د. عبد الحفيظ عبد الرحيم محبوب
منذ عهد الملك عبد العزيز مؤسس الدولة السعودية الثالثة رفض عزم جماعة سعودية ساهمت معه في تأسيس السعودية، ولكنهم أرادوا استكمال ضم العراق بعد ضم الحجاز 1925، ولكنه رفض الملك عبد العزيز بسبب وجود معاهدات حدودية وقعت في المحمرة والعقير مع العراق والكويت، ولا يمكن أن يصطدم الملك عبد العزيز مع قوة عالمية تحتل الكويت والعراق، لكنهم أصروا على ذلك من أن ذلك حسب رأيهم يصب في غزواتهم جهادا ونصرا للإسلام، ولم يستجيب لتلك الدعوات القاصرة الصادرة من جماعة.
ومن قبل رفض الملك عبد العزيز طلبا من الحكومة البريطانية بأن يكون الملك عبد العزيز طرفا في تكوين جيشا يتكون من الجيش السعودي وابن صباح وخزعل الكعبي ليقوموا بتحرير البصرة من الدولة العثمانية لكنه رفض الملك عبد العزيز هذا التدخل.
وعندما علمت الدولة العثمانية بذلك اعترفت بالدولة السعودية عرف باتفاق الصبيحة، ثم قامت الحرب العالمية الأولى، فانشغلت بريطانيا والدولة العثمانية بتلك الحرب، وأكد الملك عبد العزيز التزامه في هذه الحرب بعدم إعلان الحرب على ألمانيا وتركيا كما تريد بريطانيا، وهو ما يسمى بالحياد الإيجابي الذي لا يغضب أحدا، لكنه يحافظ على مصالح الدولة نفسها، في المقابل نجد الشريف حسين وابنه فيصل رفضا طلب الدولة العثمانية طرد الإنجليز من قناة السويس، كذلك وقف ابن رشيد مع الدولة العثمانية، نجح البريطانيون في انتزاع العراق من الدولة العثمانية 1914والتي نتج عنها اتفاقية اعتراف بريطانيا بسيادة الملك عبد العزيز في دارين قرب مدينة القطيف في 26/12/1915، لكن نجد أن الشريف حسين بن علي رفع شعار الثورة العربية الكبرى ضد الدولة العثمانية بعد إخراجهم من الحجاز في 10 يونيو 1916 لم يشترك الملك عبد العزيز في هذه الثورة ولم يقم بمثلها، وهو ما جعل بريطانيا والدولة العثمانية تقفان على الحياد عندما ضم الملك عبد العزيز الحجاز في سبتمبر 1924- ديسمبر 1925 حيث تنازل الملك حسين عن العرش ورحل عن الحجاز، فقط تركت بريطانيا إيران تسيطر على إقليم الأحواز في 20/4/1925 من أجل عمل توازن قوى بين طرفي الخليج العربي.
رفض الملك عبد العزيز طلب البنا زعيم الإخوان المسلمين الذي حضر للحج عام 1936 فتح فرع للجماعة في السعودية، وقال قولته المشهورة كلنا إخوان مسلمون، وأثناء أزمتهم مع الرئيس جمال عبد الناصر لكن في ظل ظروف سياسية وخلافات أحدثتها النزعة القويمة والنظام الاشتراكي في مصر خلال حقبة الخمسينيات والستينيات، استضاف الملك سعود والملك فيصل بعض أعضاء الجماعة للاستفادة من كفاءتهم خصوصا في قطاع التعليم، ولكن مقابل العيش بعيدا عن الانضمام إلى أي جماعة حزبية، أو ممارسة أي دور سياسي داخل المجتمعات المسالمة والمستقرة، وألا يمس أحد منهم بالهوية الدينية والسيادة الاجتماعية.
