بسام ضو *
نكتب كباحثين وفق ما يُمليه علينا ضميرنا المهني لأننا نعتاش من مصلحة الدراسات والأبحاث وفي الوقت عينه نرغب في إغناء المكاتب اللبنانية حتى الشعب اللبناني والمغتربين بدراسات موضوعية عن حقيقة ما يجري على الساحة اللبنانية وتأثير الخارج على هذه الساحة. إنّ الغاية هي تقديم مجموعة من الأفكار والإستراتيجيات للعمل السياسي ولكل ناشط سياسي يرغب أنْ يُصبح مناضلاً شريفًا داخل الجسم اللبناني وداخل الجسم الاغترابي. دراساتنا توّفِرْ الخطوط العريضة لبعض القواعد التي يتعيّن على العديد من المناضلين والباحثين سلوكها وتقوية الحَسْ الوطني الصادق المُلتزم والغير مرتهن، بالإضافة إلى النصائح والمعلومات التي يتُّمْ جمعها من طريق الدراسات التي تقع تحت عناوين الحكم الديمقراطي التي من المفترض السير بها لكي ينجح أي سالك للعمل السياسي وفقًا للقوانين المرعية الإجراء الذي يخاف ربّه ويتّقيه...
من أبدع الحِيَلْ التي تتبعُها الأنظمة التوتاليتارية وللأسف هناك جزء مهم ممُارس في لبنان هي الإصرار الدائم على أن يكون لها قاموس خاص بتسويقها وبتصديرها إلى الرأي العام اللبناني والعالمي لمفردات تُستعْمَلْ وفقًا للحاجة ومثال على ذلك طالعتنا التركيبة الحاكمة بما مفاده "أنّ الإنتخابات النيابية الأخيرة كانت ديمقراطية وأُجْرِيتْ بأجواء إيجابية..." حيث يُصِّرْ أهل النظام على ذلك بالرغم من أنهم يُدركون تمامًا أن الأمر يُعاكس الواقع المُسوّق، والأمر الأشد إيلامًا أنه لا يوجد معارضة بنّاءة تقوم بأبحاث أصيلة تطويرية في أي من حقول الأنشطة الفكرية والعلمية على ما يُحدِّدَه علم السياسية.
شاركنا كمركز أبحاث في ندوة نظّمتها مجموعة إغترابية تحت عنوان " الإنتخابات الأخيرة ما لها وما عليها"، النتيجة أننا نظل نُراوح في مكاننا على هوامش التعبير، ومن الأمثلة التي سمعناها : الديمقراطية – الحرية – المساواة – المواطنة – حقوق الإنسان – الحداثة – التقدُّمْ – اللامركزية – السيادة التّامة – الإقتصاد المنتج،... والذي لاحظناه وعفوًا من المُشاركين هناك اكتفاء بمظاهر تواجدها السطحي في الحياة السياسية اللبنانية، بل ويا للأسف هناك تلاعبًا فاضحًا بكل مضامينها وهناك عمليّة غِشْ ممنهجة ودوران حول ما تتطلبه هذه النعوت من مسؤوليات وتغيُّرات كُبرى في مجتمعنا اللبناني الداخلي وفي مجتمعنا اللبناني الاغترابي.
الإنتخابات الأخيرة كانتْ مسرحية سبيّ الديمقراطية وغالبًا ما يُقال على مستوى السلك الخارجي المُموّل لبعض الجهات اللبنانية أنّ الإنتخابات اللبنانية محكومة دائمًا بمنطق التوازن بين الأفرقاء وأكثر من ذلك كل فريق يدّعي نشوة النصر، ولكن عند الامتحان لا يُكرم هذا الفريق المُدّعي النصر لا بل يُهان، والأنكى يتلكأ ويتهرّب من المسؤولية... التوصيف يحمل باب العتب لأنّ البعض سيعتبر أنه غير معني وأنه منتصر وأنه سيُحاول أن يكون رأس الحربة في مسيرة استعادة الدولة، ولكنه عمليًا لا يُدرك أنه مُجرّد حجر في لُعْبَة الأمم يُحرَّكْ وفقًا للحاجة وللضرورة الماسة.
