متى تلفظ بيروت أعداءها؟

08/27/2022 - 17:00 PM

Your Ad Here

 

حسن الخطيب

 

حكاية بيروت... حكاية الرصيف التعبان.... بالناس وبالحيطان، بالأمل العنيد.. بِسكَك الحديد، هذه هي باختصار حال بيروت كما وصفتها السيدة فيروز.

إن أردنا الكتابة عن لبنان، نجد أنفسنا عاجزين قليلاً عن وصف الحالة. نحن أمام رجل مريض أنهكته العلل وأقعده المرض ونهشت العقاقير والمهدئات جسده، وأصبح ينتظر معجزة إلهية تنتشله من دوامة الانتظار والدمار والألم. كثر الوصف و كثرت التحليلات، فمنذ الطفولة وأنا أسمع عبارة "الوضع صعب". كبرنا على وقع المعارك، على وقع الأحلام، على وقع التخبطات، على وقع الوعود و الخيبات. جاءت ثورة الاستقلال في العام 2005، استعدنا الأمل، نظرنا إلى الأفق لعلّ السماء تمطر علينا، وما هي إلاّ شهور قليلة حتى استطاع رجال الحقد إغراق الثورة بدوامة التخوين والعمالة والاتهامات المتبادلة.

أكمل العمر طريقه، فشببنا على وقع التعطيل والاغتيالات و المؤامرات و التردي الإقتصادي والحروب الدينية و النزعات الطائفية التي بنت منازلها في قلوب الجيل الجديد من الشباب. جاءت ثورة 17 تشرين، فالتقطنا أنفاسنا مرة أخرى، تجرأنا على الحلم، ظنّنا أنّ الوعي قد وجد طريقه إلى النفوس والقلوب، وما هي أيام قليلة حتى نجح أعداء النهار مرة جديدة بإغراق فكر الثورة في دوامة الإتهامات المتبادلة. تسارع الإنهيار، جاء الرابع من آب فمحى غبار الإنفجار آخر الأحلام التي كنا لا نزال نحتفظ بها في أذهاننا، كما يحتفظ الطفل بلعبته التي أهداه إياها والده. جاءت الانتخابات، حاولنا الصمود واستطعنا رمي بعض الحصى في مستنقع اليأس الذي كان قد غمر وطننا. انتهت الانتخابات وعدنا إلى السرداب نفسه، الأسماء نفسها، تبادل الاتهامات نفسه، الحروب على مواقع التواصل الاجتماعي والحفلة مستمرة.

بعيداً عن الشعر، يجب القول أنّ لبنان ليس إنساناً بل هو وطن، والوطن لا يموت مهما بلغت الصعوبات، وبالتالي لا بد من التمسك بالأمل، لا بد من البحث عن الحلول، لا بدّ من النظر إلى النقاط المضيئة التي من شأنها بعث الأمل في نفوسنا كي نستطيع الاستمرار. كلما وجدت نقطة مضيئة، تمسكت بها علّها تخفف وطأة ظلام النفق الذي نسير به.

على سبيل المثال، لفتتني قصة الشاب ايلي خوند الذي تخرّج منذ فترة من الجامعة الأميركية والذي انتشرت قصة كفاحه في جميع وسائل الإعلام، قصة شاب مكافح، قصة مسيرة من النضال، قصة معركة مع الفقر و الحرمان والظلم. من جهة أخرى، استطاع المنتخب اللبناني إحداث بعض الفرق في الواقع اللبناني، فجاءت الانتصارات المتتالية رغم انعدام الدعم المادي والمعنوي كبارقة أمل في عتمة الليل الحالك.

في لحظات كهذه، يستعيد المرء بعضاً من الأمل والأمل ضروري في الأزمات، فالأمل هو السلاح الذي من دونه لا يستطيع الإنسان المضي قدماً. والأمل في حالة لبنان يرتبط بالفئة القليلة المتبقية التي لم تنخرط بالصراعات الطائفية والتي لم تستطع الغرائز اقتحام عقلها. تلك الفئة التي تشبه لبنان، التي تطمح إلى إعادة بيروت إلى أمجادها، بيروت عاصي الرحباني، بيروت جانين ربيز، بيروت صوت فيروز.

