محنة الكاتب العربي وعقدة الخواجة

08/16/2022 - 08:49 AM

Your Ad Here

 

 

 

ابتسام يوسف الطاهر

 

نشرت قبل مدة إحدى الصحف العربية تحقيق عن النشر والترجمة في الوطن العربي. تخلله حديث لأكثر من ناشر أو صاحب دار نشر من لبنان ومصر ودول الخليج.

لاشك أن ترجمة الكتب الاجنبية العلمية او الادبية من روايات وقصص وشعر لكتّاب إنجليز وفرنسيين وغيرهم قد أحدثت طفرة وثورة في عالم الفكر والأدب، وقد منحت القاريء العربي غنى في الفكر ومتعة في القراءة. لكن الكتاب العرب ظهر بينهم مبدعين وموهوبين في فن الرواية والمسرحية والشعر. ومفكرين مبدعين في التاريخ والدين وعلم الاجتماع والفلسفة، خاصة في مصر ولبنان وسوريا. ونحن في العراق نكاد نعرف الحركة الفكرية في تلك البلدان أكثر من معرفتنا للكثير من الأدباء والمفكرين العراقيين، بسبب ضعف وقصور الاعلام العراقي على مدى العصور الحديثة. وبعد الدولة بكل مراحلها عن الحالة الفكرية والثقافية، وعدم دعم الكاتب من قبل الدولة أو المؤسسات الثقافية لا ماديا مثل طبع ونشر كتبهم ، ولا معنويا في تسليط الضوء على منجزهم الفكري والأدبي.

إحدى الناشرات أو صاحبة دار نشر من لبنان تقول: أن انحسار ثقة القاريء العربي باللغة العربية هو أحد أسباب تراجع الإقبال على الكتاب العربي! بالوقت الذي تحكي فيه عن اهتمام دور النشر بترجمة بعض الكتب الأجنبية إلى اللغة العربية. إذن القارئ العربي يقرأ الكتاب المترجم باللغة العربية، بمعنى انه لم يفقد ثقته بلغته الأم كما تدعي الناشرة!

فتلك الدور تقبل على ترجمة الكتاب الأجنبي بالرغم من التكاليف المادية الكبيرة، حسب قول الناشرين، فهم يدفعون لدار النشر الاولى صاحبة حقوق الترجمة مبالغ طائلة من الدولارات كذلك يدفعون للمترجم، الى غيرها من تكاليف التصحيح والطبع وتصميم الغلاف إلى غير ذلك! بينما الكاتب العربي (ماعدا المشاهير جدا) يضطر الى دفع مبالغ مكلفة قياسا الى ميزانيته المحدودة، لدار نشر توافق على طبع الكتاب الذي تستلمه جاهزا، فوق الجهد الذي بذله المؤلف في تأليف الكتاب وصفه وتصحيحه واعادة كتابته مرات، وهذا العمل قد يتواصل لشهور وربما لسنوات. فهو لا يجني ثمن تعبه، بل العكس، يجب ان يجمع مبلغ لدفع تكاليف النشر على حساب ميزانيته المحدودة، ومن ثم يوزع كتابه على أصحابه ، الذين منهم من لا يكلف نفسه حتى قراءة الكتاب وتبيان وجهة نظره فيه.

يأتي ناشر خليجي ويناقض ما قالته الناشرة اللبنانية، فيحكي عن صعوبة وتكاليف الكتاب العربي التي هي أكثر من الكتاب المترجم كما يقول!

احد الزملاء من الكتاب ذكر أن احدى دور النشر طالبته بدفع مبلغ خيالي لنشر روايته، ليس هذا فحسب بل عليه بعد ذلك أن يشتري النسخ المخصصة له ! بينما المتعارف عليه أن الناشر يشتري منجز الكاتب الذي سهر عليه واشتغل شهورا ربما حتى سنوات، على الأقل يشعر بثمرة جهوده تلك. ويبقى تسويق الكتاب وبيعه من مهمة الناشر لان كل الناشرين هم تجار مهمتهم بيع الكتب ومنهم من يلتزم بدفع نسبة مئوية للكاتب عن كل ما يباع من كتابه.

معظم الكتاب والروائيين هم غير متفرغين للكتابة الا القليل جدا من المشاهير ممن ترعاهم الدولة وتهتم بهم. فالغالبية لديهم مسؤوليات وأسر والتزامات اقتصادية واجتماعية. وبدلا من تشجيعهم وتبني منجزهم الأدبي او العلمي يتعرضون للابتزاز . وحتى بعد دفع المبالغ لنشر وتوزيع الكتاب، كما هو حال بعض دور النشر ، في مصر مثلا، تبقى تماطل بشكل مهين وغير مهني في إنجاز الكتاب وتوصيله إلى المؤلف، وبطريقة فيها ابتزاز يعرض الكاتب الى مشاكل ومتاعب نفسية هو في غنى عنها.

