تصاعد الدور السعودي بقيادة ولي العهد في تخفيف حدة التوتر بين روسيا وأوكرانيا

09/28/2022 - 09:47 AM

A

 

 

د. عبد الحفيظ عبد الرحيم محبوب

 

لم يخرج العالم من كوفيد19 حتى دخل في أزمة أخرى أشد فتكا، خصوصا بعدما خرجت أمريكا من مواجهة الإرهاب في أفغانستان، لكنها أصبحت أمام مرحلة جديدة يصر فيها الرئيسين الصيني والروسي على عالم متعدد الأقطاب، ولم تكن قراءة أيضا ميركل المستشارة الألمانية عندما نددت الولايات المتحدة بإنشاء الخط الثاني نورد ستريم، ولم تكترث كثيرا ميركل.

 بالطبع حذرت أميركا أن تظل أوروبا أسيرة الغاز الروسي، وعليها أن تبحث عن بدائل للغاز الروسي، لكن أوروبا كانت مسترخية، ولم تستجيب، هذا إلى جانب أن الصين أصبحت الشريك الأول لأوروبا، بعدما كانت الولايات المتحدة، وهي تواصل بناء الحزام والطريق عبر أوراسيا إلى أوروبا، في المقابل كانت تضغط أوروبا على أمريكا لتحقيق الاتفاق النووي مع إيران كبديل للحصول على الغاز والنفط، لكن في المقابل كانت هناك الضغوط السعودية الإسرائيلية على أمريكا التي وقفت حائلا أمام تحقيق هذا الاتفاق، لم يكن أمام أوروبا سوى اللجوء إلى السعودية التي تمتلك مفاتيح الطاقة، ما جعل المستشار الألماني أولاف شولتس يزور السعودية والإمارات وقطر لتعويض الطاقة التي فقدتها ألمانيا من روسيا.

أصبحت أوروبا مسرحا لهذه الأزمة بين روسيا وأوكرانيا، ودخلت أوروبا هذه المنازلة وصراعات الاستنزاف بل والإذلال بل وضربها زلزال بانتخاب جورجيا ميلوني حزب إخوة إيطاليا الجديد اليمني الذي يعادي المهاجرين، ويلتقي الحزب مع أفكار هتلر وموسيليني أي يلتقي الحزب في خطابه مع الفاشية التي تلتقي مع حزب اليمين في فرنسا والسويد والمجر واسبانيا.

 حيث أثرت هذه الحرب في أوروبا على جبهة الاقتصاد العالمي، وارتفع التضخم في أوروبا إلى 9.6 في المائة نتيجة ارتفاع أسعار الغاز إلى نحو عشرة أضعاف عن قبل الحرب، وأيضا ارتفعت أسعار الغذاء، وأثرت الحرب على الأنشطة الاقتصادية في أوروبا، لكن التضخم في الولايات المتحدة رغم ارتفاعه منذ أكثر من خمسة عقود إلا أنه ليس نتيجة ارتفاع الغاز والنفط لأن الولايات المتحدة تنتج الغاز الصخري والنفط.

تدير أمريكا دفة الصراع بينها وبين روسيا في الساحة الأوربية، رغم أن هناك دول رفضت تسليم أسلحة لأوكرانيا كألمانيا وهولندا ودول أخرى أوروبية لتحييد الصراع، أيضا حتى أمريكا قدمت صواريخ هيمارس وهارم فقط لدفاع أوكرانيا عن نفسها وهي أسلحة غير هجومية، وبالفعل استردت أوكرانيا أجزاء من خاركيف التي لم تستولي عليها روسيا بالكامل، لكن بوتين أثناء اجتماعه في سمرقند لحضور منظمة شنغهاي، أكدت الهند على هامش قمة شنغهاي من أن الحرب القائمة ليس وقت الحرب الآن، وكذلك الصين لا تود أن تستمر هذه الحرب بسبب أن الصين لديها شراكات تجارية مع أوروبا لا تود أن تتأثر، كما ليس من مصلحة الولايات المتحدة كسر هيبة روسيا، بل ترويض روسيا حتى لا تتمدد الصين أكثر في آسيا الوسطى وأوروبا، ما جعل بوتين يعلن التعبئة الجزئية بجانب إجراء استفتاء في أربعة مناطق تنتهي في 30/9/2022، وتصبح أراضي روسية تدافع عنها على غرار الاستفتاء في خيرسون عام 1991 وتم انضمامها إلى أوكرانيا من أجل إنهاء الحرب.

حظيت السعودية باحترام دول العالم، وبشكل خاص طرفي الصراع بسبب أن السعودية لم تصطف إلى جانب أحد الطرفين، ما جعلها تتحول إلى وسيط نزيه، والتوسط بين روسيا وأوكرانيا في الإفراج عن مرتزقة كانوا يحاربون إلى جانب أوكرانيا، وافق بوتين عن الإفراج عنهم وعدد منهم محكوم عليه بالإعدام نتيجة العلاقة المتينة بين ولي العهد السعودي وبوتين، وكذلك مع زيلينسكي التي كانت وراء نجاح الوساطة.

