دور السعودية في الشرق الأوسط الجديد وكيف تعاملت أمريكا مع تركة الاستعمار في منطقة الشرق الأوسط

09/10/2022 - 08:15 AM

Bt adv

 

 

 

 د. عبد الحفيظ عبد الرحيم محبوب

 

ارتبط وصف الشرق الأوسط الجديد بالمبادرات الأميركية تجاه المنطقة الذي ورثته عن القوى الاستعمارية بعد الحرب العالمية الأولى وفق اتفاقيتي سايكس بيكو 1916 واتفاقية وعد بلفور وطن قومي لليهود في 1917، وكانت هناك محاولة عربية أمريكية ممثلة في اتفاقية كامب ديفيد 1978 وقعها الرئيس المصري أنور السادات ورئيس الوزراء الإسرائيلي مناحيم بيجن وشهدها الرئيس جيمي كارتر التي أتت بعد حرب 1973 التي قطع العرب النفط عن الغرب بسبب دعمه إسرائيل ضد العرب، لكن ما حدث العكس تمثل في تفكيك التحالف العربي، وتهميش الفلسطينيين، وبناء تحالف ثنائي بين إسرائيل ومصر لتامين إسرائيل، وتم تعليق عضوية مصر في الجامعة العربية من عام 1979 – 1989.

في المقابل أراد شيمون بيريز رئيس وزراء إسرائيل جعل السلام العربي الإسرائيلي حجر الزاوية في نظام إقليمي جديد يقوم على التعاون الذي أصاب أوروبا بعد الحرب العالمية الثانية أدى من خلال الاقتصاد والتكنولوجيا إلى الاتحاد الأوروبي لكن تم وأد مشروعه في مهده.

إعادة رسم خريطة الشرق الأوسط الجديد:

تسارعت التغيرات في منطقة الشرق الأوسط بشكل دراماتيكي نحو إعادة تموضع بعض الحدود في المنطقة، ويجعل من إعادة رسم خريطة الشرق الأوسط الجديد محل اهتمام الكثيرين، والحديث عن مخططات التقسيم والانفصالات، منها صفقة القرن المتعلقة بالقضية الفلسطينية، وقبلها استفتاء كردستان العراق على الانفصال، وصولا إلى الخطة الأمريكية التي بشرت بها كوندليزا رايس في 2008 التي أعقبت احتلال أمريكا العراق 2003، وكرر خطة كونديليزا رايس جو بايدن الرئيس الحالي لأمريكا عندما كان عضوا في مجلس الشيوخ عام 2006.

 اعتبرت كونديليزا رايس أن الشرق الأوسط الكبير سيحقق حلا سحريا لأزمات المنطقة المزمنة، لكن في أساس الرؤية تقسيم المنطقة العربية لصالح إيران وتركيا، وبالفعل ضربت المنطقة العربية في عام 2011 ثورات متلاطمة بعدما فشلت رسم حدود المنطقة وفق المجموعات الإثنية والدينية في الشرق الأوسط، لكن ثورات الربيع حققت ما لم تحققه رؤية كونديليزا رايس في عهد بوش الإبن لكن تحقق ذلك في عهد أوباما ووزير خارجيته هيلاري كلينتون، وبالفعل تم تقسيم المنطقة بين إيران وتركيا.

جاهزية الدور السعودي في مواجهة ثورات الربيع العربي التي هددت الأمن العربي:

كان لدور السعودية السريع جدا في إرسال جيشها إلى البحرين لإنقاذه من فك الحرس الثوري الإيراني حتى لو أغضبت السعودية أمريكا، ثم انتقلت إلى دعم الجيش والشعب المصري في ثورته ضد تنظيم الإخوان في 2013 الذي فشل في حكم أكبر بلد عربي مصر رغم أن نفس الشعب انتخب الإخوان، وقدمت السعودية لمصر كافة أنواع الدعم من أجل استعادة مصر عافيتها.