ولكن تخيلوا معي لو أن أحد هؤلاء الكتاب الغير معروفين، لكنهم مبدعين وموهوبين في الرواية أو الشعر او القصة، راسل احدى دور النشر تلك باسم اجنبي انكليزي او فرنسي على سبيل المثال، كيف سيكون رد الناشر أو صاحب الدار! لابد ان الاهتمام سيكون على أعلى الدرجات. خاصة إذا كان ذلك الكاتب الأجنبي يجيد العربية لدرجة تأليف كتاب أو رواية باللغة العربية. بل سوف تتهافت الدور كلها، طالبة القرب منه!

بينما كاتب باسم غير مشهور تماما لن يماطلون فقط بل بعض دور النشر من الوقاحة وقلة الذوق يتجاهلون مراسلاته. حتى لو كان المنجز فكري وتاريخي مهم! ناشر معروف على مستوى عربي عاش طويلا في أوروبا، تتوقع انه تطبّع بخلقهم وطباعهم في احترام الآخر وعدم اهمال خطاباته. يفاجئك حين تعاتبه لماذا لا يرد على رسائلهم. يجيب الناشر الفطحل بكل أدب جم: (العنوان خطأ) بدون اي كلمة اعتذار او تبرير تطيب خاطر صاحب المنجز ذاك. (كيف خطأ والايميل وصلك على العنوان الذي راسلتكم عليه سابقا، ووصلني جواب منكم؟) يرد مرة أخرى بنفس الاقتضاب: (العنوان خطأ). أي عنوان؟ الاخ مشغول جدا لا وقت لديه للتعامل مع الآخر العربي الغير معروف، الذي هو ربما أكثر منه ثقافة ومعرفة، فيرد بطريقة فيها عنجهية وتعالى وقلة ذوق.

ناشر آخر يطلب من الكاتب ان يرسل منجزه كاملا ومصححا ومصمما، وفوقه الفين دولار! عن طبع كتاب قد لا يكلفه أكثر من أربعمائة دولار فقط. ليس هذا فحسب بل ريع المبيعات كله للناشر حتى لو اقترح نسبة مئوية بسيطة، هو يعرف ان الكاتب زاهد تماما ولن ينط له كل شهر ليعرف نتائج البيع!

هي عقدة الخواجة كما يقولون، فمنذ الأزل والعرب مهما تعلموا أو وصلوا لمراحل متقدمة في الدراسة والمعرفة، يبقى الاجنبي الامريكي والانجليزي والفرنسي هو الأهم. أذكر إحدى الصحف العربية التي تصدر في لندن. كانت تماطل في دفع المكافآت لكتاب عرب بأسماء معروفة من لبنانيين ومصريين، بينما مراسلة أمريكية ترسل لهم خبر بلغة ركيكة يضطر المترجم أن يصيغ الخبر بشكل يليق بالصحافة، يدفعون لها ألف دولار عن تلك الأسطر .

 

لكن الأمر لا يخلو من ناشرين مثقفين ويقدرون العمل الأدبي والفكري، وهم قليل. فأحد الناشرين المبتدأين التزم عدد من الكتاب والمترجمين ايضا، ونشر لهم كتبا دون أن يكلفهم مبالغ الطبع والشحن حتى، مما اضطره لأخذ قروض من البنك لتسديد التكاليف، بانتظار الدولة أو المؤسسات الثقافية أن تدعم مشروعه الفكري، دون جدوى.

إذن الكتاب العربي لايعاني من قلة ثقة القاريء باللغة العربية أو بالكاتب العربي.. وإنما يعاني من دور نشر تبتز الكاتب، وحكومات ومؤسسات ثقافية لا تعني بالثقافة والوعي ولا يخطر لها أن تدعم الكاتب الذي قد يكفر بموهبة الكتابة لديه، ويتركها مضطرا، إذا كانت تجلب له المتاعب والاحراج بدلا من المردود المادي المطلوب كما هو الحال في البلدان التي رضي الله عنها.

اذكر لدى ظهور أول كتاب لي، قال زميل انكليزي "مبروك ، لابد انك الآن غنية" قلت له نعم غنية فكريا، ولكن ماديا للاسف لا، فأنا اضطر للاستغناء عن وجبات طعام، وعن الكثير من الضروريات، لأوفر مبلغ الطباعة والنشر! فالكل يتاجر بما لديه والكل يحاول أن يغتني على حساب الآخر واستغلاله.

 

 

 

 

Share

Comments

There are no comments for this article yet. Be the first to comment now!

Add your comment