نجيب محفوظ عن قرب

10/16/2022 - 09:56 AM

A

 

 

بقلم: ألفة السلامي

 

مرت منذ أيام الذكرى الـ 34 على إعلان الأكاديمية السويدية منح الأديب نجيب محفوظ جائزة نوبل في الآداب، وكان يوم 13 أكتوبر عام 1988 عرسا في كل البلدان العربية. وقد أجريتُ مع الأستاذ نجيب محفوظ حوارات عديدة سنوية، ولم تتوقف إلا عند مرضه أو عند محاولة اغتياله. وكانت المواعيد يتم تحديدها بسهولة ربما أسهل بكثير من تحديد موعد مع مسؤول أو فنان أو حتى أديب ومفكر آخر. ولذلك أسباب، حيث لعب أول حوار أجريته معه بعد نيله لجائزة نوبل دورا مهما في دوام التواصل.

أجريت أول حوار معه عام 1988 بعد عدة ساعات فقط من فوزه حيث رابطت منذ الصباح الباكر أمام مقهى علي بابا في ميدان التحرير وهو مكانه المفضل لاستراحته الصباحية، يمشي سيرا على الأقدام من بيته في العجوزة إلى المقهى ثم يكمل الطريق إلى مؤسسة الأهرام، ويقضي بعض الوقت في المقهى وهو في قمة الاستمتاع بشرب رشفات قليلة من القهوة السادة وتدخين سيجارة ضمن عدد محدود سمح له طبيبه بتدخينه كل يوم قبل أن يتوقف عن هذه العادة. ويتصفح عددا من الجرائد بعدسة مكبرة ثم لم أره يستخدمها بعد ذلك، حيث قابلت الحاج صبري مرة في منزل الأستاذ وعرفت أنه أصبح يزوره يوميا من الأهرام ليقرأ له الجرائد.

والفوز بإجراء الحوار الأول لم يكن بفضل اجتهادي ودأبي وحماس بداية العشرينات بقدر ما كان بفضل بساطة وتواضع صاحب نوبل وهي سمة أساسية غالبة على شخصيته العظيمة أكاد أجزم أني لم أقابل مثلها. تركني أتحدث وهو يستمع مبتسما. كنت أريد أن أقنعه بي وأبعد تفكيره عن صغر سني. رويت له كيف تمكنت من قراءة متكررة لأبرز رواياته، مثل الثلاثية ‏‏(بين القصرين - السكرية - قصر الشوق) وكذلك روايات رادوبيس وكفاح طيبة وزقاق المدق والسراب وبداية ونهاية واللصّ والكلاب والطريق وثرثرة فوق النيل ‏وميرامار والمرايا والحب تحت المطر والكرنك وملحمة الحرافيش.

ورويت له كيف أن واحدا من شلة الأصدقاء المغرمين بالمطالعة يشتري الرواية ونتناقلها فيما بيننا ونستعجل بعضنا البعض لإنهائها حتى نناقشها في جلسة نقدية. كان رقيق المشاعر قليل الكلام يتابع بحماس وكثيرا ما يرد بقفشاته اللطيفة ودمه الخفيف. وتركني بعد هذا التعارف البسيط أسأله ما يخطر لي وأسجل إجاباته. وأعطاني في نهاية الحوار تليفون منزله وطلب مني أن أمده بالحوار بعد النشر. وكانت تلك البداية.

تكررت الحوارات في ذكرى الفوز بنوبل الآداب أو في أعياد ميلاده. ولم يتوقف اللقاء إلا عند أزمته الصحية وعند تعرضه لمحاولة الاغتيال. كنت أتصل بهاتف منزله في الساعة الخامسة فترد غالبا زوجته وتحيل السماعة له أو تطلب مني إعادة الاتصال، وتبلغني بالموعد. أذهب مبكرا قبل الموعد ببضعة دقائق حتى يتسنى لي اللعب قليلا بقططه الكثيرة المرابطة أمام المنزل وكنت أحضر لها بعض الطعام من محل الفول والطعمية الشهير المجاور لبيته. ولا أنسى ضحتكه المميزة عندما قلت له مرة أن قططه تشبه شخصيات رواياته لأنها "شعبية" وأضفت عليها وصف "البروليتاريا" لأنها تحب الفول والطعمية!

كثيرا ما استقبلني وهو يلبس الروب، ويحرص على تقديم طبق الخشاف بالفواكه الجافة التي عشقه ويمنع نفسه عن يتناوله بسبب السكري. وكنت أركز جيدا لأجلس بالقرب من أذنه التي يسمع بها. وكان يسمح بالتصوير في سنوات التسعين وكان الأستاذ مصطفى أمين مصور وكالة أنباء الشرق الأوسط هو من يرافقني في الحوار.

