الأكل أمن قومي أيضا!

08/04/2022 - 08:39 AM

Arab American Target

 

 

 

بقلم: ألفة السلامي

 

فجأة املأت مواقع التواصل الاجتماعي بضجيج غريب بسبب ارتفاع سعر وجبة ماكدونالدز. قد يستغرب البعض من انشغال المصريين بمثل هذه القضية في وقت تعجُّ حياتهم بالمشكلات، لكن ربما يعود ذلك إلى أنَّ بعض الزبائن قد تعودوا عليها خلال العقدين الأخيرين، ومنذ ما كان يعرف بـ "منيو الفكة"، حيث كان "سندوتش الماك بـ 5 جنيه"، حتى أصبحت الوجبة مؤخراً تتعدى الـ 100 جنيه بعد زيادة سعرها بنحو40%، مع صغر حجم الشطائر لدرجة لا تناسب سعرها، إضافة إلى اختفاء اللعب المصاحبة "للوجبة السعيدة- هابي ميل" والتي عادة ما تكون محفزة للصغار للإقبال على تلك الوجبات.

الحقيقة أن القليلين في مصر مازالوا يحافظون على تناول الطعام داخل البيوت، وأقلية صغيرة منهم يستمرون في عاداتهم بتحضير "سندوتشات" الصباح بأنواع الجبن المحلية المختلفة لتناولها في أماكن عملهم أو مدارسهم كما كان أهلهم يفعلون دائماً. لكنْ مع زيادة نزعة الاستهلاك منذ أواخر التسعينات أصبح هذا السلوك استثناء، ووصل الأمر إلى أنَّ ارتياد سلسلة المطاعم السريعة المعروفة أصبح مظهرا من مظاهر الثروة والانتماء للطبقة الغنية أو التشبّهِ بها ومصدرا أيضا للتفاخر والتباهي.

وقد لا يعرف اللاهثون وراء وجبات ماكدونالدز والمتذمرون من ارتفاع أسعارها مؤخراً حقيقة أن هذه الوجبات مرتبطة بالفئات محدودة الدخل في الولايات الأمريكية وأنَّ جموع الأمريكيين الذين لديهم وعي بالأغذية الصحية لا يتناولون تلك الوجبات السريعة، بل كثيراً ما يُوجهُ إليها النقد من الأطباء والأمهات نظراً للخطر الذي تشكله على صحة الأطفال والكبار. كما أن من يتناولها محط سخرية دائمة في وسائل الإعلام.

لكن وبالرغم من ذلك وبسبب ضيق الوقت وقلة المال وضعف مهارات الطبخ وقلة الوعي، مازال 50 مليون أميركي يعتمدون على الوجبات السريعة غير الصحية والتي تحتوي على عدد كبير من السعرات الحرارية، مما يؤدي إلى مستويات وبائية من السمنة وأمراض القلب والسكري من النوع الثاني والتهاب المفاصل ومشاكل في الجهاز التنفسي وتليف الكبد والسكتة الدماغية، وغير ذلك من الأمراض.

نفس تلك الأمراض أصبحت تصيب أطفالنا دون وقفة حقيقية عند تلك الأنظمتة الغذائية الخطيرة، ولا أعتقد أنها ستتوقف قريباً لانعدام الوعي داخل الأسر وقلة برامج التوعية في المدارس والإعلام. كما لا أظنُّ أن غلاء أسعار تلك الوجبات بعد الأزمة العالمية الأخيرة سيدفع العائلات للعودة إلى الأكل في المنزل رغم كونه الأفضل والأكثر صحة مع التنوّع في الأطباق المصرية الشهيرة من ملوخية وكشري وفول وطعمية وعدس، وصينية البطاطس التي لا يعلى عليها والمسقعة التي تأكل صوابعك وراءها!

ولكنْ هذا الكلام أصبح "كريها ومنفّراً" لغالبية الأجيال الشابة، رغم كونه في صميم الأمن القومي لأن صحة الناس هي مفقتاح أمنهم، ويحتاج التصحيحُ في التربية الغذائية إلى عملٍ جادٍّ لا يعتمدُ على الفرد فقط وإنما جماعات وحملات منظمّة تستهدف الأطفال منذ الصغر وعائلاتهم لتغيير سلوكياتهم جنباً إلى جنب مع دعم رسميّ يستهدف تشجيع المشروعات القائمة على تقديم الطعام المحليّ والدعاية المستنيرة لقيمته والترغيب فيه. ولعلَّ التقدم المحقق في مصر بمجال الزراعة والتوابل الطبيعية المتنوعة وعلوم التغذية يسمح لها بإنتاج غذاء وفير وصحي وآمن وشهي جداً للجميع.

