الحوار الوطني بين الجدية والتشكيك

06/12/2022 - 09:36 AM

Arab American Target

 

 

بقلم: ألفة السلامي

 

منذ دعوة الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي إلى حوار سياسي شامل والتكهّنات لا تتوقف حول أسباب هذه الدعوة وجدواها. وكصحفية مراقبة لرادار السياسة

الداخلية منذ عقود يمكنني الجزم بأن فكرة الحوار الوطني ليست جديدة على مصر، وارتبطت بشكل واضح في التاريخ المعاصر بفترات الأزمات التي تسعى الدولة خلالها للانفتاح على كل الاتجاهات فتكسر جمودا سياسيا وتحقّقُ انفراجة، بتشريك الأطراف الوطنية في المسؤولية بدلاً من جلوسهم في مقاعد المتفرجين، حتى لو لم يكن باختيارهم.

خلال الحِقْبَة الناصرية، أطلق عبد الناصر حواراً بعد فشل الوحدة مع سوريا عام 1961، من طريق "المؤتمر الوطني للقوى الشعبية". وتمت صياغة الميثاق الوطني على أساس هذه المناقشات وتم اعتماده كدليل للمشروع الاشتراكي. في عهد السادات، ظهرت فكرة "حوارات أكتوبر" مباشرة بعد حرب 1973،  حيث أراد السادات تغيير السياسات من الدفة الروسية إلى الدفة الأمريكية، ودشّن سياسة الانفتاح الاقتصادي.

في عهد مبارك كانت هناك عدة حوارات، بدأت بالمؤتمرات الاقتصادية في التسعينيات، وانتهت بالحوار السياسي في البرلمان عام 2005، بقيادة صفوت الشريف وكمال الشاذلي وفتحي سرور مع قادة آخرين للحزب الوطني. قيل آنذاك أن مبارك يحاول فتح باب الخلافة لابنه جمال. لذلك تبعث فكرة الحوار دائما برسائل جديدة؛ وهناك رغبة عامة هذه المرة بأن يكون الحوار الجديد له مقومات النجاح وأن يتم تنفيذ نتائجه.

ومشكلة الحوار أنه يولد مُحاطاً بأفكارٍ مسبقة ومحفوفا بالمخاطر لأن البعضُ يظنُّ خطأً أنه قد يسبّبُ أزمة تهدد السلطة أو تضعفها. في حين أن العقلاء يرون أن الحوار الوطني يؤكد صلابة النظام وإرادته في تصحيح نفسه. والتوقيت مناسب حاليا في ظل الوضع المأزوم عالميا ومحليا. الحرب في أوكرانيا انعكست بمشاكلها وفاقمت الأزمة المترتبة عن جائحة كورونا. تأخر الإمدادات من مواد الطاقة والأغذية من أهم منتجين لها-روسيا وأوكرانيا- أثر سلبياً على الدول النامية والفقيرة. وهذه الأزمة الاقتصادية لها تداعيات اجتماعية شديدة التكلفة. وهو الدافع الأول لدعوة الرئيس المصري من أجل الحوار.

ربما يقدم السياسيون من كافة التيارات والمشارب مساهماتٍ تساعد على تصحيح بعض السياسات. والأهم من سرد الحلول هو الإرشاد أولاً على أفضل طرقٍ للتنفيذ من خلال استعراض تجارِب الدول خلال أزمات مماثلة. الأمر الثاني، خلق جوٍّ سياسي إيجابيٍّ وهذا أمر مهم، حتى لا يتحوّلَ الحوارُ لمحاكمة أو تزكية أو تصفيق لهذا أو ذاك. لذلك فموضوع الحوار الرئيس حتى لا يحيد عن هدفه يتمثل في مناقشة كيفية إنقاذ البلد اقتصادياً واجتماعيًا واقتراح تدابير تنعكس إيجابيا على حياة الناس وتعطي رصيدا من الثقة للمستقبل.

حتى لا ننسى، الإخوان المسلمون خارج إطار الحوار نهائياً. فيما عدى ذلك، جميع القوى السياسية المدنية تقريبا رحّبتْ بالدعوة. وجميعُهم شاركوا بأي وسيلة في ثورة 30 يونيو. ولحد علمي لا توجد أي اعتراضات أو شروط. بالتالي، الأجواء مثالية لجميع الأطراف. وستستضيف الأكاديمية الوطنية الحوار- تستضيف المناقشات ولا تقود الحوار- وتقدم خِدْمَات لوجستية فقط. لجنة الحوار عينت الدكتور ضياء رشوان نقيب الصحفيين المصريين ورئيس الهيئة العامة للاستعلامات أميناً عاماً لجلسات الحوار. لكنَّ المفاجأة تمثلت في اعتراض أحزاب الحركة المدنية في اجتماعها بمقر حزب المحافظين هذا التعيين دون الرجوع إليهم أو التنسيق معهم. واعتبروا ذلك مخالفة لجلسات التشاور التي عقدت على مدار شهر بين لجنة الحوار الوطني والقوى السياسية. 

المعضلة الحقيقية في رأيي أن غالبية هذه الأحزاب جديدة وتجمع بعض الكوادر القديمة الذين كان يُطلق عليهم "فلول" وضمت قيادات شبابية تدرّبوا في برامج التأهيل على القيادة، مثل البرنامَج الرئاسي وبرامج أكاديمية التدريب. لكنْ لم يُخْتبروا بعدُ إذا كانت لديهم الكفاءة السياسية اللازمة للمستقبل. بعض الموظفين ربما متميزون إداريا لكن دون خبرة سياسية أيضاً. ومن هنا، يتضحُ الافتقاد للنخبة السياسية إلا من بعض الأسماء الفردية. وقد يدفع هذا الفراغ في التفكير جدياً في أن يكون الحوار الوطنيِّ نواة لولادة قيادات من داخل الأحزاب وبالتالي تتجدَّدُ دماؤها وتتبلور أفكار جريئة وتُصاغ في وثيقة عمل مشتركة.

ولا أخفي أن ما لاحظته بعين الصحفيِّ والمراقبِ من وجود بعض القوى سواء من داخل النظام أو خارجه هبط هذا الحوار"بالباراشوت" على رؤوسهم، وجاء عكس رغبتهم دون إعلان رفضهم صراحةً،  خاصة أنه جاء بدعوة من الرئيس خلال تقليدِ إفطار الأسرة في رمضان، الذي شارك فيه عددٌ من قيادات المعارضة للمرة الأولى منذ سنوات.

لكن السؤال الذي يتردد كثيراً الآن، هو: ما الذي يضمن نجاح الحوار؟ قد يزعمُ البعضُ من معارضي الحوارِ السياسيِّ أنه بلا ضمانة ومجرد فرصة ينتهزها المعارضون للحديث عن الإصلاح أوالتعديل لمجرّدِ التشكيك في السلطة ونهجها. في المقابل، ترى المعارضة أن الإفراج عن السياسيين غير المتورطين في العنف يعني نجاحَ الحوار قبل أن يبدأ. وهي برأيي انفراجة إيجابية وخطوةٌ مهمةٌ في اتجاه التخلّصِ من الشكوك والمخاوف المتراكمة منذ ثورة يناير 2011.

[email protected]

 

 

Share

Comments

There are no comments for this article yet. Be the first to comment now!

Add your comment