دعمت أمريكا مشروعها بتوقيع اتفاق نووي مع إيران عام 2015:

 لكن سارعت أمريكا إلى توقيع اتفاق نووي مع إيران في 2015 مقابل أن تغض الطرف عن النفوذ الإقليمي لإيران، فاضطرت السعودية إلى أن تدخل اليمن من أجل وقف النفوذ الإيراني الذي رمت إيران بكافة ثقلها وأذرعها التابعة لها بدعم أمريكي غربي في اليمن، باعتبار أن اليمن خاصرة تهدد امن السعودية، لترويض السعودية من أجل الرضوخ للغرب، لكن السعودية شكلت تحالف رباعي يتكون من السعودية ومصر والإمارات والبحرين، والذي وقف أمام النفوذ التركي في دولة قطر، إلى أن عالجت السعودية هذه الأزمة بمصالحة العلا في 4 يناير 2021، لاحتواء دولة قطر، وتحييد النفوذين التركي والإيراني في منطقة الخليج، وكانت المصالحة انتصار للسعودية في نجاح إدارة المشهد الذي نتج عن ثورات الربيع العربي الذي ضرب المنطقة العربية عام 2011، ووقف النفوذين الإيراني والتركي في منطقة الخليج، مستثمرة انتهاء فترة أوباما الداعم للثورات، ومجئ ترمب الذي انسحب من الاتفاق النووي في 2018 لصالح السعودية بعد مراجعة للاستراتيجية الأميركية، ووضع أشد العقوبات على إيران من أجل وقف نفوذها الإقليمي في المنطقة عبر دعم مليشياتها حتى لا تحل روسيا والصين في الشرق الأوسط لملئ الفراغ الذي تكون قد تركته الولايات المتحدة.

تحويل الصراع العربي الإسرائيلي إلى صراع مع الأطراف:

واجهت السعودية مشروع الولايات المتحدة في عهد أوباما التحول من الصراع العربي الإسرائيلي، رغم أن السعودية قدمت مبادرة عربية في 2002 في بيروت، لكن أمريكا أصرت على نقل الصراع بين القلب السعودية وبقية الدول العربية مصر والعراق وسوريا والأردن ولبنان وليبيا وتونس والمغرب والأطراف غير العربية الإيرانية والتركية وكانت أدواتهما محور المقاومة والممانعة، وتنظيم الإخوان المسلمين، وحركاتهما الإرهابية من القاعدة وداعش وغيرها من تنظيمات إرهابية، والغريب أن السعودية وقفت بمفردها في بداية انطلاق الثورات من تونس، والتي أسقطت دول بأكملها كسوريا وليبيا واليمن.

انفتاح شهية الإخوان في الهيمنة على البلاد العربية لصالح تركيا ومن ثم تتجه للهيمنة على الثورة النفطية في الخليج:

 فيما تسلم تنظيم الإخوان مصر، وانفتحت شهيتهم في تونس والمغرب وليبيا والأردن والكويت واليمن بدعم من التحركات الجماهيرية التي انخدعت خلال الفترة الماضية بمشروع الإخوان الذي عباءة الدين، وأيضا الانخداع بشعار محور المقاومة والممانعة الذي تتزعمه إيران لتحرير القدس، فكانت فرصة محوري الممانعة والمقاومة وحركة الإخوان المسلمين الاستيلاء على الطاقة الشعبية استعدادا للاستيلاء على طاقة الثروة النفطية في دول الخليج، وترويضها لمصلحة تغيير تاريخي قائم على التفتيت والفوضى والصراع، وكاد يحصل أوباما وهيلاري كلينتون على جائزة نوبل لأنهما بذلك قد حققا لإسرائيل الخلاص من العرب، ومن من التهديد الوجودي، وسبق فشلت الصهيونية العالمية في تمكين الخميني الذي أتى بطائرة فرنسية وحماية أميركية لكن توفي الخميني وهو متجرع سم الهزيمة، كذلك تجرعت أمريكا سم الهزيمة في العراق ولم تستفيد سوى إيران وأصبحت مصالحها مهددة في المنطقة.

