رسائل فوق المسافات والجدران: القدس..... بيروت على حافة لقاء

08/09/2022 - 19:28 PM

 

 

 


الكاتبة نسب أديب حسين

تعكس الرسائل الحس الوطني العالي والقلق والمرهف للدكتور أديب حسين ابن الطائفة الدرزية المعروفة تاريخًا بمواقفها ضد الاستعمار مع عجاج نويهض أهم مؤرخي ومثقفي لبنان في القرن العشرين، أمام هذه المراسلات نجد أنفسنا أمام قلق وجودي واعي بكل ما يتهدد القضية بمركباتها المختلفة.

أحمد الحرباوي

تعتبر الذاكرة التاريخية لأي شعب من أبرز المؤشرات وأهمها في عملية الاستقراء التاريخي والاجتماعي لمكنونها المتفاعل والمتغير على مدار سنين أو قرون طويلة، وكل ما ينتج عن تلك العملية التفاعلية ضمن مستوياتها المختلفة سواء أكانت مخرجات مكتوبة أو مروية فإنها تعتبر ارث تاريخي حقيقي يعبر بشكل صادق وفعلي عن انتماء الفرد لقضاياه وهمومه ومشاكله على جميع الأصعدة في تلك الفترة، وهذا التباين في الحقب الزمنية هام جدًا لأنه يعكس التفاعل الحقيقي للفرد ضمن سياق الماضي ليرصد لنا بشكل ضمني ملامحه السياسية والاجتماعية، وهذا يفضي بشكل حتمي إلى لمس التحولات التي طرأت في تغير خطاب الفرد أو المجتمع على صعيد الهوية والانسان والانتماء وغيرها الكثير.

ضمن هذه المقدمة البسيطة نستطيع أن نلتمس أهمية هذا الكتاب المفضي بنا إلى فترة حساسة في تاريخ قضيتنا الفلسطينية التي مرت بتحولات كبرى عرفناها بشكل عام وسطحي، ولمسنا نتائجها دون أن ندرك تلك التفاصيل الصغيرة التي كانت القاعدة الأساس لتلك التحولات الكبرى على صعيد الخطاب السياسي والهوية الوطنية إلى جانب مركبات المجتمع وتأثيرها على الفرد ضمن الخطاب العادي أو الثقافي أو حتى الإقليمي والعالمي، تعكس الرسائل الحس الوطني العالي والقلق والمرهف للدكتور أديب حسين ابن الطائفة الدرزية المعروفة تاريخًا بمواقفها ضد الاستعمار مع واحد من أهم مؤرخي ومثقفي الوطن العربي في القرن العشرين، وأمام هذه المراسلات نجد أنفسنا أمام قلق وجودي واعي بكل ما يتهدد القضية بمركباتها المختلفة، وأن كل ذلك القلق كان مبررًا لأن ذلك الخوف المتواري بين الأحرف أصبح حقيقة نعيشها نحن الآن، فكيف خلال النصف قرن المنصرم تحولت الهواجس إلى واقع يفرض نفسه، وأصبح الماضي مجرد أحلام نتكهن بعد تحققها مستقبلًا، وأصبح النسيج الاجتماعي ومركباته المتعددة عبارة عن كينونات مستقلة تبحث عن انتماء وطني ثقافي خاص بها بعد أن تهتك النسيج الفلسطيني إثر قيام دولة إسرائيل على أنقاضه.

تحمل الرسائل التي بدأت بمحض الصدفة بين الدكتور أديب حسين المولود في قرية الرامة الجليلة عام 1929 وعجاج نويهض المولود عام1896 في احدى بلدات لبنان ثم هجرته إلى سوريا ففلسطين ليعمل مع الحاج أمين الحسيني في المجلس الشرعي الإسلامي، ثم الخروج من منزله في القدس الغربية عام 1948 ليصبح شريكًا في مأساة اللجوء والفقد والقهر.

تعتبر هذه المراسلات من أهم ما كتب في النصف الثاني من القرن العشرين لما تحمله في ثناياها من سياقات هامة متعلقة بالقضية الفلسطينية وعلاقة الفرد المحلي والإقليمي والطائفي بها، إلى جانب الخطاب الثقافي والتيار الانتمائي وثيمات إقليمية متعلقة بالقضية حينها ضمن التيار العروبي القومي ومساراته في الوعي العام، ولكن هذه السياقات المضمرة في النص تحتاج تفكيكها من أجل رصد ملامحها وتحولاتها وبنيتها.

