الحبُّ بنصلِ السكِّينِ!

08/14/2022 - 09:43 AM

Your Ad Here

 

 

ألفة السلامي

 

إياك أن تصدّقَ أن الحبيبَ يستطيع أن يقتل من يحبّه مهما كان الدافع، ولتعلم أن الحبَّ لا يقتل لأنه عكس الموت تماماً.. فهو الحياة! أمَّا الجرائم الغريبة التي أصبحنا نراها تُرتكب ببشاعة في الشارع، سواء جريمة قتل فتاة الشرقية ومن قبلها فتاة المنصورة أو غيرهما من الضحايا مؤخراً في الأردن والعراق واليمن وغيرها، فليس هناك ما يبررها مهما كانت الدوافع. وهي جرائم تحتاج علاجاً نفسياً للمرضى الذين يرتكبونها والمجرمين المحتملين في المستقبل!

للأسف المرض مستشري ولكنْ ليس هناك وعي كافٍ لدى المرضى والمحيطين بهم بأنهم يحتاجون علاجاً تحت إشراف أطباء نفسيين. ومادام هناك إنكارٌ للمرض، ومقاومة لفكرة طلب العلاج فسوف يتأخر الشفاء ويؤجل الإصلاح المجتمعي، وسنظلُّ نُفاجأُ بمثل هذه الجرائم الشنيعة كلَّ حين.

المرض النفسي ليس وصمة عار كما أنه لا يعني جنوناً فكلنا مرضى بدرجات؛ وتصل نسبة انتشار الأمراض النفسية بين البالغين (18-64) إلى 12% وفقاً لدراسة أجرتها الأمانة العامة للصحة النفسية فى مصر بالتعاون مع عدد من المنظمات الدولية.

هذا يعني أن هناك حوالي 8 ملايين شخص على الأقل يعانون من مرض نفسي، منهم من يتم حجزه ومنهم من لا يحتاج سوى التردد على العيادات والمتابعة مع الطبيب. ويذكر المسح الحديث لعام 2018 أنّ نسب وأعداد المرضى ربما لا تتمتع بالدقة الكافية حيث أنها أقل من الواقع بسبب عدم إبلاغ الكثيرين عن أمراضهم النفسية لتلافي وصمة العار من المجتمع الذي مازال في حاجة ماسة للتوعية حتى يتقبّل أمراضه ويواجهها ويعالجها.

 وندركُ تماماً أنه في حال توفّر الوعي الكافي بالمشكلة يزول نصفها، أما إذا ما تُركت فإنها بالتأكيد تتفاقمُ. وعندما يرتكبُ المريضُ جريمةً فهذا يعني أنَّ المرضَ النفسيَّ تمكّنَ من صاحبه في غفلةٍ منه ومن أهله لدرجة أصبح يشكِّلُ خطورة على نفسه وغيره. والحلُّ في العلم، وليس الشعوذة أو التبرير ودسّ الرؤوس في الرمال؛ لذلك استشارة العلماء الثقات في هذا التخصص أمر لا غنى عنه. ويا ليتنا نفعلُ جميعاً مع أنفسنا دون تردد أو مكابرة فعندنا من العقد ما تنأى الجبالُ بحمله!

أما أن ندافعَ عن جرائم باسم التعاطف عن كبرياء الشباب الذين جرحت كرامتهم فتيات وأقدموا على الانتقام منهن بنصل السكين فهذا جهل مرفوض وحماقة لا تُغتفر، لأن التعاطف يشجِّعُ على الجريمة بدلاً من علاجِها والإحاطة بمرتكبيها قبل فوات الأوان، لأنهم لم يعرفوا حبّاً ولا صداقة ولا مشاعر سويّة. لقد سجنوا أنفسهم فى رغبة الانتقام متوهمين الخديعة التي تعرضوا لها وكأنهم أبطال فوارس لديهم أفضال على الفتيات وربما على كل من يعرفهم، وتلك مجرد أوهام ظنُّوا أنه لولاهم لما نجحن ولا تميزن، وزادت لديهم الأوهام بأنهم ضحايا الاستغلال العاطفى من قبل من يحبونهم، ذلك أنَّ عقولهم لا تملك مرونة تقبل الرفضِ أو الفشل في العلاقات العاطفية، كما أنهم يصدّقون أوهامهم فقط حتى عندما تصل إليهم رسائل واقعية مغايرة لخيالاتهم فيرفضون هذا الأمر الواقع ويتحدون الأبواب الموصدة في وجوهم ويقررون الانتقام دون أن يتوفّرَ لديهم الواعز الديني والأخلاقي الذي ينهاهم عن ارتكاب جريمة.

