السعودية وأمريكا نحو شراكة منضبطة

07/20/2022 - 12:08 PM

Prestige Jewelry

 

 

 د. عبد الحفيظ عبد الرحيم محبوب

 

يبدو أن أمريكا في حالة من الاضطراب والتوحش بسبب أنها غير قادرة على مواجهة الصين وروسيا، واتبعت في الفترة الماضية استراتيجية إشعال فوضى عالمية ظنا منها أنها تعيق النفوذين الصيني والروسي، لكن كان ضربا من الخيال خصوصا بعدما ضرب التضخم أمريكا وأوروبا وهو الأعلى منذ أربعة عقود وصل قريب من 10 في المائة، وأدركت بعد الحرب الروسية في أوكرانيا التي اعتقدت أنها تستنزف الاقتصاد الروسي، ووضعت عليه عقوبات مشتركة بينها وبين الاتحاد الأوربي.

 لكن استخدمت روسيا ورقة الغذاء وهناك أكثر من 20 طن من الحبوب في البحر الأسود تنتظر الموافقة الروسية للإفراج عنها، كذلك وبسبب وقف أمريكا وحتى أوربا استيراد النفط من روسيا والغاز جزئيا ظنا منها أن السعودية تستطيع نقض اتفاق أوبك بلس وزيادة الإنتاج النفطي للمساهمة في تقليص التضخم في الدول الغربية لكنها فشلت رغم سفر رؤساء أوربيين ومستشارين من أمريكا إلى السعودية لكن كان موقف السعودية أن أي زيادة يجب أن تكون عبر أوبك بلس.

 وزادت السعودية الإنتاج عبر أوبك بلس بنحو 250 ألف برميل فقط، مما فرض على بايدن أن يقوم بزيارة السعودية لتقليص هذه الفجوة خصوصا بعدما انسحبت أمريكا من الشرق الأوسط في زمن أوباما نحو آسيا لمواجهة الصين، وهي ما تسمى بعقيدة أوباما باعتبار أن أمريكا انتجت النفط والغاز الصخريين، واعتقدت أنها حققت امن الطاقة الأمريكي، لكن بعد التزام بايدن بقمة مناخ باريس 2015 جعله يرفض المزيد من إنتاج النفط الصخري الذي يتعارض مع مبادئ قمة مناخ باريس، كما أن احتياطيات أمريكا ضئيلة جدا لا تتجاوز نحو 38 مليار برميل، خصوصا مع ضآلة إنتاج الطاقة النظيفة والتي تحتاج إلى استثمارات ضخمة، وأصبحت احتياطيات العالم خارج أوبك بلس تنخفض، مقابل ارتفاع احتياطيات الشرق الأوسط من 61 في المائة عام 2007 إلى أكثر من 65 في المائة.

كتب بايدن مقالة في الواشنطن بوست قبل زيارته للسعودية أوضح فيه أن أمريكا تتصدى للنفوذين الصيني والروسي عبر مزيد من استقرار الشرق الأوسط مع ضرورة استقرار أسعار النفط، باعتبار أن السعودية عندما طلبت أمريكا زيادة إنتاج النفط من أجل مواجهة التضخم ولكن السعودية ذكرت أمريكا أن منطقة الشرق الأوسط غير مستقر بسبب أن أمريكا رفعت الحوثيين من قائمة الإرهاب وتتعرض منتجات أرامكو لضربات الحوثي، والذي أتى بعدما سحبت الولايات المتحدة بطاريات باتريوت، ما جعل السعودية تسعى نحو بدائل للحفاظ على أمنها ريثما تعتمد على نفسها في تصنيع منظومات الدفاع الجوي والذي يحتاج إلى وقت.

لا شك ان زيارة بايدن أتت بعدما أصبحت السعودية شابة أجبرتها مواقف بايدن على التغير نتيجة أنه أراد عزلها، ففي قمم جدة عندما تحدث بايدن عن الدور الأمريكي في المنطقة، وأنها لن تترك فراغا تملؤه الصين أو روسيا أو إيران، لكن السعودية باعتبار موقعها الجيوستراتيجي المتوسط بين الشرق والغرب، فهي توازن بين شراكاتها بحسب مصالحها، ولن تتحالف مع طرف ضد الآخر.

 وبالنسبة لإيران رفضت السعودية رغم انتشار المليشيات في المنطقة وتهدديها لها، لكنها ترى انه لولا الاتفاق النووي في عهد أوباما عام 2015 الذي اعتبرت إيران أن الاتفاق النووي مقابل ترك يدها في توسيع نفوذها الإقليمي، خصوصا بعد الإفراج عن 120 مليار دولار، أدى إلى توتر العلاقة زمن أوباما بين السعودية وأمريكا، وهو ما جعل ترمب يعالج هذا التوتر بانسحابه من الاتفاق عام 2018.

 رغم النفوذ الإيراني رفضت السعودية وبقية دول الخليج أن تشترك مع إسرائيل في ناتو مشترك ضد إيران، بل إن دولة الإمارات التي طبعت مع إسرائيل أرسلت سفيرها لإيران ردا على أمريكا وإسرائيل في تعبير أن العرب قادرون على إدارة أمنهم، وأرسل ولي العهد الأمير محمد بن سلمان رسالة لإيران بأن تنضم إلى الشرق الأوسط الأوربي لأن رؤية المملكة 2030 هي رؤية ليست فقط سعودية بل هي رؤية شرق أوسطية وتغلب الاستقرار والنمو على النزاعات والحروب.

