حسن الخطيب
ها هي الجامعة الأميركية في بيروت تطلق هويتها البصرية الجديدة، وها هو رئيس الجامعة الدكتور فضلو خوري يؤكد أنّ هذه الهويّة البصرية الحديثة والمميّزة تعزّز دور الجامعة كمؤسسة مترسّخة بقوة في بيروت، فيما يستمر وجودها آخذاً في الاشتداد على الساحة العالمية.
وبالفعل تمثّل هذه الجامعة إحدى الصخور التي تكسّرت على شواطئها أمواج الشر العاتية. "شو هم جونية من هدير البحر" هي إحدى المقولات اللبنانية التي لطالما أعجتني. أستعير هذا القول، لأطبّقه على الجامعة الأميركية في بيروت. فتلك الجامعة العريقة بتاريخها، المطلة على شاطئ عين المريسة الساحر الذي تداعب أمواجه جدرانها ومشاعر طلابها، وبموقع استراتيجي بات جزءاً من معالم لبنان ، الصامدة بعماراتها التراثية، المقاومة لمختلف التحديات والصعاب، فما همها من ضجيج الأزمات ازاء كل ما تقدم.
ما هو الحل في لبنان الآن؟ أو لربما يجب أن يكون السؤال كيف نستطيع الاستمرار في أيامنا بانتظار الحل. أعتقد أنّ الإجابة تكمن بالتمسك بالأمل والتركيز على نقاط الضوء المنتشرة في خارطة الوطن المظلمة، وممّا لا يقبل الشك أنّ الجامعة الأميركية هي إحدى زوايا الأمل المتبقي في هذا الوطن الجريح.
لقد كتبت سابقاً أن تجربتي في الجامعة عندما كنت لا أزال طالباً هي تجربة غريبة بعض الشئ، فانشغالي الدائم في الدارسة وتركيزي المفرط على إبقاء علاماتي مرتفعة قد يكون حرمني من الاستمتاع بكل جوانب الحياة والميزات التي يقدمها صرح الجامعة. هذا الصرح الذي يشكّل خلية نحل و منزلاً لآلاف الأساتذة و الطلاب و العاملين والحالمين بغد أفضل. وعلى رغم أزمات الوطن التي لا تعدّ ولا تحصى والتي استطاعت أن تخرق عظمة الجامعة بين الحين والآخر، بقيت روح الجامعة صامدة أمام العواصف العاتية، وقد يكون صمودها الذي كلّف إدارتها وطلابها الكثير من التضحيات في بعض الأحيان نابعاً من حاجة لبنان لها، فكما لا يستطيع لبنان أن يتخيل نفسه من دون جبران ومن دون فيروز و من دون سعيد عقل، لا نستطيع أن نتخيل الوطن الحبيب من دون الجامعة الأميركية.
وها هي الجامعة اليوم تجدّد روحها وتنأى بنفسها عن أزمات الوطن. تلك الأزمات المستعصية التي أصبحت عبارة عن دوامة قاتلة لم يستطع القادة الفاشلين مقاربتها إلاّ بالمزيد من ثرثرات الوعود والخطابات الفارغة. وعن الهوية البصرية الجديدة يقول الدكتور فضلو خوري: "إن شجرة الأرز ذات الجذور العتيدة والثابتة تؤكّد من جديد التزامنا تجذر الجامعة المستمر في بيروت، في حين أن شعارنا "لتكن لهم حياة وتكون حياة أفضل" باللاتينية يبرز في واجهة الهوية الجديدة.
نعم، من حق الشباب اللبناني أن يحلم بالغد الأفضل، ذلك الغد الذي سيبنى بسواعد الجيل الجديد الطاهر الذي لم تمسّه يد الفساد. يحكى أنّ السلطان العثماني سليمان القانوني طلب أن يؤتى إليه بمهندس موثوق بعلمه و أمانته ، فجيء إليه بمهندس من أصل أرمني إسمه معمار سنان ، فعهد إليه بهدم إحدى السرايات القديمة و إنشاء سرايا جديدة مكانها. بعد الإنتهاء من تشييد هذه السرايا ، إستدعاه السلطان قائلا: " عندما كنت تهدم السرايا إستخدمت عمالا ثم إستبدلتهم بعمال آخرين في البناء " ، فلماذا فعلت ذلك ؟؟ .. أجابه المهندس : " ناس للتدمير و ناس للتعمير، و من يصلح للتدمير لا يصلح للتعمير " .. فأعجب السلطان بحكمة المهندس و عيّنه مستشارا له ، و قد شيد لاحقا أعظم مباني الدولة. و العبرة هنا واضحة ... فلا يجوز أن يتولى الذين دمروا البلاد إعادة إعمارها ، لأن من يصلح للتدمير لا يصلح للتعمير.
نعم ، إنّ الأمل الوحيد للبنان حالياً هو في ذلك الجيل الجديد الذي يزهر في زوايا جامعات لبنان، تحت أشجارها و على مقاعد صفوفها. هذا الجيل الذي نتمنى أن يكون منزّها من غبار الحروب الطائفية والأفكار العبثية التي أوصلت لبنان إلى وضعه الحالي.
ستبقى الجامعة الأميركية مفعمة بالحياة والحيوية، وهدفها خدمة مجتمعاتها وتنفيذ رسالتها في مواجهة الظروف المتغيرة والوقائع السائدة حولها. وسنتمسّك بالأمل مرددين مع الشاعر نزار قباني: غداً.. غداً.. سيزهر الليمون وتفرحُ السنابلُ الخضراءُ والزيتون وتضحكُ العيون.. وترجعُ الحمائمُ المهاجرة.. إلى السقوفِ الطاهرة ويرجعُ الأطفالُ يلعبون ويلتقي الآباءُ والبنون على رباك الزاهرة.. يا بلدي.. يا بلد السلام والزيتون.












09/04/2022 - 12:16 PM





Comments