اكتبوا فمن يكتب لا يموت!

08/28/2022 - 19:11 PM

Arab American Target

 

 

 

بقلم: ألفة السلامي

 

مقالي اليوم في هذه الزاوية الإنسانية أسترجع فيه أزمة صحية فوق العادية مررت بها عام 2011، واستمرت خمس سنوات كانت مليئة بالدروس، أهمها أن عسل الكلمات تستطيع أن تطفئ التهابات الجروح.

وكان وصف التجربة في كتابي "ثورة جسد" -الذي صدر في القاهرة عن دار هلا للنشر عام 2014 - محاولة مني لإستعادة نسمات الحياة‏، فمن خلال الكتابة حاولت أن أصارع اليأس وأطرد الأفكار ‏السلبية، وأتقوى على الألم وأهزم المرض الذي يخشى الكثيرون النطق باسمه خوفا من شبحه؛ فهو يناور ويغدر ويتسلل و‏يداهم بلا إنذار مسبق فيوقف النشاط ويؤجل الأحلام ‏والأمنيات مع الغموض الشديد حول إمكانية الوصول إلى شاطىء ‏السلامة.

واستحضار ما جاء بالتحديد في الفصل الأول من الكتاب هو اليوم بمثابة جرعة أمل لمن يمرّون بنفس الظروف الصحية ويتحسسون الطريق نحو النجاة.

"جاء الوصف لمحصِلة المشاعر المتضاربة محموما، فصدمة ‏المرض وتأثير جرعات العلاج القاسي على الحالة ‏الجسدية والنفسية من جانب ثاني، إضافة إلى مخاضات عاشتها ‏الثورات في المراحل التالية لانتفاضات الميادين العربية.. كل ذلك ‏جعل عدة شهور أثقل من وزن كل السنين السابقة في حياتي.‏ وخلال هذه الأزمة تعلمت فن البحث عن الوجه الإيجابي للمصيبة وهو فن نادر لا تدرسه كليات الفنون ‏والآداب الإنسانية وإنما نتعلمه في أكاديميات الحزن؛ ذلك الحزن الذي من فرط شدته يخرس صوت ‏الدموع.

فمن المعروف أن الألم الكبير لا دموع له، لكنه يصبح جناح التحليق في سماء الإبداع. واخترت ‏السير في غابات الحكماء القدماء لأتذكر باستمرار أن كل شيء يبدأ صغيرا ثم يكبر إلا الحزن فإنه ‏يبدأ كبيرا ثم يصغر، ولا يزال يصغر ويصغر حتى يتلاشى ويُنسى. وفي إطار المعارف الجديدة، جاء تغيير السلوك الغذائي وعرفت إلى أي مدى تنقصني ثقافة الغذاء وهي مفتاح من مفاتيح السعادة.

وشرعت في تأثيث مكتبة منزلية لاكتساب هذه الثقافة. لم ينبهني أحد من قبل لأهمية هذه الكتب في جهاز العروسة، ضمن أدوات المطبخ وأثاث البيت. وفهمت قيمة مثل شعبي مصري قديم " اللي يأكل أوقية عياه دلوعية"؛ فالأكل القليل والماء الكثير وقاية وعلاج رخيص وسهل لكافة الأمراض ولكن صعوبته في القدرة على التغلب على العدو الداخلي وهو النفس الأمارة بالسوء!

والأهمُّ في خضم تلك المعارك الداخلية مع النفس اني عبرتُ هذه الأحداث بحلوها ‏ومرّها ونسجت العديد من القصص الإنسانية خلال هذه المحنة، ‏رويتها رغم حرجي وربما حرج أسرتي وأصدقائي من ‏خصوصيتها الشديدة، لكن دافعي أنها قد تنير سبيلَ أشخاصٍ ‏يعايشون تجارب مشابهة مع السرطان ولا يستطيعون مشاركتنا في معاناتهم. سمحت للقراء بدخول بيتي ‏وغرفة نومي والإطلاع على كل ما يدور في صفحات عقلي وما يعتري ‏جسدي من تغيُرات، فلم أتوار وأختف لأبعده عن عيون الناس ‏بل كشفت محنتي وأوجاعي عبر الكلمة "الدواء" في المقالات الصحفية أوَلاً. وأيقنت أن التهابات الجروح ونيران المواجع تنطفئ مع عسل الكلمات.

كانت التغيرات ‏الفسيولوجية متلاحقة وصادمة، فالشعر يحترق ثم يتساقط ويقتلع تماما من جذوره، والبشرة تصدأ، والجلد يصفرّ ويعتريه الشحوب ثم يجرفه الموات. وتعرّيني انفعالات الحالة الجديدة فتخلع عني الحبّ وتدخلني إلى كهف الكراهية والسخط على النفس، فأجلدها وتطرحني أرضا وكانت كفيلة بأن تدفعني إلى التقوقع وتجنب الاتصال بالناس، ‏بالرغم من أني لم أنج من الشرّ المجاني عبر تعليقات قاسية انتهكتني ونظرات جارحة أربكتني! لكن سرعان ما كنت ألتمس للبعض حسن النية ‏وقلة الوعي. فجان بول سارتر، الفيلسوف الفرنسي، يرى إن ‏الآخرين هم الجحيم. وأضيف على هذه المقولة أن بعضهم فقط هم الجحيم نتداركهم ونتجاوزهم بفضل الجسر الذي يشيده البعض الآخر.

