هيكل الذي يجلس في عقل عبد الناصر!

09/05/2022 - 11:20 AM

Bt adv

 

 

الفة السلامي

 

أستعيدُ في هذا المقال تفاصيلَ معركة "مرموقة" دارت منذ فترة قصيرة حول "الأستاذ" محمد حسنين هيكل الصحفي الأشهر في الوطن العربي وقد كتبت عنها في وقتها. أتذكر هذه المعركة اليوم بمناسبة المعارك التي تدور في الساحة الصحفية حاليّاً وهي في الغالب معارك تافهة، إما بمناسبة خناقة فنية أو كروية. ولا أقصد أن الفن والكرة مجالات تافهة بل بالعكس لهما قيمة ومساهمة جيدة في التكوين الثقافي والحضاري لأي مجتمع، لكن غالبية الخناقات في هذه الأوساط تدور لأسباب شخصية وبين أشخاص بلا إنجازات أوقيمة. وافتقدنا منذ زمن خناقة ذات قضايا أو هدف. لذلك كانت المعركة حول هيكل بقدر الاختلاف والحدة بين أطرافها بقدر ما تستحق الانتباه والاحتفاء.

الأستاذ هيكل أستاذا كبيراً قيمة وقامة بالنسبة إلى أجيال عديدة من الصحفيين، حتى بالنسبة لمن لم يعاصروه. وكما مثَّلَ قدوة يعتزُّ بهاالكثيرون، كان ولا يزال مثيراً للجدل حتى بعد رحيله. لكن لم يتجرأ منذ فترة طويلة من ينزع لقب "الأستاذ" الذي احتكره هيكل ما يزيد على70 عاماً في بلاط الجلالة. لكن فعلها الإعلامي محمد علي خير مقدم واحد من أهم البرامج في القنوات المصرية عندما كتب في صفحته على موقع التواصل الاجتماعي فيسبوك، قائلا: "هيكل ليس الأستاذ".

وانطلقت معركة إلكترونية حامية الوطيس خاصة للرد على ما قاله "خير" بجرأة أن الأجدر باللقب في بلاط صاحبة الجلالة كان مصطفىأمين وليس حسنين هيكل. و"خير" ليس مذيعاً فحسب بل هو صاحب قلم يطرز الكلمات وأحياناً يخطها نقداً لاذعاً موجعاً، وهو من الموهوبينفي “دفعة إعلام القاهرة 86”، وهي دفعة استثنائية في التميز والموهبة وقد اعتلى أغلب خريجيها كراسي المذيعين والمذيعات ورئاسة تحريرصحف ومجلات وقنوات إذاعية وتلفزيونية ليس في مصر فقط بل وعربية أيضاً.

و"خير" اعترف أنه كان من مريدي "الأستاذ هيكل" وقد استعار في شهادته عبارة "هرمنا" والتي قالها الحاج أحمد الحفناوي ليلة هروب الرئيس بن علي من تونس وذلك ليفسر الحاجة لتغيير رأيه وإصدار حكمه الآن بعدما اكتسب من خبرة الأيام والتجربة ما مكنه من التخلص مما وصفه بـ "الأوهام" ليجعل بذلك "هيكل" وحقبته فيهذه الدائرة الزائفة. ويرى أنه من الظلم أن يحمل هيكل لقب الأستاذ منفرداً ويفسر ذلك بأن "صناعة الأوهام راجت في مصر لسنوات طويلة لذلك تم منح اللقب لهيكل".

في حين يرى أن اللقب يستحقه قامات فذة في المهنة مثل إحسان عبد القدوس ومصطفى وعلي أمين، لكن الأستاذ الأكبر في رأيه هو محمد التابعي. وعلى غير المتوقع، جاء رد الأستاذ مفيد فوزي منحازا لهيكل على رغم مواقفه المنتقدة لفترة عبد الناصر، وقداستند في شهادته إلى خبرته الطويلة ومعايشته لكبار الكتاب الصحفيين.