تفريغ السعودية مخططات أوباما بالتمرد على أمريكا:

 لكن كانت السعودية الأمل في تفريغ كل تلك الآمال والمخططات الصهيوينة من محتواها واستعادة الأمن العربي، بعد أن تعرضت المنطقة العربية إلى تفتيت وتجزئة الإسلام كدين أممي إلى طوائف ومذاهب تحت تأثير عنصري إقليمي بقيادة ملالي طهران المتستر بإرهاب ديني في اليمن ومتدخلا بالمذهب في العراق ومليشياويا مخترقا الغالبية السنية خصوصا العربية في سوريا ولبنان، استفادت دولة الملالي من إقصاء أوباما السعودية عمدا عن مفاوضات الاتفاق النووي، لكن التمرد السعودي على أمريكا جعل ترمب يعيد مراجعة الاستراتيجية الأمريكية تلقت دولة الملالي ضربة موجعة ليست على الخد بل على اليد بعد انسحاب ترمب من الاتفاق النووي الإيراني، وحاسب دولة الملالي كدولة مارقة على النظام الدولي ومحاسبتها على التدخل في المنطقة العربية الذي أدركت أمريكا أنه يهدد المصالح الأمريكية، لذلك نرى بايدن مترددا في توقيع الاتفاق النووي مع إيران رغم الضغط الأوربي من أجل تحرير الغاز الإيراني لتعويض الغاز الروسي نتيجة الحرب الروسية في أوكرانيا.

مرحلة الخروج إلى آفاق القرن الحادي والعشرين بقيادة سعودية:

دشنت السعودية عبر رؤيتها لشرق أوسط أوربي جديد قلبه العالم العربي، أي نقض لنظرية أوباما وهيلاري كلينتون ومن قبلهم كوندليزا رايس الذين أرادوا تقسيم القلب العربي بين الأطراف إيران وتركيا وحتى أثيوبيا التي تهدد من خلال منابعها مياه نهر النيل في مصر.

ضمن فعاليات مبادرة مستقبل الاستثمار 2018 أعلن ولي العهد الأمير محمد بن سلمان رؤيته عن أوروبا الجديدة هي الشرق الأوسط حتى أنه قال هذه حربي التي أقودها، فحركة التاريخ التي تفترض أن لا عز يدوم لأحد وأن سمات العالم التغير والشئ الوحيد في هذه الحياة هو التغير والتغيير المتواصلين، فعلى غرار تجمعات شهدها العالم كالاتحاد الأوربي وميركسور وآسيان التي دخلت للبحث عن مقعد بين الكبار، أيضا تشهد المنطقة العربية بقيادة السعودية تغيرات وتشكيلات مشابهة بل أعظم وأكبر لما تمتلكه من مقومات وثروات.

شركات عالمية تتطلع لمشاركة السعودية في تطوير منظومتها الدفاعية للدفاع عن أمنها:

انتقلت السعودية من الانفاق على السلاح حيث كانت في عام 2015 ثالث دولة انفاقا على السلاح حيث أنفقت 73 مليار دولار إلى توطين 50 في المائة من الانفاق على السلاح محليا، ما فتح الأبواب للمصنعين الدوليين لتحقيق مستهدفات السعودية في توطين الصناعات العسكرية وعلى رأسها الصناعات الدفاعية لتامين أمنها وحماية مكتسباتها الحيوية، ويهدف البرنامج إلى تحويل السعودية إلى قوة صناعية رائدة ومنصة لوجستية عالمية عبر تعظيم القيمة المتحققة من قطاعي التعدين والطاقة لتعزيز الصناعات الدفاعية وتنويع مصادر التسلح تريد إدراج السعودية في سلاسل التوريد العالمية وإنشاء سوق للتصدير خصوصا وأن السعودية خصصت 45 مليار دولار للإنفاق العسكري في 2022 جعلت الرياض تطوير صناعة محلية أساسيا لخطة تحول بمليارات الدولارات، ومن أهم الشركات الدفاعية التي وقعت معها السعودية اتفاقيات لصناعة الدفاع شركة لوكهيد الأمريكية المتخصصة في صناعة صواريخ ثاد لحماية أجواء السعودية من الصواريخ البالستية، بجانب أن السعودية تعمل على إنتاج طائرة بلا طيار محلية الصنع لتعزيز دفاعاتها الجوية والبحرية والبرية.

