إنطوت بدورها على جذور دينية لم تليّن المفاصل بين العروبة والإسلام لعقود طويلة، أو أنّها كانت أسيرة اجتهادات رجال الدين لتداريهم وتلطّف من أُحاديتهم في فهم النصوص عبر تدفّق النظريات والأفكار المستوردة التي كانت وستبقى خلف أسوار الدين.
رأى أنطون سعادة مثلاً في القومية العربية، جاذبية شلّت العقل والإدراك والمنطق، فذكّر المصابين بأمراضها وبأوهام الوحدة العربية وهذيانها، أو بخيال العروبة النقيّة، واصماً إياها باللاّقومية والإتّكالية واللاتعميرية، وبأنّها مركونة بالقدرات الإلهية. لربّما غالى بنظرته إلى تأثير الأرض والجغرافية في تقرير حياة الأمم ونهضتها، لكن يجدر بنا، كشحاً لعناصر الإستحالة في تطبيق النصوص أن نطرح أسئلةً نقدية منها:
هل القدرات التقنية الهائلة التي يتمتّع بها إنسان اليوم باطلة في تسخير قوى الطبيعة وتحويلها بتبادلية الوعر بالخصوبة تيمّناً بالدول القوية أوالخصوبة بالوعر خوفاً سماويّاً من المتغيّرات؟
أنجرح الفكر الإنساني وقوّته إن نحن أعدنا النظر في نصوص الجغرافية كأساس متين وثابت في القوميات وعلى ضوء الجغرافيات وتحولاتها الهائلة توخّياً للمعاصرة والحداثة؟
يمكننا ذلك، لأنّ الباب يمكن تركه مفتوحاً عند التيقّن بأنّ الأرض تقدّم الممكنات لا الضروريات ولا الحتميّات وأنّ تأثير الطبيعة يكون كبيراً لدى الأقوام الإبتدائية وفيها لكنّه يضعف كثيراً لدى الأقوام السائرة على دروب التغيير والتطور.
أليس أمراً واقعاً أن نرى الصحاري العربية تُزهو وتزدهر كما أفضل البقاع الخصبة في العالم بعدما فتح قادتها الأبواب على مصراعيها وبحكمةٍ جلبوا بثرواتهم نحوها الأساليب التقنية التي ساعدتهم في تحوّلات الجغرافية إلى مساحات باهرة خضراء مبرّدة وكاملة التجهيز تساهم في اسقاط المقارنات السياسية والفكرية القديمة المرذولة بين الشرق والغرب أو بين شمال وجنوب؟
قد يدفع التفكير الجريء الى ما هو أعمق فلا تعود الأرض في عصر الفضاء عنصراً مادياً أو مركّباً كيميائياً واحداً، بل تصبح هوية متعددة الألوان والتفاعلات تندمج وتنفلش فيها وعبرها عناصر التنوّع في الوحدة والوحدة في التنوّع لتحرّك البشرية التي قد تتشابه بعدما فشلت لأن تكون واحدة بالمعنى القومي والوطني والإنتماء الى الأرض برحمها العالمي الوحيد. لا يمكن أن تستمرّ الأرض في أزمنة الذكاء الإصطناعي لأن تكون ألصق بشخصيّة الإنسان ومسراه من لغات تواصلهم وتفاعلهم بسهولة. يمكن أن نقع على مفكرين معاصرين قلّلوا من شأن اللغة واعتبروها من وسائل قيام المجتمع وسبباً في بناء المجتمعات القومية، لكنها بالرغم من كونها سبباً ونتيجة وأداة للتفكير والإبداع وحاملة للتراث والتغيير، فإننا نجدها في محيط الإندماجية الكونية الكبرى التي تتيحها الانكليزية مثلاً بصفتها خميرة التواصل المعاصر. نحن نشهد للإنسان بالمطلق في عصر الكوننة بصفته سيّداً في الكون ينشط في حقول الكونية التي تدفع نحو المستقبل.











10/17/2022 - 10:03 AM





Comments