ملامح تشكيل نظام عالمي متناغم للسعودية دور فيه

08/01/2022 - 01:11 AM

A

 

 

د. عبد الحفيظ عبد الرحيم محبوب

 

حدثان ربط المنطقة بالغرب الأول عام 1973 عندما رفض العرب دعم الغرب الكلي لإسرائيل التي احتلت فلسطين بدعم بريطاني وفق وعد بلفور 1917 تولته الولايات المتحدة، فكانت لدى العرب جرأة في قطع النفط بقيادة السعودية في عهد الملك فيصل حتى يتوقف الغرب عن دعم مفتوح لإسرائيل ضد العرب، والحدث الاخر نعاون دول الخليج مع الغرب في إخراج صدام حسين من الكويت، أفرز جماعات متشددة مناهضة لهذا التعاون.

أيضا هناك حدثان مقابل الحدثان السابقين هما ثورات الربيع العربي وما نتج عنها من انهيار دول عربية، واصبح على عاتق السعودية وهي الوحيدة التي نجحت في مواجهة هذا الحدث، فحمت البحرين ومصر ثم بقية الدول العربية وبشكل خاص حماية أمنها في اليمن، لكن الحرب الروسية في أوكرانيا كشفت عن أهمية المنطقة في الطاقة وبشكل خاص السعودية التي تقود أوبك بلس مع روسيا، نتج عنها صحوة إدارة بايدن من غفوتها خصوصا بعدما رفضت السعودية كل المحاولات في ضخ مزيد من النفط بعيدا عن أوبك بلس من أجل خفض التضخم الذي وصل في الولايات المتحدة 9.6 في المائة لأول مرة منذ خمسة عقود.

 وكما اجتمع الغرب في إخراج صدام حسين من الكويت، ستراهن السعودية هذه المرة بإخراج إيران من المنطقة ولكن  الأدوات ستكون متعددة ومختلفة عن إخراج صدام حسين بالقوات المشتركة، ولا تود السعودية أن تضيع فرصا كما كانت هناك فرص أضاعها العرب في مؤتمر مدريد للسلام بين العرب والإسرائيليين عام 1991.

حتى أن البعض يرى أن اجتماع بوتين بالرئيس التركي أردوغان والرئيس الإيراني إبراهيم رئيسي في طهران الذي عده كثير من المحللين أنه اجتماع مقابل لاجتماع قمم جدة مع الرئيس بايدن، يبرهنون على أن الرئيس بايدن في مؤتمر صحفي صرح في مؤتمر صحفي أن هذه الزيارة لم تترك فراغا للصين وروسيا تملأها، كما ينظرون إلى أن توريط أمريكا روسيا في أوكرانيا ووضع العقوبات التاريخية على روسيا أنها عدوة لروسيا، لكن أمريكا عارضت أوكرانيا في مدها وإرسال أسلحة هجومية لها، بل رفضت أمريكا وضع روسيا على قائمة الإرهاب.

هناك توافق أمريكي روسي في كثير من الملفات في سوريا وفي إيران، لذلك بعد نهاية قمة طهران اتصل الرئيس بوتين بالأمير محمد بن سلمان يخبره بنتائج القمة وتحدثا عن مستقبل الطاقة وعن اليمن، ما يعني أن بوتين ورقة ضغط سعودية على إيران، فلروسيا وتركيا مصالح مع السعودية وحتى إيران أصبحت مدركة لتلك التغيرات، وأن السعودية أصبحت قوة ضاربة، ليس بقوتها العسكرية، بل بقوة الأوراق التي تملكها، وكما اتجهت السعودية نحو تنويع اقتصادها، كذلك نجحت في على المستويين الدبلوماسي والنفطي في تنويع وتوسيع علاقاتها الجيوسياسية مع الدول الكبرى مثل روسيا والصين، وهي حريصة على استعادة علاقتها مع أمريكا وأوروبا وفق منظور جديد غير السابق، أي ضمن تنويع شراكاتها.

 يتضح هذا من خلال رد السعودية على أمريكا التي تطرقت إلى ملف حقوق الإنسان أثناء الزيارة من أن لها إرث تاريخي، وهي قائد إسلامي انطلق نور الحق من مكة إلى أنحاء المعمورة، ولا يمكن التنازل عن هذا الإرث، ولكنها لا تفرضه على أحد، وهذا الرد لم يكن كما كان في السابق، ولكنه أتى الرد هذه المرة ضمن سياق الندية.

رغم أن بايدن يستخدم ورقة حقوق الإنسان من أجل أن يفي بوعوده الانتخابية كمعاقبة السعودية والضغط على مصر والإمارات والبحرين وذلك تحت شعار حماية حقوق الإنسان، لكن في المقابل لا تثير الصحافة إثارة ملفات حقوق الإنسان في إيران والدول التي تسيطر عليها، ولا يود البيت الأبيض إضعاف معسكر الحزب الديموقراطي في انتخابات الكونغرس الاتية.