لكن هناك أحداث حدثت في السعودية بعد الثورة الخمينية عام 1979 اقتحام جهيمان الحرم في نفس السنة، كما توترت العلاقة بين الدولة والإخوان في اثناء حرب الخليج الثانية المتمثلة في احتلال العراق الكويت في عهد الملك فهد بن عبد العزيز، وسبق أن أرسلت السعودية قواتها في زمن الملك سعود عندما أراد عبد الكريم قاسم ضم الكويت عند استقلاله عام 1961 من بريطانيا، ولم تثق السعودية ببريطانيا بل أرسلت قواتها إلى الكويت، وكذلك عدد من الدول العربية أرسلت قواتها إلى الكويت، لأن لبريطانيا لها تجربة في تسليم الأهواز لإيران عام 1924، وكذلك تسليم الجزر الإماراتية الثلاث فيما بعد عند استقلال دولة الإمارات عام 1971 لإيران.
توترت العلاقة بين الدولة وبين الإخوان وموقفهم المتوافق مع أغلب الجماعات الإسلامية في السعودية، والتي تحفظت على مشاركة قوات غير مسلمة في قتال العراق، ولم يتذكروا أن السعودية استضافتهم هربا من جحيم جمال عبد الناصر، لكنهم سيطروا على المناحي التعليمية في الجامعات تحديدا في عقدي السبعينيات والثمانينات، وهي الفرص التي أتيحت لهم التي لا علاقة لها بالتربية والتعليم والقيم والأخلاق بل شاركوا في وضع مناهج التلقين لتغذية العقول بالسموم الفكرية التي تأسر عقل المتلقي وتجهله لخدمة أهدافها السياسية لتوليد الأفكار المتطرفة والإرهاب بمختلف اشكاله، وكذلك على المنابر الإعلامية، والجمعيات الخيرية والمؤسسات الإسلامية ذات الأدوار السياسية.
نشطت منذ عام 1981 الصحوة الإخوانية السرورية المضلة والمضللة وكانت لها قطاعات شعبية واسعة، ومنذ منتصف الستينيات بدأ فكر الجماعة بالانتشار في السعودية بشقيه البنائي نسبة إلى حسن البنا، والقطبي نسبة إلى سيد قطب ، ومن ورائهما ظهرت السرورية وهي هجين جمع السلفية والإخوانية، وتنسب إلى معلم مادة الرياضيات السوري محمد سرور زين العابدين الذي خرج من عباءة الإخوان بشكل صوري أواخر الستينيات، وأنشأ تيار حركي الذي خرج بمبادئ جديدة مزجت ما بين السلفية التيار السائد في المجتمع السعودي والأفكار الإخوانية ولاحقا أصبح هذا الهجين اشتهر بمسمى التيار السروري وهو المحرك الرئيس لحركة الصحوة.
رغم أن السعودية لم تكن غافلة، ولديها قراءة تاريخية منذ كشف الوجه الحقيقي للإخوان عندما قامت ثورة 1948 في اليمن ( ثورة الدستور) توترت علاقتهم مع السعودية بسبب مساندة أعضائها للثورة، ومن بينهم صهر البنا عبد الحكيم عابدين، حيث أطلقت تصريحات غاضبة ومسيئة ضد السعودية لوقوفها ضد الثورة لأن السعودية كانت تخشى قيام فوضى في اليمن، مما جعل الملك عبد العزيز يقف أمام محاولاتهم التغلغل بأفكارهم الثورية ودعوتهم المتطرفة والمستترة إلى السعودية في عهد المؤسس الملك عبد العزيز.
وأيضا في عهد الملك خالد توترت العلاقة مع الإخوان بعد أن انكشفت نواياهم السيئة بتأييدهم للثورة الخمينية عام 1979، وهو ما يعني أنهم يحاولون استغلال أي ثورة أو فوضى في المنطقة لتحقيق أهدافهم السياسية في الوصول إلى السلطة، لكن حرب الاتحاد السوفيتي في نفس العام 1979 فرضت التهدئة مع جماعة الإخوان، مما ساهم في وجودهم وسيطرتهم على المؤسسات التعليمية المختلفة وتوغلهم فيها لبناء قاعدة جماهيرية واسعة.
