( هل تقبل أمريكا تحول النظام الدولي نحو تعددية أممية؟ )
الدكتور عبد الحفيظ عبد الرحيم محبوب
كثير من المحللين الاستراتيجيين يرون أن النظام العالمي وصل مرحلة الانحلال والفوضى، وقد نشرت مجلة فورين بوليسي الأميركية أن النظام الذي تقوده أمريكا ويقوم على التحالفات قد أصبح غير مستقر بسبب انتقال القوة بعيدا عن الغرب، يتبعه انتشار المخاطر الانتقالية، طبعا لم تقل المجلة أن النظام الأمريكي لن يقبل بأي تحول عن القطبية الأمريكية نحو تعددية أممية، لكن أشارت المجلة إلى ترنح النظم الإقليمية في أوروبا والشرق الأوسط وشرق آسيا، وهذا التقرير صادر من دبلوماسي أمريكي سابق كان رئيس مجلس العلاقات الخارجية ريتشارد هاس، وصدر هذا التقرير في بداية مرحلة حكم الرئيس ترمب في 2017، ما يعني أن الدولة العميقة ( تتألف من عناصر الحكومة وعناصر من أعلى مستويات التمويل والصناعة) في أمريكا لم تكن راضية عن نهج ترمب في السياسة الخارجية.
هناك كتاب لستيفن كوهين الحرب مع روسيا صدر في 2018 يدعي في الكتاب ان قمة أمريكية سوفيتية واحدة على الأقل تم تخريبها، تم إحباط اجتماع أيزنهاور خروتوشوف الثالث المقرر عقده في باريس في عام 1960، ويدعي مايك لوفغرين أن المجمع الصناعي العسكري هو الجزء الخاص من الدولة العميقة، رغم أن البعض يعتبرها خرافة، لكن مايك جلينون وهو أستاذ بجامعة تافتس يرى أن الرئيس باراك أوباما لم ينجح في مقاومة أو تغيير ما يسميه الحكومة المزدوجة شبكة الدفاع والأمن القومي، وهذا المصطلح استخدمه الرئيس ترمب كثيرا، ما جعله يتعرض لضربات أمنية وطنية، وبمعدل أعلى بكثير من سابقاتها التي واجهتها، لكن تنتقد إدارة ترمب أنها تفتقر على العمق التنظيمي للدول العميقة في البلدان الأخرى.
بعيدا عن هذا الجدل، لكن أمريكا تعاني تشظ داخلي تنعكس على استمرار القطبية الأمريكية التي تحكم العالم، ولا ينفعها الانتقال من شعار ترمب أمريكا أولا إلى شعار بايدن بناء عالم أفضل التي هدفها قطع الطريق على قطبية الصين، رغم أن الصين لا تسعى نحو قطبية آحادية على غرار أمريكا، لأنه بالنسبة لها الآحادية القطبية مكلف، ونرى أن السعودية لم ترمي بكل ثقلها في الصين، لأنها تدرك أن الصين لن تساهم في حل مشكلات الشرق الأوسط، رغم خلافها مع أمريكا، لكنها تحتاجها، لأنها قادرة على حل أزمات الشرق الأوسط التي تسببت في وجودها.
ترفض السعودية التعامل معها ككيان ذات سيادة تؤدي واجباتها تجاه العالم الغربي، بدلا من التركيز على مصالحها، فيما السعودية انتهجت استراتيجية جديدة تركز على مصالحها وهو ما جعلها ترفض ضخ مزيد من النفط في السوق العالمية بعد أزمة الحرب الروسية في أوكرانيا ووضع العقوبات الغربية على روسيا أي أن السعودية رفضت المشاركة في تلك العقوبا، خصوصا وأن السعودية تعاني من مشكلات خلقتها أمريكا في المنطقة، وترفض حلها بل تتجه فقط إلى حلحلة تلك الأزمات، وهو ما يزعج السعودية وكان سبب الأزمة بين البلدين.
لكن ما يثبت تآكل القطبية الأمريكية، أنها لم تعد تهتم بالمؤسسات الأممية التي تشكلت بعد الحرب العالمية الثانية، ولكنها كانت في ظل قطبين، ولم تتغير بعد انهيار قطب الاتحاد السوفيتي، لكنها لم تعد تكترث كثيرا بمنظمة التجارة العالمية بشكل خاص، وبات جل همها إحياء تحالفات عسكرية لمواجهة الصين، من أهم هذه التحالفات تحالف أوكوس.
كما افتعلت أمريكا الحرب الروسية في أوكرانيا أو جر بوتين لهذه الحرب لاستعادة أوروبا التي فقدها الرئيس ترمب، وأثبت بايدن للقارة العجوز أن القرار بيد أمريكا وليس بيد أوروبا، بعدما حرك على ضفتهم الشرقية الدب الروسي، فأصبحت الخسارة مزدوجة لروسيا وأوروبا، والكاسب الوحيد هي أمريكا، وأربك الاندماج الروسي في أوربا وأيضا حد من الاستثمارات الصينية في أوربا خصوصا بعدما أصبحت الصين الشريك التجاري الأول لأوروبا بعدما كانت أمريكا ولكن بفارق ضئيل يقدر بنحو 30 مليار دولار.
ما جعل الصين ترفض أي تحرك بعد زيارة رئيسة البرلمان الأمريكي ناسي بوليسي لتايوان أي تحرك لضم تايوان على غرار روسيا، وأدركت الصين أن صاحب القوة هو من يحدد الحقيقية، فأصبحت أمريكا والصين مشتركتان في تحديد الحقيقة، من أجل رسم معالم خريطة دولية لنظام عالمي، لكن حتى الآن ترفض الولايات المتحدة الاعتراف بهذه الحقيقة، فيظل النظام العالمي متوترا، ومعالمه لم يتم رسمها بعد، لكنها تبقى مؤجلة وسط تخبط وفوضى عالمية.