ويكتب مفيد فوزي كما يتحدث باللّكمات والطلقات المختارة بعنايةلتصيب الهدف: "عايشت الكل وأنا مهني أكثر من خمسين عاما - ولست ناصريا بل أوذيت في زمن ناصر- ومحمد حسنين هيكل هوالأستاذ!". ويعقب "خير" على الأستاذ مفيد بأنه يختلف معه ويصفه بأنه مازال متأثرا بمرحلة "هيكل" الذي يرى أنه "نال أكثر مما يستحق". ويتساءل "خير" أين مدرسة هيكل إذا كان أستاذاً وأين تلاميذه، موضحا أنه لا يقصد "دراويشه"، متهما المدافعين عن الأستاذهيكل بأنهم مازالوا يعيشون في سجن الممنوعات أو "التابوهات" وأنهم إن خرجوا منها يموتون.

وقضية الأستاذ أياً كان من هو تحمل وجهاً آخر للمعركة وتتعلق بمدى قرب الصحفي أو الكاتب والمثقف عموماً من السلطة وأصحاب القراروهي قضية قديمة ومستمرة. وقد ساهم هيكل في ترسيخ نمطٍ حديثٍ في علاقة الصحفي بالسلطة، ليس فقط لأنه كان الصحفي الأول المتحدث بإسم ثورة يوليو وركن منأركان نظام عبد الناصر ولكن أيضا لأنه يظهر بصورة من يعلم ما لا يعلمه غيره. وهذا تحقق له بفضل قدرته للوصول للمعلومة في مطبخ السلطة. كما أنه كتب بعض خطب الرئيس عبد الناصر أو على الأقل كانت تعرض عليه فيتولى اقتراح بعض التعديلات. كما كان يجيد التعرف على قيادات العالم آنذاك والبداية تحققت لأن عبد الناصركان يرسله مبعوثاً "سرياً" في كثير من الأحيان لدى ملوك وقادة فيتمكن من توصيل الرسائل والتعرف في الأثناء على الكثير من الأسرار. لذلك تغير اتجاه العلاقة، وأصبح المسؤولون والحكام هم من يسعون لهيكل للاستماع إليه لأنه يدري ما لا يدرون ثم لأنهم كحكام يحتاجون لصحفي في قيمته يعبر عن رؤاهم ويقدم رؤاه عما ينقصهم.

وأستحضر ما ذكره أحمد حمروش عندما سأل عبد الناصر لماذا جعل هيكل قريبا منه لهذا الحد، فأجابه: "هيكل هو الوحيد الذي فهمني وفهم ما يدور فيعقلي قبل أن أترجم فكري إلى كلمات؛ إنه ببساطة يجلس في رأسي!". ولعل قرب هيكل من الرئيس عبد الناصر الذي حظي بحب عربياستثنائي وأصبح ظاهرة جماهيرية جعله ينال أيضاً حباً من المثقفين والكتاب العرب، ومازال يمثل لهم ظاهرة فريدة في الإعلام العربي بلوالعالمي. وإذا كان البعض لدينا يرى أنها ظاهرة وهمية فإن الكثيرين من الأخوة العرب يرون هيكل رمزاً من الرموز المصرية التاريخية مثلهم ثل الأهرامات وأم كلثوم ونجيب محفوظ وغيرهم من الرموز وبالتالي فإن عملية هدم الرموز لا تصب في المصلحة الوطنية وإن كانت دراسة مسيرتهم مع نزع التقديس المحيط بهم أمر حيوي ومطلوب، لكن يبقى الفرق كبير بين الهدم والتقييم.

ومهما اتفقت الجماعة الصحفية أو اختلفت حول من هو الأستاذ، واستمالها رأي محمد علي خير أو رأي مفيد فوزي، لكنْ في النهاية يبقى الأستاذ هيكل ومصطفى أمين وأحمد بهاء الدين وصلاح الدين حافظ وصلاح منتصر ومفيد فوزي وقبلهم إحسان عبد القدوس والتابعي وغيرهم من أهم رموز مصر وقواها الناعمة على مدى أكثر من قرن من عُمر الزمان وسطروا صفحات سيحكم عليها التاريخ. ونتطلع أن نرى في بلاط صاحبة الجلالة اليوم وغداً وبعد غد قامات مثلهم وأفضل منهم حتى تكون القضايا والمشاغل المطروحة على الناس في مستوى اهتمامهم وتخاطب مصالحهم وتدافع عنها؛ ولمَ لا ومصر دائما ولادة!

 

 

 

Share

Comments

There are no comments for this article yet. Be the first to comment now!

Add your comment