المحامي فؤاد الأسمر
في الأعوام ١٩٨٩ و١٩٩٠ استغل النظام السوري حالة العماد ميشال عون وحروبه وصداماته مع غالبية القوى المسيحية والوطنية، وحالة الدمار الشامل التي شهدها لبنان آنذاك على جميع المستويات اضافة الى واقع المناطق الشرقية المزري والمذلّ.
وفي لحظة تقارب تاريخي عربي-اسرائيلي يؤسس لحل سلمي للقضية الفلسطينية، تمت تسوية بين المجتمعين الدولي والعربي أدت الى انهاء الحرب في لبنان وازالة حالة العماد عون، وجرى تشريع الاحتلال السوري للبنان، كضامن للسلم الأهلي من جهة، وكجائزة ترضية له للدخول بمؤتمر السلام الدولي المقرر بين العرب واسرائيل، من جهة ثانية.
اليوم يعيد التاريخ ذاته.
الحزب الالهي يستغل حالة الانهيار التام للدولة ومؤسساتها، وصولاً الى استغلاله فراغ المؤسسات الدستورية في لبنان، علاوة على الأزمات الجهنمية التي تعصف باللبنانيين على مختلف الصعد، وذلك بانتظار لحظة تقارب تاريخية بين الغرب والعرب مع ايران، لتقطف ايران وتحقق بنتيجتها مكاسب لها على الأرض اللبنانية.
من الواضح أن الوزير باسيل يعتبر أن تحالفه مع الحزب سيضمن له مكاسب سلطوية مميزة عند تحقق التسوية المنتظرة، وهو يغفل بأن الحزب الالهي هو مجرد مجموعة عسكرية مرتهنة تماماً لمرجعيتها السياسية الدينية الفارسية ولوليّها الفقيه، وأن هذا الحزب لا يملك بذاته القرار وليس بإمكانه أن يلتزم بوعود فردية، وان أي تقارب غربي وعربي مع ايران ستكون أولى ضحاياه التيار البرتقالي وزعيمه المرفوض داخلياً، والمستبعد سورياً، والمنبوذ عربياً، والمعاقب أميركياً ودولياً، وأن الحزب وايران لن يتخليّا عن مصالحهما من أجل "حليف عبء" لا يقدم لهما شيئاً، لا بل يضرّ بهما ويعوّق مكاسبهما.
ان الحكمة توجب على التيار البرتقالي وزعيمه الاقتداء بفكر ومسار الرئيس كميل نمر شمعون وواقعيته السياسية الذي حضن خصمه بشير الجميل (نظرية المهم والأهم) وسامح آثامه بحق حزب الاحرار وانتخبه في العام ١٩٨٢ رئيساً للجمهورية (الأنا الجماعة) وعمل على توحيد الصف المسيحي وسعى الى المصالحة مع مكونات المجتمع اللبناني كافة (التكامل) لمواجهة التحديات المحدقة، وحرص على تغليب مصالح لبنان واللبنانيين على المصالح الفردية (التجرد)، فاستحق عن جدارة مكانته الاستثنائية على صدر التاريخ اللبناني.
من الضروري أن يعي التيار البرتقالي هذه الأمور جيداً ويتعظ من مدرسة عظيم الشرق، فيخرج من تبعيته المطلقة للحزب، ويتخلى عن أحلامه المستحيلة، وينقذ نفسه وحزبه وناسه ولبنان من الفناء في المحور الايراني، وذلك من خلال مصالحة مسيحية شاملة ولمّ الشمل وانتخاب رئيس جمهورية بالاتفاق مع جميع الفرقاء المسيحيين، وإطلاق حوار وطني جامع مع مختلف أطياف المجتمع اللبناني، واعادة بناء المؤسسات القانونية والدستورية وتفعيلها، وتبنّي الحياد الايجابي والانفتاح على الخارج واعادة لبنان الى حضن الشرعية العربية والدولية، تمهيداً لعودة الثقة والاستثمارات الى لبنان، وصون الكرامة والأمان لشعبه، "فينبذ" بذلك باسيل "القليل البخس" من أجل "الكثير الثمين" ويرتقي الى مستوى رجل دولة يدخل التاريخ من بابه العريض.
فهل سنرى الوزير باسيل يتعملق ويقلب الطاولة ويقتدي بحكمة ومسار العملاق، أم أن مغريات السلطة تُعمي البصائر وتُسكِت الضمائر؟












07/17/2022 - 10:31 AM





Comments