 وقد شكر كل من بوتين وزلينسكي الأمير محمد بن سلمان على مساهمته الفاعلة في إنجاح تبادل الأسرى واستعداد السعودية لبذل كافة الجهود لحل الأزمة سياسيا، وأيضا شكر زيلينسكي سمو ولي العهد قبوله دور الوسيط، ومنوها بالدور المحوري للسعودية في منطقة الشرق الأوسط والعالم، وكان عدد الأسرى عشرة من مواطني المغرب والولايات المتحدة وبريطانيا والسويد وكرواتيا، كما قدم مستشار الأمن القومي بالبيت الأبيض شكره لولي العهد ولحكومة السعودية، وأيضا من قبل وزير الخارجية الأميركي بلينكن، وهذه الصفقة أثارت الإعلام الغربي خصوصا لأن الأسرى المفرج عنهم مرتزقة، وهي بذلك تعطي ثقل للسعودية، وبشكل خاص ولي العهد الأمير محمد بن سلمان رئيس مجلس الوزراء السعودي.

فالسعودية نجحت في تحقيق ما عجزت عنه دول كبرى، وهو ما يؤهلها لأن توسع مدى الوساطة كي تكون أشمل وتستهدف وقف الحرب، وهي بذلك حققت انتصارا دبلوماسيا التي وضعت سمو ولي العهد في الواجهة كشخصية فاعلة في المستقبل، ليس فقط على المستوى الإقليمي، ولكن أيضا على المستوى الدولي.

 وقد أكد وزير الخارجية السعودي الأمير فيصل بن فرحان لهيئة الإذاعة البريطانية أن الدافع وراء وساطة السعودية في إطلاق سراح الأسرى كان إنسانيا بالأساس، ونفى أن يكون ولي العهد قد توسط في الأمر لتحسين سمعته الدولية، وأكد أن ولي العهد يجري اتصالا مع بوتين منذ أبريل عندما تفهم قضية المواطنين البريطانيين الخمسة بعد زيارة إلى السعودية قام بها رئيس الوزراء البريطاني آنذاك بوريس جونسون، وأكد وزير الخارجية لشبكة فوكس نيوز أن ولي العهد استطاع أن يقنع بوتين بأن هذه لفتة إنسانية تستحق العناء، وهذه الطريقة التي حققنا بها هذه النتيجة، وتلقى ولي العهد شكرا من قبل رئيسية وزراء بريطانيا ليز تراس.

تنامت أهمية السعودية أكبر دولة مصدرة للنفط في العالم، بالنسبة إلى واشنطن وموسكو في وقت تربك فيه الحرب الروسية في أوكرانيا أسواق الطاقة العالمية، والآن تشعر أمريكا صحة موقف السعودية الصامد الذي رفضت فيه السعودية مطالب أمريكا بزيادة إنتاج النفط من أجل عزل روسيا، لكن هذه الخطوة جعل السعودية تعزز تعاونها مع بوتين، وبعد نجاح تلك الوساطة ستقدر أمريكا موقف السعودية الإيجابي.

 وقد ذكرت فاينناشال تايمز يعتبرون محمد بن سلمان شوكة في ظهر أمريكا، وأن بايدن بلع كرامته، وأن استقباله مهين، عوامل انخفاض أسعار البترول ليس بسبب زيادة الإنتاج، بل بسبب الحرب في أوكرانيا، ففرض سياسات أمريكا على السعودية لم تنجح، الظروف ليست في صالح الغرب وتغول أمريكا على السعودية أصبح أقل، بل كانت رسالة للغرب كافة من أن السعودية بموقفها الرافض يمثل حياد إيجابي كان مفيدا لهم أيضا.

 لأن السعودية انتهجت استراتيجية الوساطة الدبلوماسية، وهي دبلوماسية مترسخة في السعودية، وسبق أن أحرجت الدبلوماسية السعودية الدول الكبرى عندما نجحت في رأب الصدع بين جارتين نوويتين الهند وباكستان، فالأمير محمد بن سلمان حول علاقاته مع روسيا التي كانت موضع انتقاد شديد إلى خدمة أوروبا والمجتمع الدولي وخدمة مستقبل أسواق الطاقة والغذاء وبقية سلاسل الإمدادات التي تأثرت نتيجة هذه الحرب التي وصلت حتى إلى أمريكا وبقية أنحاء العالم، ويأتي على راسها خدمة الجانب الإنساني، فاليوم الجميع يتودد للسعودية.

فوساطة الأمير محمد بن سلمان ولي العهد ورئيس مجلس الوزراء أكبر من مجرد نصر دبلوماسي، فهو رجل دولة قادر على لعب دور وازن إقليميا ودوليا بعيدا عن أي صورة مشوهة حاول الإعلام المعادي رسمها في الفترة الماضية لتحجيم دور السعودية وابتزازها، بل أكدت السعودية أن لا أهداف سياسية من الوساطة السعودية لدى روسيا، خصوصا وأن العلاقات بين روسيا والسعودية أبعد من مجرد تحالف نفطي.

 

 [email protected]

 

 

Share

Comments

There are no comments for this article yet. Be the first to comment now!

Add your comment