خاص بيروت تايمز بقلم ميشلين أبي سلوم*
في الواقع، الملهاة التي بدأت منذ سنوات ما زالت مستمرة إلى أجل غير مسمى...
ارتفاع الاصوات المطالبة بالانتخابات ما زال صداها يطنّ في الآذان...
نواب، رئيس مجلس، نائب للرئيس، لجان نيابية... وختامها خاتمة النحس بانتخاب رئيس الجمهورية.
انتخابات؟ أي انتخابات هذه؟.. كان من الأجدى أن تقتصر على انتخاب "جمعية دفن الموتى".
أليس إكرام الميت دفنه؟.
إذاً، أكرموا اللبنانيين وانتخبوها.
يا أيها السادة اسياد... إن لبنان يموت ساحلا وجبلا وبقاعا مدناً وضيَعا وبلديات...
يا أباطرة التدجيل والكذب والنصب على اللبنانيين... إن لمواطن اللبناني يموت، كما قال أبو النواس، عضواً فعضواً.
مات لسانه... فلا صوت يعلو على صوت الإنهيار.
ماتت قبضة يده، التي رفعها في 17 تشرين، فلا قبضة اليوم تلكم مسؤولاً وتدمي فاسداً.
ماتت كرامته... بعد أن تعوّد الاصطفاف في طوابير الذل انتظارا للحصول على رغيف الخبز أو على قطرة بنزين، متسلحاً بصبره الذليل.
ماتت مصارفه... وتحت أنقاضها ماتت المدخرات وجنى الأعمار.
ماتت ليرته... فهي تتبخر قبل أن يجف عرق العاملين والكادحين.
ماتت مستشفياته، وفر أطباؤه وممرضوه، وفرغت صيدلياته من الادوية... وأصبح الموت دواؤه الشافي من كل أمراض هذا العهد المتخصص في إنجازات الكوارث.
ماتت الجامعات والمعاهد التعليمية والمدارس، وأصبح الشارع الفارغ هو المدرسة الوحيدة المتاحة للأبناء والأحفاد.
ماتت الكهرباء منذ زمن بعيد... فعلامَ تسلبنا، هذه المؤسسة العفنة والمهترئة، الأموال ليل نهار؟.
بعد كل ما سبق، ولما لم يسبقنا إليه شعبٌ منكوب من قبل، نقول جازمين حازمين، بأن الاستحقاق الوحيد المحق، وإن غاب عنه دستورنا المعاق، هو انتخاب "جمعية دفن الموتى".
من الأسباب، التي تستدعي الإستعجال بقيام هذه الجمعية، أن هناك كثيرين يشعلون النار، التي لا تجد من يطفئها.
تتزاحم في لبنان اليوم الكمائن المشتعلة... والخشية كل الخشية، أن لا نبلغ نهاية "عهد جهنم"، إلا والبلد قد تحول إلى وطن من الرماد.
إن التلهي بإصدار قوانين فضح الفضائح، التي يصر عليها العونيون، لن تنقذ لبنان من التلاشي، وإن كانت تلبي أحقاد البعض على البعض الآخر.
هذا ليس وقت معرفة من هو المسؤول عما مضى.
بل إنه وقت انقاذ اللبنانيين من الموت قبل الموت.
لكن ورغم الواقع الأليم... ورغم الإعتراف الجماعي بأن لبنان يسير حثيثاً إلى الحذف من الوجود، فإن المسؤولين اللبنانيين منقسمون.
توجهات متعاكسة.
فكل فريق يتشدد في البحث عن مسؤولية الآخر، في الوصول إلى الفشل الأخير القاتل.
لو تمعّنا بنتائج الانتخابات النيابية، التي وصفوها بالمصيرية، سنجد اللوائح المنتخبة قد شكلت في مستشفى المجانين.
نحن الآن أمام أكثريات لا تعترف بأقليتها... وأمام أقليات تصرّ على أكثريتها.
جنون سياسي، على عناد وطني، على سياسات غبية.
الجميع يطلق كلاماً لا يعرف إذا كان يخرج من فم الإنقاذ، أو من أفواه المدافع.
والمضحك كثيرا والمبكي كثيراً، أن هذا الجميع يختم كلامه بأكبر الأكاذيب كذباً:
ليحيا لبنان... عاش لبنان....
*صحافية لبنانية
Comments