على مستوى السياق الإقليمي للقضية كان المشهد الثقافي العربي هو المؤطر العام للفرد العربي المنتمي إلى فكرة التحرر، فالرسالة التي أرسلها د. أديب إلى جمال نويهض على إثر إصدار روايتها مواكب الشهداء يأتي ضمن اطار علاقة غير مبتورة بن فلسطين ومحيطها، وهذه علاقة تبادلية لم تتجلى في حمل العربي لهم الكتابة عن فلسطين فقط بل كانت هي نفسها حضن علمي ثقافي مهم، فعجاج نويهض أكمل تعليمه في فلسطين قبل النكبة، وهذا السياق العابر للحدود والاستعمار هو من أصل للروابط الإنسانية بين الفلسطيني ومحيطه تمامًا كما حدث بين نسب وبيان، وفي ظل الواقع الحالي المتشظي اقليميًا والمتفكك داخل نفسه نلتمس أثر المشهد العربي الثقافي في الماضي والتفافه حول نفسه وحول القضايا العادلة، وهذا الوعي ينزاح نحو بنيات اجتماعية سياسية لم تتبلور بعد كما اليوم، لكن هذا التكامل المحلي الإقليمي كان يشحذ بصيرة المثقف لاستقراء المستقبل، فانتماء الدرزي الفلسطيني لجبل العرب والتفاف دروز لبنان حولهما كما ورد في الرسالة المؤرخة بتاريخ 16/1964 كان من الممكن حماية الطائفة من الانسياق وراء الأكاذيب الصهيونية من خلال سيطرة 3 عشائر درزية على الوضع القائم وانطلاقهم نحو التجنيد وانشاء روابط الدم، فهذا البتر عن المحيط العربي والمرجعية التاريخية هو من أسس لبتر الدرزي عن مجتمعه الفلسطيني، مقابل جهل باقي أطياف المجتمع الفلسطيني لخطورة هذا الانقياد وعدم محاولتهم الالتفاف حول بعضهم البعض ولم الشمل، رغم المحاولات الدرزية المحلية من خلال انشاء منظمة شباب الدروز وغيرها العديد من أجل منع التصدع من التمدد، مقابل قيام بعض أبناء الطائفة من البدء في التأسيس لقومية درزية من خلال فصل المناهج وقبول التجنيد وغيرها العديد من الممارسات، ضمن سياق استعماري لتحويل الشرق الأوسط لدويلات دينية متنافرة.

في ظل هذا السياق نلمس دور القدس العربي في تبني الخطاب الثقافي لمختلف الكتاب وانتماءاتهم ما دامت القضية الفلسطينية هي الخيط الناظم لهم، يظهر من الغلاف نشر رواية مواكب الشهداء في مطبعة المعارف في المدينة وكتاب الهيام في بيروت قبل أن تصبح شرقية وغربية، وهذا الفضاءات العربية أصبحت نموذج لما يحصل في دول المنطقة ككل، فهل يمكن لأي فرد أو مثقف اليوم يحمل هموم وطنه أن يلتفت إلى قضايا الغير؟! هذا سؤال وجودي هام يحمل في طياته قلق من نوع آخر منتمي إلى المستقبل وقيمه الإنسانية.

يحمل الفصل الأخير من الكتاب الذي يحمل ثيمة اللقاء المرتقب بين بيروت والقدس من خلال مراسلات داخل العالم الافتراضي بين نسب وابنة عجاج نويهض وهي الكاتبة والباحثة بيان الحوت، هذا اللقاء المبتور حتى من الممكن وسط تقسيمة الجغرافيا والانسان والهويات، فجولة نسب في القدس الغربية أو المكتبة الوطنية الإسرائيلية للعثور على بيت عجاج نويهض المحتل وكتبه المنهوبة في أقبية الأرشيف الإسرائيلي مؤشر واقعي يدل على تعالي الفرد على الواقع، ومكوثه وسط أحلام محمولة على الزمن، والسؤال الذي ظل مفتوحًا في النهاية هل  يمكن للمستقبل أن يحتفظ بأي فرصة لمحاولة البحث عن الذات وعلاقتها مع الأرض والآخر أم أن الانطواء على آلام الذات وواقعها سينتصر في النهاية؟

في هذا السياق تؤثث هذه المراسلات بين نسب وبيان لمتواليات الحكي للقصة والقضية التي تبدأ منها الحكاية، حكاية د. أديب العائد للبحث عن نفسه وعن القضية في كتابة الآخر، وهو في رحم مجتمع بدأ يشعر به يمضي نحو طريق مجهول وغريب، وعجاج المتابع بكل خوف لكل تلك التحولات، وهذا جانب سوسيولوجي مهم قالته الرسائل، وهو طرح في غاية الأهمية لأنه حمل إلينا الذاكرة والتاريخ كخطين يسيران بشكل متواز من خلال قضية لها فاعلين داخل حيز جغرافي له ذاكرته الجماعية، وله ملامحه الخاصة، لتنتقل تلك المراسلات إلى السياق الاقليمي لتلتحم فيه، لنرى أنفسنا اليوم أمام مسافة جيدة مكنتنا من رؤية جدليات مهمة عن الواقع الاجتماعي والديني والوطني، وحتى النفسي، هذه الرسائل على قلتها لها أهمية كبيرة لأنها تشخص الواقع وتفتح أفق الحاضر نحو أسئلة وجودية لها أكبر تأثير فيما سيأتي.

 

 

 

 

Share

Comments

There are no comments for this article yet. Be the first to comment now!

Add your comment