أما تفسير كيف يتعاطف قلة من الناس مع القتلة فهذه ظاهرة سيكولوجية معروفة لأن بعض الناس عندهم ميل إجرامي مقموع ويجدون فرصةً لإشباعه مع هؤلاء المجرمين؛ فالإشباعُ بالتشفي في الموتِ والراحة في القتل وإدانة الضحية فهذا مرض بدوره جدُّ خطير. ولعلَّ الإقدام بكلّ جرأة على جمع تبرعات من خلال حملة منظمة على وسائل التواصل الاجتماعي من أجل تقديم تلك التبرعات كأجرٍ للمحامي الجنائي الشهير، فهذا نوع من التعاطف الغريب، منافٍ للفطرة السليمة والطبيعة السويّة ..لأنّه تعاطف مع قاتل دموى ذبح ضحيته فى عرض الشارع وطعنها في كل مكان إلى أن لفظت أنفاسها وهو إشباع مريض خطير ويمثل جرسَ إنذارٍ على أن المجتمع قد تضيع بوصلة الخير والشر فيه والفرق بينهما وتصبح المنظومة القيمية عبارة عن فوضى يضيع فيها الحق ويُلبس بالباطل.

المهم في هذا الحديث عن الجريمة وعلاقتها بالأمراض النفسية أن لانتوهّمَ أنّ المجتمع المصري يفوق مجتمعات العالم في أمراضه النفسية بل قد يكون مثلها أو يقلُّ عنها حيث أن الاحصاءات الصادرة من منظمة الصحة العالمية تشير إلى أن النسبة الطبيعية في المجتمعات تكون في حدود 25% وتتفاوت أنواعها. في أمريكا مثلاً غالبيتها اضطرابات القلق أما في مصر فاضطرابات المزاج هي الأكثر انتشاراً ونسبة كبيرة منها بسبب المواد المخدرة. وفي حين يلجأ غالبية المرضى في الدول المصنفة الأعلى دخلاً لطلب العلاج النفسي نتيجة توفر الوعي وإتاحة خدمات الصحة النفسية مع ارتباط وثيق بنظام الرعاية الصحية الأولية، نجد على العكس من ذلك أنَّ 0.4 % فقط من الذين يعانون من اضطرابات وأعراض نفسية في مصر يلجأون للعلاج، وهي نسبة منخفضة للغاية مقارنة بالذين لديهم مشاكل نفسية.

حديث الصحة النفسية يطولُ وقد تتأخر الاستجابة لعلاج هذه الأمراض نظرا لأن الناس منهكين في الظروف الاقتصادية اليومية والمشكلات الاجتماعية المترتبة عنها خاصة في أعقاب جائحة كورونا ثم تداعيات ويلات الحرب على أوكرانيا والتي أثرت على أسعار الغذاء والطاقة وكلفة الحياة، حيث مازال علاج الأمراض رفاهية! لكن الخطر في تأخر الاستجابة حيث يتحول الوضع الاقتصادى الصعب بدوره لعوامل خطر مضاعفة لحدوث الاضطرابات النفسية التى هى اكثر انتشارا فى المجتمعات المصنفة اقتصادياً "منخفضة جداً".

 كما أنَّ عدم وجود مهنة محددة أو بطالة وانعدام الدخل والهدف يرتبط بمزيد من المعاناة الصحية النفسية. مع ذلك سيكون لدينا الأمل دائماً في علاج بعض الأمراض المنتشرة طال الوقت أو قصر. لكن يظل هناك مرض واحد يفتك بمجتمعاتنا دون أملٍ في علاجه وهو التسلط الذكوري وتبرير الجرائم عندما يرتكبها ذكور ضد النساء واللجوء إلى المشعوذين بدلا من الأطباء للعلاج، حيث لن يكون لهذه الأمراض الاجتماعية إلا باستئصالها من جذورها. وهذا يحتاج نقلة نوعية حقيقية في الوعي والتربية والإصلاح والتنوير!

 

 

 

Share

Comments

There are no comments for this article yet. Be the first to comment now!

Add your comment