الفة رشيد السلامي
نجح المصريّون من خلال حملات على مواقع التواصل الاجتماعي في جمع تبرّعات للطفلة رُقيّة بقيمة تتجاوز مليوني دولار (حوالي 40 مليون جنيه مصري)، وهو ثمن الحقنة التي تحتاجها الرضيعة لعلاج مرض ضمور العضلات الشوكي. الطفلة رقية خطفت قلبي وقلوب المصريين في الساعات الماضية، وكان جمعُ هذا المبلغ يبدو أمرا صعباً بل مستحيلاً بأي وسيلة، ولكن ظهر معدن المصريين الأصيل واتحدوا يدا واحدة وتجاوزوا المستحيلَ وجمعوا القيمة المطلوبة وأكثر منها. كما سارعت وزيرة التضامن لإنهاء الإجراءات وفتح حسابات لتلقّي التبرّعات. والآن، رقيّة في انتظار أن تصل الحقنة من الولايات المتحدة الأمريكية.
وكانت الطفلة رقية محمد رضا سليمان، التي لم تبلغ بعدُ عامها الثاني، قد شغلت الرأي العام المصري، طيلة الأيام الماضية بعد إصابتها بمرض ضمور العضلات؛ وتصدر هاشتاج "انقذوا رقيّة" منصات التواصل الاجتماعي، في إطار حملة جمع التبرعات لتكاليف علاجها من مرض ضمور العضلات الشوكي.
ولم تبالغْ جدّةُ رقية عندما قالت لإحدى وسائل الإعلام أن لحظة الإعلان عن تجاوز قيمة التبرعات المبلغ المطلوب هي "لحظة عيد" وانعكس ذلك في احتفالات العديد من المصريين على مواقع التواصل الاجتماعي؛ وهو أمرٌ أبعد من مرض الطفلة النادر وعلاجه المكلِّف؛ إنه ملحمة بطوليّة شارك فيها المصريون بكرم وشهامة، لإنقاذ الصغيرة وشراء الحقنة الأغلى في العالم لعلاجها.
إن تسابق مواطنين من خلفيات مختلفة للتبرع من أجل رقيّة أمرٌ يستحقُّ وقفةً لأنه يحملُ رسالة مؤثرة مفادها أنّ الضمير الجمعيّ لأي شعب أو مجموعة يستطيع إذا هبَّ أن يصنعَ المستحيلَ، خاصة أنَّ منهم رجالَ أعمال وفنانين ورياضيين وشخصيات عامة، كما أنّ منهم بسطاء للغاية، ربما يملكون بالكاد قوت يومهم. لكنْ اجتمعوا بلا سابق معرفة على رغبة صادقة لإنقاذ الطفلة الصغيرة يصارعون معها الزمن قبل أن تبلغ العامين من عمرها حيث أن مرض ضمور العضلات قد يؤدي إلى شلل تام حتى الموت إذا لم تأخذ الحقنة قبل هذا التاريخ. وقد تردد أن لاعب ليفربول المصري محمد صلاح تبرع بدوره بجزء من المال- لم يتم الكشف عنه- لإنقاذ الطفلة رقية.

“أنقذوا رقية”.. قصة هاشتاج تصدر مواقع التواصل الاجتماعي
ضمور العضلات الشوكي مرض وراثي يصيب الأعصاب التي تظهر من الحبل الشوكي. وعلاج هذا المرض جيني حيث تعمل حقنة "زولجانزما" على إنتاج نسخة من الجين الذي يوجد به خلل وتسبب في ضمور العضلات. هذه الحقنة يحصل عليها المريض في الوريد لمرة واحدة فقط وهي لا تشفي، ولكنها في حال حصول المريض عليها مبكرًا مع بداية ظهور الأعراض، وقبل حدوث تدهور في العضلات، تؤدي إلى توقف المرض. وليس للمرض علاقة بسنٍّ معينة ولكن بظهور الأعراض نتيجة وجود خلل جينيّ.
ووفقا لأبحاث علمية حول هذا المرض فإن نسبة وفاة المريض خلال عامين من ظهور الأعراض في المتوسط تكون 100% ولا تنجو أي حالة. لكن مع الحصول على الحقنة، قد يرتفع أمد الحياة بالنسبة للمريض. ويسهم العلاج بتجنّب حدوث مضاعفات مثل كسور العظام والالتهاب الرئوي والحاجة إلى جهاز تنفس اصطناعي.
ولا أدري لماذا لم يتمّ تفعيل المبادرة الرئاسية حتّى الآن حيث أعلن الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي مؤخراً أن الدولة ستتحمّل تكلفة علاج مرض الضمور العضلي للأطفال حديثي الولادة، والتي تبلغ 3 ملايين دولار لكل طفل. كما وقعت وزارة الصحة المصرية بروتوكول تعاون مع شركة "بيوجين" لتوفير العلاج لمصابي الضمور العضلي من الأطفال فوق سن العامين.
قد نطالعُ يوميّاً أخباراً قاتمة في سوادها، مثل جرائمَ قتلٍ بشعةٍ لم يعدْ أبطالُها متوقعين في عالم الجريمة وتسبِّبُ هلعاً بين النّاسِ تمنع نومهم الهانىء، لكنَّ قصة رقيّة وما استدعته من ضميرٍ مازال يقظاً لدى المصريين من شأنها أنْ تهدء روعَ الخائف والقانط والمكلوم.
ويبدو أن رقية لم تكن هي من يحتاج للمصريين لإنقاذها لكنّ المصريين همْ من كانوا يحتاجون رُقيّة ليشعروا أنهم مازالوا بخير ويثبتوا أنّ قلوبهم عامرة بالخير والمحبة والعطاء.












06/28/2022 - 23:53 PM





Comments