وانتشر فكر الإخوان عندما تم تولي الدكتور كمال الهلباوي القيادي الإخواني السابق والمتحدث باسم التنظيم الدولي منصب رئيس لجنة مستشاري بناء المناهج المدرسية في وزارة المعارف السعودية على مدى خمس سنوات ما بين عامي 1982 – 1987، أدخل خلالها الوصايا العشر لحسن البنا الذي يشرح مبادئ جماعة الإخوان، وكتاب معالم في الطريق لسيد قطب الذي اعتبره زعيم تنظيم القاعدة الإرهابي أيمن الظواهري بأنه دستور الجهاديين في العالم، كما يسلط الكتاب على مفهوم الحاكمية الذي يعد الحجر الرئيسي في المنظومة الفكرية لجميع حركات الإسلام السياسي، وليس فقط تنظيم الإخوان، وأول من رفعه الخوارج الذين قالوا لا حكم إلا لله عندها قال الإمام علي رضوان الله عليه حق أريد به باطل، ويقولون لا إمرة إلا لله وإنه لابد للناس من أمير، وطوي هذا الفكر قرونا طويلة من الزمن إلى أن بعث من مرقده وبعث على يد أبو للأعلى المودودي ثم نقلها عنه سيد قطب، ومن أكبر مشاريعهم الانتقال من العلوم الإسلامية والدعوة إلى الله إلى مشروع أكبر وهو أسلمة العلوم بمعناها العام.
حولوا السعودية ودول الخليج إلى مركز لجمع الأموال لجماعة الإخوان العالمية، وحورت جماعة الإخوان المسمى من أجل ضمان تحقيق التزامها للدولة وفي نفس الوقت استقطاب الشباب السعودي المتشرب لفكر الشيخ محمد بن عبد الوهاب ودمجه بفكر الإخوان للتورية والتضليل من أجل تمرير فكر الصحوة الإسلامية، وكانت الدولة تراقب وكذلك هيئة كبار العلماء، وكانت لديها شكوك وحذر من هذا الفكر الدخيل، لكن لبس ثوب السلفية يجعله في مأمن.
وكان للصحوة الإسلامية تنظيم سري يستقطب الشباب عبر أنشطة الجوالة، وفي جلساتهم السرية يروجون أن الحكام لا يحكمون بما أنزل الله، بل إن في كتبهم التي يقرأها الشباب يعتبرون الحكام العرب مرتدون وطواغيت، لكن لا يصرحون بذلك في العلن، ومطلبهم إقامة دولة إسلامية، وبالفعل خرجت من عباءتهم داعش التي تدعوا إلى إقامة دولة إسلامية ومن قبلهم القاعدة، وتلقت قيادات الصحوة في داخل دول الخليج وخاصة داخل السعودية من المرجعية العالمية إلى تجييش الشباب ضد حكوماتهم في حرب الخليج الثانية بسبب استعانتها بقوات دولية لإخراج صدام حسين من الكويت.
انكشفت حقيقة تنظيم الإخوان مع ثورات ما يسمى بثورات الربيع العربي وحكم أكبر بلد عربي مصر، وعدم قدرتهم على حكمه لمدة عام فقط، سارعت السعودية إلى دعم الشعب المصري المنتفض ضد تنظيم الإخوان، ودعم الجيش بكل الإمكانيات في 2013، وفي مارس من عام 2014 صنفت وزارة الداخلية تنظيم الإخوان ضمن التنظيمات الإرهابية، كما أكدت ذلك هيئة كبار العلماء بالسعودية عام 2017 وأنها جماعة لا تمثل منهج الإسلام لأنها تتبع أهداف حزبية المخالفة لهدى الدين، وهو منهج قائم على الخروج على الدولة، وهي جماعة منحرفة قائمة على منازعة ولاة الأمور والخروج على الحكام، وإثارة الفتن في الدول، وزعزعة التعايش في الوطن الواحد، وخرج من رحم جماعة الإخوان جماعات إرهابية عاثت في البلاد والعباد فسادا، وفي مارس 2018 وصف سمو ولي العهد الأمير محمد بن سلمان جماعة الإخوان بانها حاضنة للإرهابيين، كما هاجم الجماعة في مقابلة تلفزيونية في محطة سي بي إس الأمريكية، متعهدا باجتثاث عناصر الإخوان المسلمين.
