بين سعيد عقل و مياس و منتخب الأرز... وصورة اليأس والكآبة... أي لبنان ينتصر؟

09/15/2022 - 11:22 AM

Arab American Target

 

 

 حسن الخطيب

 

كنت أتابع مقابلة الشاعر الكبير الراحل "سعيد عقل" مع الإعلامية جيزيل خوري في برنامج حوار العمر الذي عرض منذ سنوات خلت. كانت الحلقة عبارة عن إعصار إبداع تغنّى فيه سعيد عقل بشعره وإبداعه، رفع يديه أكثر من مرة و قال ردّاً على أحد منتقديه: قوليلو لهيدا يللي حكي، معتّر إنت، سعيد عقل لما بيحكي بيكون عم يزت إبداع. ثمّ أردفت السيدة جيزيل وسألته: أستاذ سعيد، و ماذا عن إسرائيل؟ كيف نهزمها؟، فردّ: سأخبرك شيئاً خطيراً عن إسرائيل، لا تؤمن الديانة اليهودية ببقاء الإنسان بعد الموت، الأمر الذي يجعل من العقل الإسرائيلي عقلاً كئيباً مجروحاً لا أخاف منه إطلاقاً، ليخف الجميع من إسرائيل، سعيد عقل لا يخاف، و أنا من سيغلب إسرائيل. كم أعجبت بهذه الجملة، وليس فقط بسبب الكبرياء الساحر الذي تحدّث به الشاعر الكبير، بل لأنّني وجدت في كلامه المنطق التي لطالما آمنت به، ألا وهو الأمل الذي يحتاجه الإنسان لتخطي أي محنة يكون غارقاُ بها. في نظر شاعرنا، العقل الإسرائيلي لا يؤمن بالبقاء، لا أمل لديه، ولذلك من السهل جداً هزيمته.

كنّا قد وصلنا إلى قعر الهاوية في لبنان، لا بل أعتقد أنّنا لا يمكننا إيجاد الكلام المناسب لتوصيف المأساة التي لا تزال تعصف بالوطن منذ حوالي الثلاثة السنوات. ولا أنكر أنّني كنت قد وصلت إلى زاوية فقدان الأمل، لكثرة الهموم والوجوه المكفهرة و ثرثرات الخطابات والوعود الفارغة. عادةً ما يكون الأمل هو السلاح الأكثر فعالية في مواجهة المحن، حيث يرفعه الإنسان بوجه الألم الذي يعمل ليلاً نهاراً على سلب الإرادة والحلم. كان الوطن على وشك الموت، وأعتقد أنّ الكون فهم أنّ الشعب اللبناني بحاجة إلى بعض الأمل قبل أن يفقد صوابه، ويتجه إلى الانهيار الجماعي. جاءت الانتصارات التي حققها منتخب الأرز اللبناني في الأسابيع الماضية كقطرات مطر هطلت على الأرض اللبنانية القاحلة، فلفحت جبهة الشعب اليائس وأعطته بعض الأمل بأنّ "الأغاني لا تزال ممكنة" كما يردد محمد منير في فيلم المصير الشهير. ثمّ أتت فرقة مياس التي اقتحمت العالم وحظيت بتغطية إعلامية غير مسبوقة لتؤكد مرة جديدة أنّ لبنان لم يمت، وأنّ الأمل موجود رغم المحاولات الحثيثة لإخضاع الشعب وقتله.