قبل زيارة بايدن للسعودية هناك تغيرات حدثت على مستوى العلاقات الدولية والاقتصادية، وتوسيع شبكة المصالح المتبادلة، ولن تستطيع زيارة بايدن التأثير على هذا التغير، رغم حاجة السعودية للشراكة مع الولايات المتحدة، وتعتبرها استراتيجية، لكنها تراها شراكة متبادلة، ولن تكون على حساب الآخرين، ولن تقلص من الاتفاق الاستراتيجي بين السعودية والصين الذي وقعته في عام 2016 حيث وصل حجم التبادل التجاري بين البلدين في 2020 نحو 65 مليار دولار مقارنة بنحو 20 مليار دولار مع الولايات المتحدة.

 كذلك الميزان التجاري بين الولايات المتحدة والصين أتى لصالح الصين، حيث ارتفع التبادل التجاري ما بين يناير وأبريل 2022 بنحو14.9 في المائة ليصل 184.92 مليار دولار، فيما الصادرات الأمريكية إلى الصين بنحو 60.81 مليار دولار، أي بلغ الفائض التجاري في الأشهر الأربعة الأولى بنحو 124.11 مليار دولار، وفي عام 2020 بلغ حجم التجاري بين الولايات المتحدة والصين نحو 586.72 مليار دولار نما بنسبة 28.7 في المائة عام 2021 إلى 755.64 مليار دولار.

فالعلاقات بين السعودية والصين تمتد من التعاون التكنولوجي من الجيل الخامس هواوي إلى صناعة الصواريخ البالستية التي كشفتها الأقمار الصناعية الأميركية، ومن هناك ركزت إدارة بايدن في زيارته على اتفاقيات مستقبلية تكنولوجية وتقديم جيلين من تقنية الاتصالات الجيل الخامس والسادس، لكن السعودية لن تتخلى عن هواوي، بل تعتبر ما يحدث يدور ضمن تنويع شراكاتها بمنطق تكاملي، ولن تغامر اقتصاديا بالتخلي عن علاقة استراتيجية أقامتها مع الصين، ولن تلغي أي علاقة مع أحد الطرفين، ولن تقبل أن تكون ساحة صراع بين أمريكا والصين.

 بل إن السعودية ستكون حريصة على الشراكة مع الجميع، خصوصا وأن الصين وروسيا ستكونان قادرتان على إقناع إيران بالاندماج في الشرق الأوسط الأوربي، وفي نفس الوقت تضغط السعودية على الولايات المتحدة في وقف التلاعب بالمنطقة، واستبدال التلاعب بتوطين الاستقرار والسلام في المنطقة، لأن الصين وروسيا قوتان يمتد نفوذهما رغم الصراع في المنطقة، ولن تتضرر سوى المصالح الأمريكية في المنطقة.

وقد سبق لأمريكا أن كان لها دور في دعم النمو الصيني الذي ساهم في رفاهية المجتمعات الغربية، وساهمت الصين في خفض نسب الفقر في الصين، ونقلت مئات ملايين الصينيين من الفقر إلى الطبقة الوسطى، ولم يكن نتيجة نظام ديمقراطي طبقته، بل نتيجة نظام اقتصادي ناجح، بل تعثرت النظم الديمقراطية المصدرة للعراق وأفغانستان.

 فلا تبدو المعركة محسومة لصالح النظام الديمقراطي الغربي، بل هو أحد نظم الحكم في العالم، لا يمكن فرضه على أحد في العالم، ووفق استطلاع أجرته شبكة الباروميتر العربي في جامعة برينستون الأميركية أن مواطنين عرب في تسع دول عربية في الشرق الأوسط وشمال أفريقيا بعد عقد من موجة الثورات في 2011 ان 60 في المائة من المواطنين في هذه الدول التسع لا يعترضون على شكل الحكم ما دامت السياسات تتسم بالفاعلية الاقتصادية، لأن الشعوب أصبحت واعية، وأصبحت تؤمن بالوقع وليس بالشعارات التي تتردد لدى كثير من المثقفين والداعين إلى تطبيق الديمقراطية الغربية والتي لا يزال تأثيرها نراها اليوم في تونس والسودان لتهميش الجيش.

 نعود إلى الحكم الرشيد الذي أشاد به فوكو ياما عندما أدرك ان الديمقراطية الغربية غير قابلة للتطبيق في الدول العربية، بعد كتابته كتاب نهاية التاريخ بعد انهيار الاتحاد السوفيتي عام 1990 وتراجع عنه إلى كتابة كتاب آخر تحت اسم نهاية نهاية التاريخ، واقتنع بتعددية النظم في العالم، وأنه لا يوجد نظام آحادي يفرض نفسه على بقية النظم الأخرى وسيكون قابل للفشل.

يبدو أن السعودية أقنعت بايدن عند زيارته أنه لم يعد النموذج الليبرالي الملهم الذي تصر عليه الولايات المتحدة في تقديمه للعالم، لأن العالم تجاوز مثل تلك النماذج، واصبح عالما واعيا، خصوصا عندما كانت السعودية صريحة مع بايدن في أن الدول لم تعد تقبل فرض أمريكا نموذجها على أحد، خصوصا وأن السعودية تعد مركز الإسلام والوسطية والاعتدال، وحاربت الإرهاب والتطرف الذي لا ينتمي لأي دين، وتعتز بقيمها الإسلامية، ولن تقبل استيراد أو فرض قيم تتنافى مع قيمها الإسلامية من اتفاقية سيداو وغيرها من حقوق الدفاع عن زواج المثليين، وغايتها هدم الأسرة التي هي نواة المجتمعات، وبهدمها هدم المجتمعات التي تتنافى مع الفطرة الإنسانية.

 

 [email protected]

 

Share

Comments

There are no comments for this article yet. Be the first to comment now!

Add your comment