حيث تلتقي جماعة الإخوان المسلمين بالثورة الخمينية باعتراف الجماعة نفسها وهذا اللقاء كشفت عنه مجلة إنترسبت الأميركية وقالت إنه عقد في تركيا عام 2014 وتم الاتفاق خلاله على توحيد الجهود ضد السعودية.
لا يمكن الفصل بين التنظيمات الإسلامية إخوانية وخمينية في تحالفها مع المتطرفين الذين هدفهم جميعا إقامة خلافة إسلامية أو إمامة أو ولاية فقيه أو مرشد، عبر إسقاط الأنظمة في مصر والسعودية، عبر بناء قواعد إقليمية في الخرطوم إلى أن سقط نظام البشير عام 2018.
وكان العائدين من جهاد أفغانستان وهزيمة السوفيات في 1989 حاولوا اقناع السعودية بدعمهم لإنهاء ما أسموه الأنظمة الكافرة في المنطقة وتغطية إرهابهم بشرعية السعودية، فبدأوا حربهم على السعودية وعلى دول الاعتدال في المنطقة، فاجتمعوا تحت مظلة حسن الترابي في الخرطوم عام 1992 وأطلقوا حملتهم لإسقاط الحكومات المعتدلة، وكان هدفهم الاستراتيجي أساسا وأولا إسقاط مصر، وعندما تسنح الظروف السيطرة على السعودية، وإقامة خلافة إسلامية.
وقد أزيحت موجة التطرف بفضل التحالف المصري السعودي وشركائها، لكن يبقى التحدي الإيراني الذي له مطامع إقليمية عقائدية غير خفية، فإضافة إلى تمددها في الهلال الخصيب من العراق إلى لبنان، فلنظامها مطامع تاريخية في الجزيرة العربية وعلى رأسها السعودية، تتجسد في الهيمنة على مناطق شرق التي فشلت في السيطرة عليها بعدما أرسلت السعودية جيشها إلى البحرين عام 2011 لحماية البحرين، وكذلك حمت المنطقة الشرقية من السعودية، لكن سيطرت إيران على جنوب السعودية في اليمن للوصول إلى أقدس مقدسات المسلمين مكة والمدينة لوضعها تحت تأثير ولاية الفقيه ووصولها لليمن يخدم استراتيجيتها لتطويق السعودية، خصوصا وإن إيران تنظر إلى أنها أداة دولية للنظام حتى تتمكن من إقامة جمهورية خمينية على حدود الحجاز وعلى مسافة جغرافية خطيرة من مكة والمدينة القلب الروحي للعالم الإسلامي.
فالسعودية وقفت أمام جميع هذه المشاريع، فهي التي قادت مصالحة العلا في يناير 2021، ثم اتت زيارة أردوغان للسعودية تبعتها زيارة سمو ولي العهد الأمير محمد بن سلمان لتركيا، حتى أصبح هناك موت سريري لتنظيم جماعة الإخوان المسلمين وبقية الجماعات المتطرفة التي خرجت من مظلتها.
يؤكد هذا الموت السريري حوار أمير قطر الشيخ تميم لمجلة لوبوان الفرنسية بأن قطر تتعامل مع الحكومات لا المنظمات السياسية، وليس هناك أي أعضاء نشطاء من الإخوان أو أي جماعة متصلة بها على الأراضي القطرية، جاءت عقب زيارة الرئيس المصري لدولة قطر في 14/9/2022 لدعم التضامن العربي وتفعيل العمل العربي المشترك لتحقيق هدف رئيسي وهو الحفاظ على أمن واستقرار المنطقة خلال المرحلة الراهنة في ظل ظروف عدم الاستقرار الإقليمي والدولي الذي يجتاح العالم.
وحتمية استعادة مفهوم الدولة الوطنية والحفاظ على سيادة ووحدة أراضي الدول وعدم التعامل تحت أي شكل من الأشكال مع التنظيمات الإرهابية والمليشيات المسلحة.












09/18/2022 - 11:51 AM





Comments