لقد قررت أن أتصالح مع النفس حتى لا تتحول تلك الندبات في الجسد إلى جراح نفسية. ساعدني أشخاص مخلصون ‏فغمروني بعاطفة جياشة واغترفوا الألم والحزن ليحولوه إلى صبر وابتسامة. وكلما إشتدت آلامي لجأت إلى الكتابة ‏أمد ُاليد إليّ أولا، ثم إليكم حتى تشاركوني هذا التحدِي، علَهُا ‏تُخفِفُ عن قلبي هذا الغم وتحتوي المصيبة، فكما يقول كاتب ياسين "الـكـتـابـةُ ‏ وحـدهـا تـُـلـغـي الـمـوت بـإحـتـوائـه".

كان ملك الحرف يصرخ فيّ كل حين: "اكتبي فمن يكتب لا يموت!". ربما يكون آخرون قد مَرُوا أو يمرون الآن بنفس المحنة أو أقسى حدة، فبكوا ‏حظَهُم العثر، وانتحبوا لمحنتهم وخرجوا منها ممزقين وقلقين، ‏يحملون المرض في جيناتهم و ثقلا نفسيا على أكتافهم، يكمِلون ‏بها ما بقيَ من أيام في حياتهم. لكن بفضل تضامن العديد من ‏الأصدقاء وقبلهم أفراد الأسرة والأحبة أوقفت نهر البكاء ليبدأ تنفيذ ‏قرار المقاومة من أجل الحياة، وهو قرار تطلب الكثير من الصبر والإرادة.‏

بداية المقاومة كانت بالبحث عن معان جديدة للحياة جعلتني أكثر قوة ‏ونضجا، والأهم معاني الإستمتاع بالحياة بشكل ما. فالراحة الإجبارية ‏بمناسبة العلاج الذي يستغرق وقتا يقتات على لحمي ودمي جعلتني أكتشِفُ أشياء كثيرة وصغيرة لم أختبرها من قبل بسبب الاستغراق في العمل وعدم الالتفات لغيره. فلأول مرة أستمتع ببيتي وأبنائي وبكتبي ‏وشجراتي، وبالرياضة والعبادات على نحو جديد. وشعرت بالسعادة ليس لأني نجوت من ‏المرض على نحو ما، وإنما لأني مازلت قادرة على ممارسة تمارين التحلي بالصبر.

تعلمت ماذا يعني أن أتدرَب وأتمرَن على مقاومة الألم، وماذا يعني ‏أن أحتمِل السجن داخل غرفة النوم لمدد طويلة، وكيف كنت ‏أحاول أن أُجمّلَ سجني حتى لا تصدأ مشاعري كما صدأت جلدتي. كنت أعمد إلى أشياء تبدو بسيطة لأهرب من الجنون، كتغيير أغطيةِ السرير يوميا ذات الألوان الزاهية وأنثر الكتب والزهور من حولي حتى أتخيل السجن متسعا ورحبا بدلا من القفص ‏الحديدي الخانق. كما أتعطر بروائح محببة لأتجاهل نتانة العلاج الكيماوي المقيتة. أحيانا أتخيل غرفة النوم وقد امتلأت حيوانات مفترسة وحشرات مقرفة فأستعجل الاستحمام والتطيب، فتتعطر المشاعر أيضا ويخف الألم. ‏هكذا أتسلى بلعبة لكم الأوجاع فتسرقني الألوان والأفكار من كآبتي وتدغدغني رائحة الكتب القديمة فأغفل عن ‏الألم لحينٍ. مدهشة تلك الأوجاع التي تصنع أزهارها وعطورها وكلماتها!

أعلم أن تلك المقاومة منحتني فرصة استثنائية ‏للنجاة لحد الآن، ربما ضنت الدنيا بها على آخرين؛ كثير من ‏الذين أسقطهم المرض اللَعين لم ينهضوا أبداً! أما وقد مُنحتُ ُهذه الفرصة فقد قررت ُأن أسجل ‏تجربتي، على الرغم من رغبتي بأن أمسح من سبورة ‏ذاكرتي كل الغيوم التي عبرت سمائي وعطنت مشاعري، لكن استعادة ‏التجربة بحلوها ومرها قد تنير ضوءً في عتمة يعيشها مرضى ‏أمثالي. ربما أبكيتكم.. ربما أضحكتكم.. أو لعلني طحنت عظامكم وأنتم تتابعون تفاصيل معركة شرسة..

أرجوكم لا ترددون جملا محفوظة لهذه المناسبات.. إنها لا تليق بالمحاربين، فالمرض يجب أن يسلحكم بالقوة كما سلحهم. لذلك أودعتكم مشاعري حتى نتلمس معا خطوات الأمل ونمحو الدموع والحسرة وذكريات الضعف والوهن.. والأهم أن أستمر أكتب وتكتبون.. لأن حياة واحدة لا تكفينا!".

(من كتاب ثورة جسد، ديسمبر 2011) ‏‏‏‏‏‏

 

 

 

 

Share

Comments

There are no comments for this article yet. Be the first to comment now!

Add your comment