يبدو أن الولايات المتحدة تتجه نحو أقلمة العولمة التي قادت اقتصادات العالم إلى نمو هائل ما قبل كورونا، لأن في الحرب الأوكرانية استخدم القمح كسلاح لا كسلعة استراتيجية، بل امتدت أزمة سلاسل الإمداد إلى مدخلات إنتاج ومواد خام صناعة السيارات والرقائق الالكترونية التي تستخدم في صناعة السيارات والهواتف وبعض مكونات خطوط الغاز التي مثلت أداة قوة في صد روسيا العقوبات الغربية عليها.
ما يثبت أن العولمة أقوى من محاولة أقلمتها، بعد الحرب الروسية في أوكرانيا في أن تكون نهاية لعصر العولمة التي بلغت ذروتها بعد 30 عاما من النمو، ويعتقد البعض أن بعد الحرب الروسية يمكن أن تشهد أحجام التجارة تراجعا حادا كانعكاس لتزايد النزاعات بين الدول القوية، في الوقت الذي تكافح الشركات، لتوفير مرونة أكبر في ما يتعلق بسلاسل الإمدادات العالمية، سبق أن تباطأ النمو في 2009 ليتحول من الصعود بسرعة الضعفين عن إجمالي الناتج العالمي المحلي.
يتوقع بعض المحللين أن تثير الضغوط الجيوسياسية نقلة كبيرة نحو وضع حد للعولمة، بسبب أن الحكومات ستتجه نحو تعزيز المصالح الأمنية على حساب الامتيازات القائمة، ويرون أن العالم يقف عند مرحلة أكثر تحديا في ما يتعلق بتجزئة التجارة مما كان عليه الوضع خلال الأزمة المالية العالمية عندما تفادت الدول إلى حد كبير فرض تعريفات جمركية وإجراءات أخرى، لأن الولايات المتحدة ترى أن التوسع في العولمة على أساس استخدام التكنولوجيا الغربية لإنتاج السلع في الدول الأقل تكلفة ثم إعادة تصديرها إلى أمريكا وأوروبا حتى توسعت الشركات الغربية في إقامة المصانع في الصين للاستفادة من العمالة الرخيصة.
أدى هذا التحول الاقتصادي إلى تراجع الوظائف التصنيعية في أمريكا مرتفعة الأجر من 19.6 مليون وظيفة عام 1979 إلى 12.6 مليون وظيفة في 2022، مع تقلص نسبة العمالة في القطاع الخاص الأمريكي من 24 في المائة في المائة عام 1973 إلى 6.1 في المائة في 2022.
بجانب شجعت العولمة على قيام سلاسل إمداد دولية مكثفة، لكنها معقدة بهدف تقليل النفقات، حيث يمكن إنتاج أشباه الموصلات في تايوان، ثم يتم إرسالها إلى ماليزيا لتجميعها بصورة ما ليتم إرسالها بعد ذلك إلى الصين لاستخدامها في الإنتاج النهائي للسلع التي يتم تصديرها إلى الغرب، وعندما تفشت جائحة كورونا والحرب الروسية في أوكرانيا اضطربت سلاسل الإمدادات بشدة وتفجرت مشكلات اقتصادية.
يعاني الغرب ليس فقط الآثار الجانبية للتوسع في عولمة الإنتاج الصناعي، بل أيضا في ارتفاع أسعار الطاقة على خلفية الحرب الروسية في أوكرانيا مع رفض تجمع أوبك بلس للدول المصدرة للنفط زيادة إنتاجه من الخام بنسبة كبيرة تلبية للطلب المتزايد على الطاقة.
يعتقد البعض أن الضغوط الجيوسياسية أن تثير نقلة كبيرة نحو وضع حد للعولمة التي نمت خلال العقود الثلاثة الماضية، وأن الشركات والحكومات ستراجع اعتمادها على دول أخرى وتسعى إلى تعاملات داخل حدودها أو بالقرب منها، كما يعتقدون أن الأنماط التجارية ستتشكل بناء على عودة سياسات القوى الكبرى وإنشاء التكتلات التجارية الصديقة، وهم يراهنون على تعزيز المصالح الأمنية على حساب الامتيازات القائمة، لكن ذلك لم يتحقق بعد زيارة ناسي بلوسي لتايوان، وخشيت أمريكا أن يتكرر ما حدث في الحرب الروسية في أوكرانيا أن ارتدت العقوبات على أوربا بشكل خاص وأمريكا بشكل عام أدت إلى ارتفاع نسب التضخم خصوصا وأن الحرب الروسية في أوكرانيا أتت بعد جائحة كورونا التي أثرت على اقتصادات الدول، وانهارت حكومات في بريطانيا وإيطاليا ودول أخرى.
لن تختفي المشكلات الخاصة بسلاسل الإمداد في وقت قريب ما دام هناك تفاوت في تكلفة الإنتاج بين دول العالم المختلفة، حيث ستظل الشركات الغربية حريصة على وجود الجزء الأكبر من أنشطتها الإنتاجية في الدول الأقل نمو والأقل تكلفة، لكن تبحث الولايات المتحدة عن دول أخرى قريبة غير الصين مثل المكسيك، والتوسع في الإنتاج الأقل اعتمادا على العنصر البشري.
د. عبد الحفيظ عبد الرحيم محبوب
أستاذ بجامعة أم القرى بمكة












08/13/2022 - 11:45 AM





Comments