أما بعد محاولة الاغتيال في 2003 فكان الأستاذ يرفض التصوير نظرا لأن الكاميرا تسبب له حساسية في عينيه المتعبتين. أتذكر أحد الحوارات، أظن عام 1993، قال لي أني "فاجأته" وفرحت بهذا التعليق وحلقت عاليا في السماء من فرط السعادة. لم أحاور حينها محفوظ عن القضايا المتعارف عليها وابتعدت تماما عما يثار حوله ربما لأني شعرت بأنه دبلوماسي وأن أجوبته قد لا يخرج منها عنوان يثير فضول القراء خاصة من الشريحة العريضة التي لا يستهويها الأدب، حيث كنت أعمل محررة اقتصادية في جريدة العالم اليوم، وكان ذهني مشغول بكيفية التقاط الجديد.

سألته عن قيمة الجائزة وكيف تصرف فيها وهي على ما أذكر9 ملايين كرونة سويدي أي ما يعادل حوالي 900 ألف دولار بالإضافة إلى شهادة وميدالية ذهبية عيار 18 وذكر لي في الحوار أن وزنها حوالي 170 غراماً. وقد أعجبه السؤال رغم كونه شديد الحرص على خصوصية هذا الأمر لكن أمام إلحاحي أجاب بأنه قسمها إلى أربعة أقسام حسب عدد أفراد أسرته، فأعطى زوجته وابنتيه (أم كلثوم وفاطمة) نصيبهن، أما نصيبه فتبرع به لبريد الأهرام الذي كانت تصله رسائل قراء يطلبون المساعدة والعون، وأودع المبلغ كوديعة في البنك يذهب عائدها لسد حاجات المعوزين، كما تبرع بأول عائد منها لحساب الهلال الأحمر الفلسطيني. واتضح لي أنه لم ينفق على نفسه منها شيئا.. لم يشتر بيتاً جديدا أو فيلا أو حتى شاليه على أحد الشواطىء ولم يشتر سيارة مثلا وهو الذي كان يستمتع بركوب التاكسي والمواصلات العامة.

 يملك القدرة على الاستغناء ويكتفي باحتياجات بسيطة لم تتغير بعد الجائزة. وكنت أمازحه عندما سألته عما إذا كان قد اشترى لنفسه بدلة جديدة أو ساعة أو حتى حذاء من أنواع الماركات الشهيرة. فرد بأنه مازال يفصل ثيابه عند نفس التارزي وأنه يدفع حوالي ثلاثين جنيه في البدلة الصيفي وأنه يفصل أيضاً حذاءه عند "جزماتي" في شارع قصر النيل نظراً لأنه يحتاج لحذاء بمواصفات خاصة تناسب مرضى السكري من أمثاله. سألته أيضا عن مرتبه الشهري ومصروف بيته ومصروف جيبه - وقد كانت تلاحقه تهمة البخل -.

كما سألته عن سبب قيمة العقد الزهيدة مع دار نشر الجامعة الأمريكية وكيف أنه يظلم شباب الكتاب لكنه اعتبرها شطارة منه لأنه سمح بترجمة رواياته للانجليزية وإلى 40 لغة أخرى وهذا كان هدفه وهو الوصول إلى القراء في شتى أنحاء العالم وهو الذي لم يسافر في حياته إلا مرة واحدة عندما كان مريضا وأجرى عملية في لندن حيث أنه اعتذر عن حضور أهم حدث في حياته وهو استلام جائزة نوبل وكلف ابنتيه والكاتب الأستاذ محمد سلماوي بذلك ولا أنسى أنه قال لي إن من يراه يستحق الجائزة هو يحي حقي. هل هناك تواضع أكثر من هذا!

أخيرا لا بد أن أشكر من أوحى لي بكتابة هذا المقال عندما أرسل لي هذه الصورة وهو الأستاذ زهير القمبري رئيس تحرير جريدة الصحافة عندما أجريت أحد حواراتي مع نجيب محفوظ لتنشر في جريدته.

والكتابة عن محفوظ وتدريس رواياته وإعادة نشرها وإتاحتها للأطفال والشباب أراها مهمة قومية وطنية خاصة بعد أن تسطحت ثقافتنا السائدة وربما لو سألنا صغارنا في المدارس عنه قد لا يعرفوه أو يظنون أنه لاعب الكرة.

لقد كان محفوظ بالنسبة لي ولجيلي مؤسسة ثقافية عتيدة نتعلم من رواياته صحيح اللغة وعوالم السياسة والفلسفة والأحداث الكبرى. كنت واحدة من أجيال تربت على أدب محفوظ وقرأنا بل التهمنا أغلب رواياته وما أن نفرغ من واحدة حتى نبحث عن ثانية وكانت المكتبة العامة زادنا وزوادنا أيضاً وقد لعبت دوراً هاماً ورئيسيا في تأثيثنا وساهم المربون في المدارس في ترغيبنا في المطالعة كما ساهمت لغة محفوظ السهلة وأفكاره المتدفقة في غزل أفكارنا كمن يغزل الثوب من الحرير الحر.

 

 

 

Share

Comments

There are no comments for this article yet. Be the first to comment now!

Add your comment