بقلم: ألفة السلامي
بعد إنجاز أنس جابر في ويمبلدون، سيفتح التنس صفحة جديدة مضيئة في العالم العربي ولن يبقى كما كان عليه من قبل. سينضم المزيد من الفتيات والفتيان لهذه الرياضة التي تتّسع شعبيتها في الوطن العربي بفضل لاعبة مُتفرّدة، بذلت جهوداً جبارة، أكثر مما بذلته اتحادات اللّعبة التي عليها الآن الاستفادة من هذا الإنجاز. وسيكون من الحكمة أن تستغل الحكومات ووزارات الرياضة والقطاع الخاص هذه اللحظة لوضع الحوافز المناسبة في مكانها وجذب المزيد من الأطفال للعب التنس. عليهم أن يفكّروا مليّاً كيف أنّ الرياضة تستحقُّ استثمارات أكبر لكونها أحد الحلول المهمة لشباب يشعر بالضياع وقلة الفرص وقد يجرُّه ذلك إلى الانحراف بكل أنواعه بينما الرياضة تحميه وتصونه.
ولعلّ هذه الشعبية الهائلة التي تتمتّعُ بها أنس جابر الآن، إلى جانب مساهمتها في العمل التطوعي وجهود الإغاثة من وباء كورونا، تعني أنها تحولت إلى قدوة ملهمة للشباب التونسي والعربي الذين يبحثون عن نماذج عالمية حقيقية تنتشلهم من الإحباط وانسداد الأفق.
وعلى امتداد عدة أيّام احتفل التونسيون بعودة "وزيرة السعادة" -كما يطلقون عليها بسبب ابتسامتها الدائمة في الملعب- لقد منحتهم السعادة في أصعب أيامهم وهم يكافحون المشاكل الاقتصادية اليومية والانقسامات السياسية. إنها الرياضة تجمّعُ الشمل وتسعد القلوب المليئة بالهموم.
احتفل بها أهل بلدها عندما حلّت في مطار قرطاج أولاً، ثم أُقيم احتفال رسمي حيث استقبلها رئيس الدولة ومنحها أعلى وسام للرياضيين؛ كما استقبلتها رئيسة الوزراء؛ تلى ذلك احتفال شعبي في شارع الحبيب بورقيبة الشارع الأشهر في العاصمة التونسية. ويحقّ لأنس جابر أن تسعدَ بهذه الاحتفالات حيث يصدق عليها وصف "عصامية" في مسيرتها الرياضية لأن اعتمادها كان منصبا بالقدر الأكبر على نفسها ومدربها وأسرتها.
ورغم خسارتها في نهائي فردي السيدات في بطولة ويمبلدون أمام يلينا ريباكينا، إلا أنها صنعت تاريخاً غير مسبوق وكسبت ملايين المشجعين في العالم العربي بل وحول العالم، ليس فقط من خلال أدائها الجيد في جميع مبارياتها السبع، ولكن أيضًا بفضل رشاقتها وذكائها وسحر كلماتها. حتى عند خسارتها المباراة، قوبلت كلمات أنس الدافئة بهتافات عالية من الجمهور، حيث قالت: "أحاول إلهام أجيال عديدة في بلدي وآمل أن يسمعوني في هذه اللحظة".
وقد حضّرت لهذه اللحظة قبل سنوات عديدة رغم الصعوبات وقلة الدعم حيث ركّزت على التدريب الشاق والاعتماد على النفس والامكانيات الذاتية، واقتحمت بفضلها أفضل 100 تصنيف في عام 2016، وذلك قبل الشروع في منافسات احترافية حول تصنيف النخبة الأوائل في عالم التنس. في العام الماضي، أصبحت أول امرأة عربية وشمال أفريقية تدخل المراكز العشرة الأولى. وفازت هذا العام ببطولة مدريد المفتوحة، وهي من فئة البطولات التي تأتي في المرتبة الثانية بعد البطولات الأربع الكبرى في التنس. ولم يحقق أي لاعب أفريقي هذا الإنجاز من قبل.
والأهم أن هناك آلاف العشاق الجدد للتنس من الأطفال والشباب يصممون الآن على خوض التحدي الرياضي ونصب أعينهم الملهمة الأولى أنس جابر التي أصبحت مسيرتها المهنية لها تأثير إيجابي على الرياضة في الشرق الأوسط وأفريقيا. وهذا أكثر ما يستحق الاحتفال. لقدأعطت منطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا من قبل عددًا قليلاً جدًا من لاعبي التنس من مستوى النخبة مثلها، وربما حمّلها هذا عبءً أكبر في بداياتها. وما كان عبءَ عليها في السنوات الأولى هو اليوم امتياز واستحقاق عن جدارة.
أحياناً لا يتعلق الأمر بالفوز بالبطولات فقط بل أكبر من ذلك. هذا ما شعرت به عند متابعة أنس جابر في مبارياتها وكذلك خلال المواكب الاحتفالية بين أهل بلدها. إنها شخصية رائعة جبّارة أنيقة واعية تجذب احترام العالم وهو ما يجعلها قادرة على صنع المزيد من التاريخ المشرِّف لأي رياضيّة، بل وللمرأة التونسية والعربية والأفريقية ككلّ. وهي استطاعت وتستطيع المزيد مجددا؛ لكن هل يستطيع مسؤولو الرياضة أن يستثمروا نجاحها من أجل مستقبل أفضل للشباب؟!
وبعد كل هذه القيمة التي أضافتها أنس جابر لرياضتنا وحياتنا وقاماتنا نجد من ينغّصُ علينا فرحتنا ويقول أن جسدها عورة!! .. وهو وغيره لا يستحقُّون إلا ردّاً واحداً: أنتم "عالة" على هذا العالم يا أيّها الزائدون عن حاجة هذا الكوكب.. إنها من تصنع الحياة وأنتم من تقتلون الحياة.
أفلا تخرسون!












07/16/2022 - 08:43 AM





Comments