رئيسة البعثة الاممية في العراق جينين بلاسخارت
مسار عبد المحسن راضي *
تمنيت أن تكون كلمة الإحاطة الأخيرة، لـ رئيسة البعثة الاممية في العراق جينين بلاسخارت، قريبةً من الجرادة جيمني. ضميرُ الفتى المُشاغب، في رواية الإيطالي كارلو كولودي - مغامرات بينوكيو - لتستطيع إخراج قمح الأفعالِ الدوليَّة، من الصوامع الأخلاقيَّة للأمم المُتحِدَة. الإحاطة، كانت بدرجة سالب جيمني. لم يكن هناك سوى خترشة – صوت الجرادة عندما تأكُل – الضمير الدولي.
الكلمة كانت معركة سيكولوجية
إحاطة السيدة بلاسخارت، في الرابع من أكتوبر 2022، حمَّلت النِظام السياسي العجيب في العراق - مع الدولة و ضِدَّ الدولة – المسؤولية كامِلة. جميعُ الفرقاء وقعوا تحت عجلات كلماتِها. مع الأسف تلك العجلات، كانت مصنوعة من البسكويت الشهير الذي ارتبط بالملكة انطوانيت!
كان سيَّرُ عربةِ الإدانة "الانطوانيتية" - نسبة إلى انطوانيت اسم بلاسخارت الأوسط قبل الزواج – قد تعطَّل بما لا يقِلُ عن مرتين. في الأولى، سقطت منهما مسامير المنطق، عندما أعادت تكرار حقيقةً مُمِلَّة، مفادُها: إنَّ تغيير الأمور في العِراق وقفٌ على الإرادة السياسيَّة للفرقاء!
المرّة الثانية، عندما اتخذت "بلاشارت" - بلفظ الراء مُخفَّفَة - بحسبِ النُطق الأُممي، من زيارةٍ لعائلةٍ عراقية، والحديث مع ابنها ذي الستة عشر ربيعاً، دليلاً على خوفِ العراقيين من المجهول.
فُرشاة بلاسخارت - بحسب النطق الهولندي لأسمها – لرسمِ مشاركة الفتى في الاحتجاجات العراقيَّة، تلك التي نجت من قِناع العمامة الدينية، و ارتدت رأس ثورة "تشرين" 2019، جمعت بين الفن السريالي و التكعيبي. أرادت أن تُبرِز من جانبٍ، اللون الوطني لثورة العراق منذُ 2019، و اللون العذري لـ الاحتجاجات الشعبيَّة. طبيعةُ اللون، مُشتقةٌ من خوفٍ، وصفهُ الإنسان العاقل فلسفياً بـ: المجهول.
وزيرةُ الدِفاع الهولندية السابقة، و التي تعرِفُ، النتائج الكارثيَّة لتَدَخُّلِ بِلادِها و القوى العُظمى، في دولٍ مثل العراق، أفغانستان، و مالي، أرادت الهمس لشعوب العالم، بأنَّ النشاط السياسي للعراقيين، تلميذ في أول ابتدائي، و إنَّ الطريق ما زال طويلاً أمامهم، للسماحِ لهم بالوقوف على منصة الاهتمام الدولي!
الأمانةُ هنا، تدفعُنا للحديثِ عن لعنةٍ تاريخيَّة، تسرَّبت إلى ميديا العالم، بعد استقلال العِراق، في خمسينيات القرن الماضي. العِراق حافظ كما يبدو، على دور "الرجل الغامض"، في مسرح القوى العُظمى و منها العم سام.
الرئيس عبد الكريم قاسم؛ الذي فجِّر ثورة 14 يوليو 1958م في البلاد، اُعتبِر "شخصية غامضة"، بحسب تقييم المخابرات المركزية. كان مشكوكاً أيضاً في سلامته العقلية، لأنه كان يؤمِنُ بفكرةِ حُكم العِراق، بعيداً عن الاشتراطات الشيوعيَّة، البعثيَّة، و القوميَّة.
النتيجة ذات العلاقة بسياقِ طرحِنا: "عزل العراق سيكولوجياً". و "الالتزام بـمقاربة - العمل كالعادة - تجاه العراق، و علاقات وديَّة مع العراقيين، لكن ليس بشكلٍ فعَّال" (براين آر. غيبسون، بيَّعت؟/ السياسة الخارجية الأمريكية، العراق، الأكراد، و الحرب الباردة، الطبعة الإنكليزية، ص24 و 25).
الفتى ذي الستة عشر ربيعاً، هو نُسخةٌ قاسميَّة، و بالوصف التالي: عُذريٌّ سياسيَّاً و كائِنٌ جديد دوليَّاً!
ميديا، بيروقراطية، و فساد
نستطيع أن نقول عن العراق، إنَّهُ لا يصِلُ إلى عنقود الميديا بانتظام.. سواء كانت عربيَّة أم عالميَّة. هو من: " تلك البلاد التي لا تجد اهتماماً من الصحافة العالمية إلَّا إذا وقعت فيها أزمات وأحداث هامة". و "السياسةُ هناك مقصورة على الشخصيات الكبيرة" (معهد الصحافة الدولي في مدينة زيوريخ، اخبار الشرق الأوسط في الصحافة العالمية، ص 14 و 97). هكذا فإنَّ الفرقاء أو اللاعبين السياسيين في العراق، هم الاسم الحركي الذي استخدمته بلاشارت، لـ "الشخصيات الكبيرة" جدّاً!
