أبقاكم الله في أرحام أمهاتكم

09/19/2022 - 11:28 AM

Prestige Jewelry

 

 

الدكتور نسيم الخوري

 

عندما كانت الآرض مغمورة بالمياه، كانت حركة الكائنات مائية أي تسير بحريّة وسلاسة وهندسات غرائزية محفوفة بالتواصل والتقاتل ومحفوظة بالتلاقح للتكاثر. وبعدما انحسرت المياه بثلثيها اللذين يغمران الأرض أو الثلث اليابس بجباله الجليدية الشاهقة ووعورته، وقعت الكائنات كلّها في صراع شرسٍ أبدي وراحت تزحف وتُجاهد وتتقاتل وتلغي بعضها بعضاً فوق اليابسة بسبب صعوبة الحركة ومشقاتها درءاً للجوع والإلغاء وتحقيقاً لغريزة البقاء.

لنقل بأنّ الإنسان كان الأذكى والأشقى فوق الأرض على صورة خالقه كما جاء، لكنّه هام مسكوناً بالموت تفترسه جرثومة لا تُرى من طراز الكوفيد مثلاً التي قلبت العيش في الدنيا.

أنسج هذه المقدّمة للتنبيه الى كوارث انتقال السلطات في القطب المتجمّد اللبناني، إذ يُخاطب الناس الأجنّة في أرحام أمهاتهم بالقول: "أبقاكم الله في مائكم الأوّل".

يشتدّ تلوّي اللبنانيون فوق اليباس السياسي الطائفي العام المتقاتل والمتشظي بالطلاق وهجرة الشباب وبؤس العائلات ويأسها والعجزعن دفن ضحاياهم ومعالجة مرضاهم ومحاصرتهم بالفقر والجوع وعصابات التهريب والسرقات والتشليح المتنامية وحوادث السير اليومية المرعبة، وحصر المعونات والتبرعات والعطاءات الدولية بجمعيات المتعددة المتنوعة التابعة بمعظمها للأحزاب المذهبية إيّاها، جاهلين مسارب توزيع غلالها، بينما يتلوّى "أسياد" الجمهورية المتلاشية ببرك السجالات في الشاشات والمواقع (تصوّروا أن عدد المواقع الإخبارية تجاوز الـ 1006 في لبنان) في تفسير دستور الطائف الذي لم ينص مثلاً لا على المهلة المعطاة لرئيس "الجمهورية" الماروني بإعلان اسم رئيس الحكومة وتكليفه رسمياً بعد الإستشارات البرلمانية ولا على المهلة الممنوحة للرئيس المكلّف بتشكيل الحكومة بالتشاور والتنسيق مع رئيس الجمهورية. والسؤآل الخلافي الأكبر هو: هل يحقّ لحكومة تصريف الأعمال الحالية برئاسة نجيب ميقاتي دستورياً تسلّم سلطات رئيس الجمهورية ميشال عون المنتظر أن يغادر قصر بعبدا بانتهاء ولايته منتصف ليل 31 تشرين الثاني/نوفمبر أم لا.

يروي الرئيس السابق للبرلمان اللبناني حسين الحسيني، موضحاً أنّ مداولات الطائف وتقاريره ووقائع جلساته التي حجبها وكمّمها عن الأجيال اللبنانية المستقبلية من دون وجه حق، لم تهمل أبداً "المعضلتين" المذكورتين في الصلاحيات، بل تمّ الإتّفاق شفهيّاً على مهلة اربعة اسابيع و 10 أيّام إجترحناها من قاعدة الطلاق لدى المسلمين، إذ بعد ان يُطلّق الزوج زوجته ثلاث مرات،لا يمكنه استرجاعها الا بعد زواجها من آخر قياساً على إيفاء العدّة الشرعية، وهو ما أثار جدلاً واجتهادات في مدينة الطائف لم يفض إلى نتيجة مكتوبة، لأنّ رفيق الحريري قبل أن يكون رئيساً للوزراء اعتبر الإجتهاد تقييداً لصلاحيات رئيس الحكومة المقبل.

تصوّروا هذا الشلل الدستوري الذي جعلهم رهائن الخارج بانتظار مؤتمر عربي بإيحاءات دولية تُخرجهم من هذا الأنفاق المتجمّدة عبر تعديل الدستور وإلاّ السقوط في الفوضى ولربّما تجدد الحروب الأهلية ونسف الدستور من أساسه. ضف إلى ذلك، أنّ الصراع الماروني قوي وثقيل جدّاً بين المرشّحين الكثر لكرسي بعبدا في مرحلة فُتحت وفقاً للدستور لكنّها شديدة الخطورة لأنهم تشظّوا قبل غيرهم في أرجاء الداخل والخارج المتنوع، وباتوا ورقة ضعيفة بعدما كانوا الزاوية عبر الدعامات السياسية الإقليمية والدولية، وهم يمعنون لاواعين في تهشيم كرسي بعبدا ، في أزمنة المتغيرات السلطوية عبر تقدم الثنائيات والثلاثيات والتكتّلات الحزبية تضافرها بقايا الأحزاب الصغيرة المترهلة.

ننتظر النجدة في "جمهورية" طيّف أسيادها دستور الطائف ثمّ طوّفوه ليحُشرونهم في الـ 2008 متنافرين "دوغما" بطائرة نحو الدوحة ويعودون باتّفاقٍ أجهض بعض ركائز اتفاق الطائف محكوماً بالإهمال والتجاوز والتعثر الوطني، لتبقى "الجمهورية" مستوردة مشلولة وكأننا نعيش فعلاً بلا دستور وأياً كان يتطاول متجاوزاً حدوده وصلاحياته ومقامه وتأثيره بالإستناد إلى جمهوريات الأحزاب الطائفية "الأقوى والأنقى" طبعاً بين قوسين.

لبنان واقع في فجوة تتجاوز حجمه وجحيمه، وأرى اتّفاق الطائف اليوم، كما سبق واختصره الصديق الرئيس الدكتور سليم الحص "مشابهاً لدستور الإيمان، إمّا أن نكون معه أو ضدّه"، ولهذا سيبقى اللبنانيون، على الأرجح، وخصوصاً الموارنة، هائمين في الأمم لا يحلمون لا بوطنٍ خاص ولا بدستورٍ جديد بل بمروحةٍ من الصلاحيات القديمة الواسعة التي أضاعوها واستهلكت مع الدستور الأول الذي أكلته الحروب الداخلية والخارجية.

إنّهم يتزاحمون مجدّداً على كرسي (سنتناولها قريباً)، وكأنهم بانتظارغودو الذي لن يأتي لتكسير جبال الجليد في ما بينهم ولذا نراهم في مع غيرهم في ردهات المطار الذي تسكنه، للأسف، فضائح نتف الريش بالدولار فريش لمليوني مصطاف ونصف، غادروا تماماً كما مستائين كما "الصيصان الحلوين".

 

 

Share

Comments

There are no comments for this article yet. Be the first to comment now!

Add your comment