كم هناك اختلاف بين الصورتين المشار إليهما أعلاه. الصورة الأولى التي سيطرت على المشهد اللبناني و أحكمت قبضتها على عقل الشعب في السنتين الماضيتين هي صورة سوداوية تصلح أن تكون رمزاً لإحدى شركات دفن الموتى. يقول الشاعر وديع سعادة: مقتحمو الحواجز والمخاوف والمحرمات، فاتحو عتمة النفق ببرق عبورهم، هم قديسونا لأنّهم تركوا المقاعد و ثرثرات الوعود، وذهبوا إلى صمتهم. كم سئمت من نفس العبارات، الحكومة، عدد الوزراء، كتلتي هي الأكبر من حيث العدد، خطة الكهرباء، لا نقبل بالتعدّي على حقوق الطائفة، البطريرك هو الزعيم، المفتي هو القائد. لم أعد قادراً على التعاطف مع مرددي هذه العبارات، أذكر قبل الانتخابات حين بلغ الحقد مداه على مواقع التواصل الإجتماعي حتى كادت الحرب أن تندلع، حصلت الانتخابات، تعانق النواب الذين كانوا في الأمس القريب يتبادلون الانهامات والشتائم،ذهبوا إلى قصورهم ليعود الجمهور مجدداّ إلى دوامة التخبط والعذاب. ولكنّ هذا الشعب لا يتعظ، يتجاهل الوقائع، يطفئ الذاكرة و يغرق من جديد في دوامة الثرثرة.

الصورة الثانية هي صورة تضجّ بالحياة، بالأفق اللامع، بالحلم الذي نحاول إمساكه بأيدينا، بحياة نحاول استعادتها بعد أن سلبت منّا. في المرة الأولى، احتل رياضيو لبنان أرض الملاعب، فسطّروا ملحمة، واستطاعوا إحداث خرق في جدار العتمة المحكم الذي يلف لبنان. هتفت القلوب لهم وصفقت الأيادي لجرعة الأمل التي كان الجميع يتنظرها. في المرة الثانية، تمايلت أجساد فتيات فرقة مياس على المسارح العالمية، فدغدغت مشاعرنا، وحررت عقولنا من الخوف. لطالما كان الرقص أحد رموز الحرية، وجاءت خطوات فرقة مياس لتحررنا من أصفاد اليأس التي لفت أجسادنا. كسروا برقصهم تلك المرآة القبيحة التي سئمنا النظر إليها، والمؤسف أنّ متحجري العقول والقلوب سارعوا إلى رجم الفرقة مدّعين أنّ مظهرها يدعو إلى الإلحاد والفجور. إلى هؤلاء، أرجوكم اصمتوا، دعونا نعيش، دعونا نتجرأ على الحلم.

لطالما تحدثنا عن لبنان الذي ناجاه جبران حين قال: لكم لبنانكم ولي لبناني. لبنان فيروز، لبنان عاصي الرحباني، لبنان جانين ربيز، لبنان هوغيت كالان، لبنان سعيد عقل، لبنان زكي ناصيف، لبنان جبران تويني، لبنان سمير قصير، لبنان غسان سلامة. مما لا شكّ فيه أن هذا اللبنان المنشود دفن لسنوات عديدة تحت ركام الأزمات الطاحنة التي شلّعت أوصال الوطن، حتى ظنّنا أنّه مات إلى الأبد. لكنّ نقاط الضوء المذكورة و التي بعثت من قلب الدمار في الأسابيع الماضية قد تكون بادرة أمل يبعثها الوطن الغائب لمحبيه الذين أوشكوا على الاستسلام والذين ما عادوا قادرين على المقاومة. ربمّا حان الوقت أن تنهض بيروت الحقيقية من تحت الركام كي تطرد تجار الهيكل و تقول لحفنة الفاسدين القتلة: انتهت اللعبة وما عاد مرّحباً بكم هنا.

لطالما أحببت أغنية المطربة باسكال صقر: من قلب الدمار التي تقول: بكرا منتلاقى بالسهر جايي و كل الطرقات تبقى مضواية. لم نعد ننتظر إلاً النهاية، لم نعد نريد سوى العبور إلى ليالي السهر المنشودة، لم نعد نريد سوى نسيان هذا الكابوس الذي سيطر علينا لسنوات خلت، نريد أن نقول له: إلى الجحيم، وبئس المصير.

 

 

Share

Comments

There are no comments for this article yet. Be the first to comment now!

Add your comment