الهام سعيد فريحة
لم تشأ الملكةُ إلاَّ ان تغيبَ وهي واقفةٌ.. آخرُ صورةٍ لها كانتْ صورةَ إيقونةٍ تناضلُ حتى النفسَ الاخيرَ، واقفةٌ بابتسامةٍ تَشهدُ على تداولِ السلطةِ بينَ رئيسِ وزراءٍ مستقيلٍ ورئيسةِ وزراءٍ مقبلةٍ.
صورةُ البريطانيينَ المتجمهرينَ حولَ قصرِ باكينغهام يُحيطونَ رغمَ الشتاءِ، السوارَ بالدموعِ والورودِ والشموعِ، اكبرُ شهادةٍ على علاقةِ هذا الشعبِ العريقِ بامرأةٍ حكمتْ من دونِ ان تحكمَ على مدى سبعينَ عاماً، ولكنها كانتْ صخرةَ المملكةِ ، ما يهمُّ ايَّ رمزٍ يتعاطى السلطةَ هو نظرةُ رعيتهِ لهُ...
ما جسَّدتهُ الملكةُ اليزابيت الثانية بالنسبةِ لشعبها ولقادةِ العالمِ والملايينِ في العالمِ، يجعلُ من مهمةِ الملك شارل الثالث مهمَّةً صعبةً وشاقةً، وربما كانتْ الملكةُ تعرفُ ذلكَ، فمارستْ الوظيفةَ العامةَ حتى الرمقِ الاخيرِ باحترامٍ وحبٍّ وحكمةٍ وشموخٍ ونبلٍ.
***
في سنةِ يوبيلها البلاتيني وبعدَ سنةٍ من غيابِ رفيقِ دربها الذي قالتْ ان لحظةَ موتهِ كانتْ الاكثرَ حزناً في حياتها، رحلتْ بسلامٍ الملكةُ التي عاشتْ وعاصرتْ حروباً ومعاهداتٍ وسلاماً،رؤساءَ وملوكاً وملكاتِ اتفاقياتٍ، صراعُ حضاراتٍ وافكارٍ، واجهتْ هذهِ المرأةُ العظيمةُ كلَّ هذهِ التطوُّراتِ بحكمةٍ وحنكةٍ، وقادتْ الامبراطوريةَ إلى الالفيةِ الثانيةِ بحداثةٍ كاملةٍ مع الحفاظِ على اعرقِ التقاليدِ واجملها وانبلها.
سيكونُ العالمُ غريباً وحزيناً مع رحيلِ هذهِ الكبيرةِ الحازمةِ، المبتسمةِ، الرشيقةِ، الذكيةِ، الهادئةِ، القويةِ، الصارمةِ.
ملكةٌ احبها الجميعُ رغمَ ان بعض من في بريطانيا لا يناصرُ الملكيةَ... لكنهمْ بلا شكٍ يقدِّمونَ الاحترامَ لهذهِ المرأةِ التي استلمتْ العرشَ وهي في عمرِ الــ 23 عاماً بعدَ وفاةِ والدها.
ومع ذلكَ اثبتتْ للعالمِ ولشعبها إلتزاماً عظيماً بالحفاظِ على وحدةِ المملكةِ.
يشعرُ العالمُ اليومَ انهُ خسرَ شيئاً من روحهِ ومن جمالهِ ومن قِيَمهِ ومن حكمتهِ...
***
في العامِ الماضي تابعَ العالمُ مسلسلاً عبرَ النتفليكس بعنوانِ "العرش" يحكي قصَّةَ صعودِ الملكةِ وصولاً الى يومِ مقتلِ ديانا في العام 1997... صُوِّرتْ الاجزاءُ الاخرى منهُ وتُركَ الباقي ليومِ الموتِ... حملَ المسلسلُ الكثيرَ من السجالاتِ .. لكنَ الصورةَ التي بقيتْ في البالِ عندَ من شاهدوا.. كانتْ اكبرَ من كتبِ التاريخِ والوثائقياتِ ... رأى العالمُ في "الملكةِ" انسانةً قبلَ ايِّ امرٍ آخرَ وهذا ما خسرناهُ اليومَ..
رافقتْ الملكةُ البريطانيينَ في اصعبِ الظروفِ واحلاها.. اليومَ يَبكونَ ملكةً اثبتتْ بنبلها انها ستكونُ خالدةً.
***
يقولُ الفيلسوف الفرنسيُّ جان دورمسون Jean DORMESSON هناكَ امرٌ اكثرُ قوةً من الموتِ، وهو حضورِ الذينَ غابوا في ذاكرةِ الاحياءِ.
هذهِ حالُ اليزابيت الثانية!












09/10/2022 - 08:13 AM





Comments