الرمال الحمراء رسالة أميركية لطمأنة السعودية حيال تهديدات إيران:

توترت العلاقة منذ عهد أوباما الذي وقع الاتفاق النووي مع إيران عام 2015 مقابل غض الطرف عن النفوذ الإيراني الإقليمي تمردت السعودية على أمريكا وقادت حملة لوقف النفوذ الإيراني في اليمن، أتت إدارة ترمب وغير استراتيجية أمريكا وانسحب من الاتفاق النووي مع إيران بشكل آحادي، ووضع عقوبات من أجل وقف نفوذها، لكن أتت إدارة بايدن في ظاهرها انقلبت على استراتيجية ترمب فتوترت العلاقة مع السعودية، وهناك قيادة سعودية شابة لجأت إلى الشرق الصين وروسيا لتعويض غياب أمريكا، لكن اضطرت إدارة بايدن إلى إصلاح العلاقة توجت بزيارة بايدن للسعودية، واليوم تحاول أمريكا طمأنة السعودية بشأن عدم تغيير في التزاماتها الأمنية بغض النظر عن القرار الذي تتخذه بشأن الاتفاق النووي مع إيران عبر تكثيف المناورات العسكرية المشتركة، والدخول في شراكات دفاعية، وتطوير خطط لمواجهة التهديدات الإيرانية المائلة أمام المنطقة.

هناك خطط تشرف عليها القيادة الوسطى الأميركية ( سينتكوم ) تتضمن تسمية المنشأة الجديدة مركز الرمال الحمراء للتجربة المتكاملة على غرار مركز الرمال البيضاء الموجودة في ولاية نيومكسيكو والمخصص للتجارب الصاروخية طويلة المدى، وستكون السعودية المكان الأكثر ترجيحا لبناء المنشأة الجديدة، اعتبرت أمريكا أن هذه فرصة في ظل اعتبار السعودية كمركز ثقل للعديد من المساعي الأمنية الإقليمية المستقبلية، حيث اقترح الفكرة قائد القيادة المركزية الأمريكية الجديد الجنرال مايكل كوريلا في اجتماع مع حلفاء الولايات في المنطقة لاقت الفكرة دعما ساحقا خصوصا بعد شعور دول المنطقة بالقلق من الهجمات الصاروخية والطائرات المسيرة التي شنها الحوثيون المدعومون من إيران في اليمن والتي استهدفت منشآت نفطية لأرامكو في 2019 في السعودية إضافة إلى منشآت حيوية، وكشفت صحيفة وول ستريت جورنال مؤخرا أن البحرية الأمريكية تعمل على بناء شبكة من المسيرات البحرية عبارة عن زوارق غير مأهولة يتم التحكم بها عن بعد لرصد نشاطات الجيش الإيراني بالمنطقة.

بذلك تكون الولايات المتحدة بعد زيارة بايدن السعودية في يوليو 2022 قد عالجت التخوف السعودي رغم أن السعودية اتخذت قرارها بتأمين أمنها، لكنها كانت متذمرة من انسحاب الولايات المتحدة من المنطقة والتخلي عن التزاماتها الأمنية تجاه التحديات التي تفرضها إيران ليس فقط لجهة فرضية امتلاكها سلاحا نوويا بل وأيضا التهديدات التي تمثلها المليشيات الموالية لطهران وهو أحد أسباب التوتر بين السعودية وأمريكا، لأن السعودية ترى أن تلك التحديات هي من صنع الولايات المتحدة بعد احتلال العراق عام 2003 وانسحابها المفاجئ وترك العراق لإيران ولمليشياتها التي تشكلت وهي متواجدة في العراق.

 

 

* أستاذ بجامعة أم القرى سابقا

 [email protected]

 

 

 

 

Share

Comments

There are no comments for this article yet. Be the first to comment now!

Add your comment