ولاشك أنَّ هناك "عبثاً" مقصوداً في العالم لاعلاقة له بالإمكانات الإنتاجية للشعوب، بل بسبب النظام الرأسمالي العالمي الذي خلق سلوكاً استهلاكياً نمطياً يدفع أموالاً بالمليارات للدعاية له من أجل تعميمه وجعل الزبائن عبر العالم مرتبطين ارتباطاً شرطياً به، على الرغم من ضرره وتسببه في أمراض مدمرة للإنسانية. ولا غرابة أنَّ حملات التوعية بالأغذية الصحية السليمة كحق من حقوق الإنسان بدأت مبكِّراً في دول أوروبا وآسيا بينما غابت عن العديد من الدول النامية ومنها مصر، وهي مازالت بطيئة في الولايات المتحدة الأمريكية نفسها.

ومن الملاحظ أن السنوات الأخيرة شهدت بعض الدعاوى القضائية المقامة في عدة ولايات أمريكية ضد شركات عالمية لتصنيع الأطعمة السريعة ذات المواد المضافة وأنواع الحلوى ذات النكهات، تتهمها بأنها غيرصالحة للاستخدام الآدمي. ومن المكونات والمواد المضافة مادة ثاني أكسيد التيتانيوم، وهي مادة كيميائية تستخدم للمساعدة في الحفاظ على الألوان في الأغذية، وهي بالمناسبة مواد محظورة كمضافات غذائية في العديد من البلدان مثل الاتحاد الأوروبي الذي يتمتع بحماية المستهلك أفضل بكثير من الولايات المتحدة.

وهناك العديد من الأفلام الوثائقية مثل "سوبر سايز مي" جعلت المستهلكين يعيدون النظر في إقبالهم على قطع دجاج ماكدونالدز، إلى جانب صناعة الوجبات السريعة بأكملها. والأمر لا يتوقف عند ثاني اكسيد التيتانيوم بل هناك مادة الفثالات، وهي مجموعة من المواد الكيميائية المستخدمة بكثرة في صناعة المواد البلاستيكية، مثل تغليف المواد الغذائية ومعدات تجهيز الأغذية، وهي معروفة بأنها تعطل نظام الغدد الصماء وتتسبب باستمرار بمشكلات الصحة الإنجابية والنموّ. وقد اكتشف باحثون من جامعة جورج واشنطن وجود هذه المواد الضارة بالصحة في أصناف الوجبات السريعة الشهيرة.

يمكن للإنسانية بكل شعوبها أن تنتج مجموعة متنوعة وهائلة من الأطعمة المرتبطة بثقافاتها وزراعاتها ومواردها، سواء من أجل ضمان الأمن الغذائي ضد الآفات والأمراض وتغير المناخ من خلال التنوع الزراعي، أو للحفاظ على وجبات طعام جيدة وصحية أو لدعم وتطوير صناعة محلية وقوى عاملة وفرص عمل حقيقية وليست مجرد شركات "أوف شور" تذهب أرباحها السنوية للسلاسل العالمية. ولعلَّ البنية التحتية الموجودة في مصر حاليّاً تمكِّنُ من التوسّعِ في تطوير شبكة واسعة من المطاعم التي تقدم وجبات غذائية لذيذة وجيدة وبأسعار معقولة وذات طابع عالمي.. لم لا؟!

ويمكن من خلال البرامج الهادفة في الإعلام أن يتحول الطهي والأكل في المنزل أيضاً إلى نشاط اجتماعي للمتعة، وليس عملاً شاقاً إجبارياً محصوراً في فئة محددة كما هوالحال الآن بالنسبة للعديد من الناس. وباختصار، فإنه بالإمكان إحداث تغيير في الطريقة التي يأكل بها العديد من الناس الآن بعيدا عن الوجبات السريعة "إياها" ولكن ما لا يتوفر بالقدر الكافي هو الوعي الاجتماعي والسياسات العامة المستنيرة التي تتبنى فكراً ومقاربة لإنتاج وصناعة الأغذية المحلية وإعداد الأطباق المحلية وتوزيعها واستهلاكها وجعلها جزءً من النظام الغذائي للبلاد مثله مثل عناصر الأمن القومي الأخرى وأيضا جزءً من البرنامج السياحي للسائح مع إقامة مهرجانات واحتفالات محلية وعالمية لهذا الغرض.

 

 

 

 

Share

Comments

There are no comments for this article yet. Be the first to comment now!

Add your comment