يا أصدقائي، عندما وجد الدين، جاء كي يهذّب النفوس وينير العقول ويبعد الإنسان عن الخطيئة. ما هو الدين إلاً نمط حياة، إلاً معتقدات يتبعها الانسان لدى أخذ قراراته، الدين هو المنظار الذي نقيّم من خلاله كل جوانب حياتنا. ويجب الإشارة إلى أنّ الدين هو جانب شخصي جداً، وليس كل ما يظهره الشخص هو الحقيقة، فلكل منّا أسراره وتناقضاته وحياته المخفية. كما أنّ الدين المذكور على البطاقة لا يخبر شيئاً عن الإنسان، عن حسناته وعن أخطائه، ففي نهاية الأمر حتى المجرم لديه دين، حتى السارق لديه دين، وفي هذه الأيام البائسة هناك من يقتل ويفتك بالناس بإسم الدين.

حتى اللحظة لا أفهم عمق وشراسة المعارك الطائفية المندلعة في لبنان. لكـأنّ الانهيار في لبنان وقع في منطقة واحدة واستثنى الأخرى، لكأنّ الفقر استهدف صيدا ونسي طرابلس، لكأنّ انفجار الرابع من آب استهدف العائلات المسيحية و امتنع عن تدمير المنازل التي يقطنها المسلمون، لكأنّ الضرائب فرضت على ساكني الجبل واستثنت مناطق الجنوب.

من حق كل إنسان فينا أن يتبع مذهب معين، أن يتبنّى معتقدات معينة، ولكن ما أستغربه أن يبني المرء وجوده على رفض واختفاء الآخر، مع أنّ الوطن يتسع للجميع.

يقول نزار قباني: كيف سيأتي الغيث إلينا، كيف سينمو القمح، كيف يفيض علينا الخير وتغمرنا البركة، هذا وطن تحكمه الديكة.

آن الأوان لـ بيروت أن تلفظ أعداءها، أن تسحق الأغراب الذين عاثوا في أرضها فساداً، الذين نهشوا خيراتها، الذين مارسوا الابتزاز على شواطئها لسنوات، الذين أغرقوها في دوامة العمالة والإتهامات والعرقلات والإحباط والديون والفشل والسخرية.

أتذكر عندما كنت لا أزال طالباً في الجامعة الأميركية في بيروت، كان الممثل الكبير رفيق علي أحمد يقوم بعرض مسرحيته "جرصة"، ولا أزال أتذكر أحد الجمل التي رددها في المسرحية قائلاً: إنّ لبنان كتب له أن لا يعيش وأن لا يموت، بل أن يبقى هكذا. وعلى الرغم من أنّ هذه المقولة بدت لي صائبة جداً و متماهية مع الواقع اللبناني، إلاً أنّني لم أعد أستطيع تقبلها بعد اليوم.

لا يمكن لوطن أن يعيش هكذا، أن يعيش على حافة الموت، أن يرقص على حافة الهاوية، أن يتنظر فرجاً لا يأتي.

يكفى ما حصل حتى الآن، أحلم بذلك اليوم الذي تعود فيه بيروت منارة الشرق، حين ينهار نفق العتمة و يسطع نور النهار، فتعود بيروت إلى أصلها: بيروت سعيد عقل، بيروت طلاب الجامعة الأميركية، بيروت شارل مالك، بيروت جبران تويني و بيروت سمير قصير. وإلى المعترضين، إلى هؤلاء الغارقين في صراعاتهم، إلى الذي يريدون جرً بيروت إلى مزيد من التدهور والضياع، فأحيلكم إلى أغنية السيدة فيروز التي تقول: لبنان الحقيقي جايي تيشيل الوجوه المصبوغة والوعود المدموغة وياخدهن الشتي. على أمل أن تستجيب السماء لنا، وأن يأتي المطر كي يمحو غبار الحقد ويعيد بيروت إلى طريق العافية والحياة.

 

 

Share

Comments

There are no comments for this article yet. Be the first to comment now!

Add your comment