المحامي فؤاد الاسمر
لا أحد ممن يعرفون القاضية غادة عون قبل العام ٢٠١٧ إلا وينحني أمام علمها ونزاهتها وتواضعها وسيرتها القضائية المحترمة.
المؤسف أنه بعد توليها منصب النائب العام الاستئنافي في جبل لبنان أخذت تظهر عوارض خطيرة في مسيرتها المهنية، والأمثلة على ذلك كثيرة.
فبسحر ساحر ظهر مِلَفّ يدين الرئيس نجيب ميقاتي باستغلال النفوذ والاستيلاء على أموال المؤسسة العامة للإسكان. من الواضح أنه جرى استغلال هذا المِلَفّ سياسياً لتخيير الرئيس الميقاتي بين السجن أو السلطة مقابل شروط وتنازلات معينة يلتزم بها، وبعد اتمام الصفقة، اختفى بسحر ساحر هذا "الملف الشبح" وتولى نجيب ميقاتي رئاسة الوزراء.
وأيضاً على عتبة الانتخابات النيابية في العام ٢٠١٨، وخدمة انتخابية لتيار العهد والصهر، وعوضاً عن ملاحقة من سرق وزارة الطاقة وأفلس مؤسسة كهرباء لبنان، انقضّت الرئيسة عون على اصحاب المولدات الخاصة وزجت برؤوسهم في السجن، ووصل بها الأمر بأن أصدرت قرارات "مصادرة مولدات للمنفعة العامة" وهو اجراء مسخ غريب عن القانون وعن صلاحيات النيابات العامة، فاعتدت على الملكية الفردية وسببت أضراراً طائلة بأصحاب الحقوق دون أي تعويض.
وبعد انتهاء موجة الانتخابات النيابية، اهملت متابعة هذا الملف.
وأيضاً، وخدمة خاصة لرئيس التيار البرتقالي ونائبه، ارتكبت مخالفة قانونية جسيمة عبر التدخل بملف أحد الموقوفين بجرم الاتجار بالمخدرات الذي تم القبض عليه متلبساً، وقررت تركه متجاوزة بشكل فاضح القانون والاصول.
وأيضاً، وبالتزامن المريب مع الضغط الشعبي على رئيس الجمهورية لتوقيع مرسوم تعديل الحدود البحرية، عمدت الى مداهمة شركة مكتف، بمؤازرة مجموعات حزبية برتقالية وبمواكبة اعلامية طنانة، واصطدمت بالنائب العام التمييزي، رئيسها الاداري، وقد تدهور الوضع الى درك خطير، اهتزت معه هيبة القضاء، اذ تواجَهَ أمام قصر العدل في بيروت انصار الرئيسة عون "البرتقاليون" مع انصار الرئيس عويدات "الزرق".
كما واقحمت ألاعيب السياسة الرئيسة البريئة في تجاذبات ملف رياض سلامة. فبعد ان حضر الى مكتبها واستمعت اليه تركته حراً، بقرار سياسي، ومن ثم، وبقرار سياسي، عادت وأرسلت قوى أمنية لتوقيفه على طريقة "دونكيشوت" وتصوير حاكم أعلى مؤسسة مالية في الدولة اللبنانية على أنه فار من وجه عدالة هذه الدولة، وذلك ضمن مسلسل تدمير ممنهج لمختلف مؤسسات ومقومات الدولة.
ودون أن ننسى الرحلة الباريسية الملتبسة التي قامت بها الرئيسة عون واستغلتها الابواق البرتقالية للتهشيم بالقضاء، ليتبين انها احدى فبركات الامبريزاريو عمر حرفوش المرشح للانتخابات النيابية الى جانب وبدعم من تيار الصهر.
لن نستفيض أكثر بممارسات الرئيسة عون، انما من الواضح أن السلطة السياسية الخبيثة هي التي دفعت بها الى هذه الأخطاء، لا بل الخطايا المميتة، وان مثال الرئيسة غاده عون ينسحب على عدد من القضاة الذين تؤثر السياسة سلباً عليهم وعلى مسيرتهم المهنية ويصح بهم مقولة "طريق جهنم معبدة بالنوايا الحسنة".
والأكثر أسفاً أن السياسة عديمة الضمير اذ أنها لا تقيم وزناً للقيّم والأخلاق، ولا صديق ولا حليف ثابت في السياسة، بل ان جميعهم عرضة للبيع والشراء بحسب تبدل المصالح والتحالفات، ومن غير المستغرب أن تتم مقايضة الرئيسة البريئة في أي وقت كان مقابل مكاسب يجنيها الفريق المحسوبة عليه.
من الضروري والملّح أن ينهض القضاء وينتفض على واقعه المأزوم، وان يرتقي الى مستوى دوره الحقيقي والفعلي كسلطة دستورية مستقلة، فاعلة ومنيعة، مؤتمنة على الحق والعدل وعلى كرامة وحقوق الناس. بحيث يتوجب على القضاء قطع يد السياسة والسياسيين عن التدخل به وبأفراده وتشكيلاته ومواقعه وقراراته. آن الأوان أن يستعيد القضاء رسالته وسلطته وهيبته.
لا قيامة للبنان الا من خلال قيامة واستقلالية القضاء ومؤسسة العدل في لبنان. فهل سنشهد ثورة قضائية فعلية تعيد الهيبة للدولة شعباً وارضاً ومؤسسات وتحفظ كرامتها، أم على الدنيا السلام؟!












06/18/2022 - 10:14 AM





Comments