قبل زيارة بايدن للسعودية بذلت طهران جهودا في نسف هذا التقارب بشتى الوسائل، لأنها تعتبر هذا التقارب حتى ولو كان بطيئا فهو يشكل تحديا لهيمنة إيران على المنطقة الذي بذلت في سبيل هذا النفوذ الغالي والنفيس على حساب اقتصاد إيران نفسها التي أصبحت اليوم ربع الناتج السعودي ونصف الناتج الإماراتي.

 أصبحت الولايات المتحدة تنظر إلى أن هناك تحالف عربي قوي تشكل بين السعودية ومصر والإمارات، ما يجعلها تفتح الأبواب مع هذه المجموعة لأسباب دولية واقتصادية الذي يتطلب تحجيم النفوذ الإيراني في المنطقة تلقائيا، وهو مؤكد خسارة إيران لميزاتها الاستراتيجية، وبشكل خاص على الساحل الغربي للخليج من أجل تحقيق طموحات توسعية، خصوصا بعد مد المظلة الاستراتيجية الإسرائيلية إلى منطقة الخليج في الإمارات والبحرين لاستمالة المصالح الأمريكية، وهي استراتيجية لعبتها العقلية الدبلوماسية السعودية الخليجية لإضعاف اتفاق اللوبي النووي الإيراني، بل حتى زيارة سمو ولي العهد الأمير محمد بن سلمان لليونان وفرنسا وتعهد السعودية بإيصال الكهرباء عبر الطاقة المتجددة والهيدروجين الأزرق يجعل فرنسا القلقة والتي تضغط على أمريكا من أجل تحقيق الاتفاق النووي للوصول إلى الغاز الإيراني بعد رفع العقوبات، أي محاصرة إيران من جميع الاتجاهات.

ما يعني التقارب السعودي الأمريكي والانفتاح السعودي على أوربا يجعل إيران تخسر ورقة هامة في اللعبة الإقليمية، ليس هذا فحسب بل زيارة الرئيس السيسي إلى ألمانيا قبل زيارة ولي العهد الأمير محمد بن سلمان إلى اليونان وفرنسا زار ألمانيا لتطمينها بتوريد الغاز المسال الذي سيتضاعف خلال السنوات القادمة وهو ما تحقق مصر أيضا الاستقرار في ليبيا خصوصا وأن مصر أصبحت مقر منتدى غاز شرق المتوسط الذي يضم مصر وإسرائيل واليونان وقبرص ولبنان وسوريا والأردن وتود أمريكا وفرنسا وتركيا الانضمام إلى هذا المنتدى.

 أي أن العرب اصبحوا البديل للغاز الروسي والإيراني المتوقع أو الذي من أجله تحاول أوروبا الضغط على أمريكا للتوصل إلى اتفاق، التي تود أوروبا الانفكاك من احتكار روسيا بتصدير الغاز إليها حتى ولو كان رخيصا بل رفض الاتحاد الأوربي استيراد الغاز من أذربيجان التي تقمع الأرمن.

فالسعودية لا تضع بيضها في سلة واحدة خصوصا في التعامل مع الملف الإيراني، فهي تتبع كافة المحاولات لتفكيك النفوذ الإيراني عبر الولايات المتحدة وروسيا وبالتفاوض المباشر مع إيران الذي تحول التفاوض من التفاوض بين أجهزة الاستخبارات إلى مفاوضات سياسية بين وزراء الخارجية، ما يعني أن هناك حاجة إيرانية للوصول إلى تفاهمات مع السعودية خصوصا وأنها تدرك أن السعودية بدأت تمتلك أسلحة ردعية تتفوق عليها وتمتلك أوراق كثيرة لمحاصرة إيران، فوجدت أنه من الأجدى لها التفاهم مع السعودية في العراق وفي اليمن وفي لبنان.

اتجهت إيران إلى إبلاغ بوريل ترحيبها بمواصلة الدبلوماسية، ما جعل واشنطن تدرس تعديلات مسودة فيينا، بعدما صرح بوريل من أن حلول الوسط قد استنفدت ولا بديل في متناول اليد، بل إن نائب ديمقراطي يشكك في أي اتفاق مع طهران يمكن التحقق من تنفيذه، فروسيا على لسان بوتين يطالب بنظام عالمي متناغم وأكثر انصافا وبتوجه اجتماعي وآمن بديلا عن النظام الحالي.

                                   [email protected]

 

 

 

Share

Comments

There are no comments for this article yet. Be the first to comment now!

Add your comment