يجب أن أعرض هنا، بعضاً من تجارب الميدان، مع الأُممية الكبيرة وبناتِها الصغار، مثل: اليونيسيف، اليونسكو، منظمة العمل الدولية، و اليونامي. في أعمالي التحضيريَّة لكتابةِ مقالٍ عن اليونيسيف بشكلٍ رئيس – الأفريقيتان في ملعب غولف اليونيسي- احتاج توجيه أسئلةٍ رسميَّة لها ولشقيقاتِها.
تفاجأت و خلال مدَّة الانتظار، بعد تخديري فيها بوعود الإجابات، إنَّ المسؤولين عن تلك المنظمات، قاموا بزياراتٍ مكوكية، لمؤسسات الدولة العراقيَّة، ذات العِلاقة بنشاطاتِهم الأُممية. سلوك تلك الفتيات الصغيرات كان: خيانةً أُممية!
التجربّة الموثَّقة الثانية، حدثت مع فريق بلاسخارت الإعلامي. كانت نتيجة أسئلتي، قيام "يوني" – نسبة إلى اليونامي- بإصدارٍ بيانٍ عن إحاطة السيدة بلاشارت، من 207 كلمة إنكليزية.
لِعبُ دور المُطلَّقة الأُممية و اللعوب محلَّياً، في العراق، هو مع الأسف الشديد ليس نزوةً عابِرة؛ بل نوعٌ من أشدِّ أنواعِ التحيُّز البيروقراطي سذاجةً: "المنظمات تطور ثقافات وعمليات لها أُسس تؤدي إلى ظهور رؤى عامّة مُعيّنة" (إيان بريمر و بريستون كيت، الذيل السميك/ أهمية المعرفة السياسية في الاستثمار الاستراتيجي، ص30).
الأخطر؛ إنَّ هذا السلوك يشي بأنَّ شِفاه "يوني"، قد انتقلت إليها عدوى الفساد، و الذي هو مرادِفٌ لجملة النِظام العراقي! كما بيَّنت إحاطةُ المُمثِّلة الخاصَّة، للأمين العام الأممي. إذ إنَّ النِظام العراقي وسُلطاته الثلاث مثلاً، تتمتعُ بميزة "المدفوعات النثريَّة"، و التي تلقى حتفها في بنودٍ غامِضة الصرف، و بذرائعٍ عديدة: " أدّت الآثار التراكمية لفساد المدفوعات النثرية إلى تدهور قُدرة الحكومات على تقديم الخدمات الأساسية، وإقرار الأمن حتى داخل عاصمة البلد أحياناً" (المصدر السابق، ص45).
ألوان و حقائق سرية علنية
حضورُ الأحمر و الأسود، في ثياب السيدة بلاسخارت، كبيرٌ نسبياً، في كُلِّ إحاطةٍ عن العراق. و يفتِنُ لنا، بأنَّ هذين اللونين المُفضَّلين، مع لازمةِ وضعُ الشال على كَتِفيها، ثُلاثي ضروري، لظهورِها الأُممي.
الثُلاثي، يكشِفُ لنا طبقتين رمزيتين. السطحيةُ منها، تتعلَّقُ باللغة السياسيَّة للألوان: جذبُ الأنظار و دفعِها للتركيز على ما تقول. أمّا استخدامُ الشال، والذي هو دلالةٌ على الثقة؛ فيعملُ كوعدٍ للآذان العُظمى – الدائمون الخمس في مجلس الأمن - بأنها كراصدٍ أُممي، لن تقول شيئاً، ينحرِف عن سياق التوازنات الاستراتيجية العالميَّة.
الطبقةُ الأعمق، لها عِلاقةٌ بكونِ هذين اللونين، امتيازٌ روماني، كهنوتي، و فاتيكاني، تستطيعُ السيدة بلاسخارت الهولنديَّة، استخدامهُ لصالِح بلاشارت الأُممية! كونها تنتمي لسلفٍ روماني. الشالُ كذلك ينتمي إلى هذا العالم الثُلاثي.
أجِدُ إنَّ على السيدة بلاشارت، أن تكون دقيقةً أكثر، في اختيارِ ألوانِها السياسيَّة، و السبب إنَّ البيئة العراقيَّة المُعقَّدة، قد تضغطُ على شخصيتِها الأُممية، وتُخرج مكنونات الإنسان بلاسخارت، و التي هي لا تنفعُ العِراق بشيء. الأرجح إنَّها قد تُصيبُها بضررٍ، شبيه باللون الأزرق الذي أدمنته، بِدَل رئيس الحكومة السابق، السيد مصطفى الكاظمي، حيثُ فضحَ تفضيلهُ اللوني هذا، مزاجاً سريع التقلُّب.
إحاطة السيدة بلاشارت، نجحت بعد كُل شيء، في تحريكِ المياه الراكِدة.. دفعت البرلمان العراقي مثلاً، للاستعراض السياسي في رواندا، فكَّت حبسة واشنطن، لدعم تشكيلِ حكومةٍ عراقيَّة، متيقِّنةٌ هي من طبيعتِها "الإطاريَّة"، و جعلت النائب العراقي في البرلمان العربي، السيدة حنان الفتلاوي، تُدافِعُ عن جيرانٍ قريبين كالأرجنتين، وتتهِمُ جيراناً بعيدين كالعرب، بعدمِ القدرة على صياغةٍ لُغويَّة متوازِنة، لواقع العراق، مُتناسيةً مأساتِه بفريق "الشخصيات الكبيرة" التي تسيرُ بهِ نحو المجهول.
*كاتب، صحافي، و باحث عراقي











10/15/2022 - 10:31 AM





Comments