من سخرية القدر أنْ يُسوّق فريق معين، أنّ من كان يُمْسِكْ بزمام الأمور في اللعبة السياسية اللبنانية ومن يتحالفون معه خسروا الحضور الفاعل على الساحة البرلمانية... عمليًا ونتيجةً لقرأة موضوعية وعلمية وبحسب تعداد الناخبين قد بلغت نسبة المُشاركة ما يُقاربا لـ 41%، في أبعد أحوالها أي لم ينجح الفريق الحاكم بإقناع الناس بالمشاركة بالرغم من الدعوات التي أطلقتْ من كل الجهات سواء أكانت روحية أو زمنية. هذا الأمر يعني أنّ هناك حالة طلاق مُبرمة بين المواطنين وقادتهم المفروضين عليهم بقوة السطو البرلماني والغِشْ المتمادي منذ سنين... وما حصل يضع لبنان في حالة أكثر تعقيدًا من العادة.
إنّ ما حصل مؤخرًا يستدعي قرأة متأنية وعلميّة، وعلينا الاعتراف صدقًا أنّ الإنتخابات الأخيرة أحدثتْ تضاربًا كبيرًا مع مبدأ المساواة في الأصوات وهذا أمر يستدعي التوّقف عنده ومعاينته مليًا لكي يُبنى على الشيء مقتضاه لناحية من يحق له الادعاء أنه الممثل الشرعي لطائفته أو للمجموعة التي ينتمي إليها... وباختصار علمي وموضوعي إنّ نسبة ال 41% لا يُمكنها أن تكون هي الحاسمة للمعركة بالكامل، وفعليًا بات المجلس النيابي اللبناني مكوّنًا من مجموعات تدّعي زورًا أنها الممثلة الشرعية، وأنّ كل مجموعة من هذه المجموعات تتمايز عن الأخرى، وتعمل على مبدأ التغيير.
إنّ هذا المجلس هو كناية عن مجموعات ستتقاتل وسترهن الشعب ضمن أيديولوجية فكرية غريبة عن مفهوم علم السياسة، وهو عمليًا مسطو عليه من قبل فريق يُهيمن عليه بقوة السلاح والتحالفات ذات الصبغة "المصلحجية" وفريق يدّعي الانتصار وأنه رأس الحربة في استعادة الدولة ولكن هو عمليًا مُجرد فريق لا يُقدّمْ ولا يؤخر، إنما يُستشار من باب "الأمليّة" ليس أكثر ولا أقل، وهناك فريق ثالث وعفوا على التوصيف "لقيط" من مجموعات تدّعي العمل الثوري، ولكن من كل وادي عصا...
انطلاقا ممّا أسلفناه لا يستقيم أي عمل نضالي مُعارض لأي مجموعة وطنيّة هدفها إنتاج نظام سياسي ديمقراطي صحيح يعتمد مبدأي الاستقلالية والحيادية، ما لم يُكنْ لديه مجموعة أكاديمية متحرّرة صادقة داخل أجهزة السلطة ( البرلمان – الحكومة – القضاء – السلك الخارجي...)، ونُصِّرْ على كلمة متحررة – صادقة، لأنّ هناك الكثير من القوى التي تدّعي الصدق والطهارة السياسية وهي في الحقيقة غير ذلك وغير صادقة على ما لاحظناه في الكثير من الأحيان، لا بلْ ترمي الحرام وتدّعي العفّة السياسية في مجالسها وفي الاجتماعات العامة، وهذه القوى تجعل من معارضتها وسيلة للابتزاز والمكاسب الشخصية بعيدًا عن أيّة مصلحة للوطن وللشعب.
نعم إلى المعارضة الشريفة دُرْ لتقويم ولاستدراك ما حصل مؤخرًا حيث أثبتتْ الإنتخابات الأخيرة أنّ هناك انحرافا عن الخط الوطني السليم وعن الشعارات التي طُرحتْ، فأول الغيث كان بعض العناوين " نحنا ما خصنا بالأزمة المالية "، " نحنا جبنا الأكثرية "، "نحنا بالمرصاد..."، المطلوب اليوم معارضة وطنية شريفة تدخل في منافسة نزيهة وشفّافة ووطنية تحت عنوان " سيادي حيادي " وتقديم أعلى درجات الأداء على كل الصعُد السياسية – الأمنية – الاقتصادية – الخدماتية...، التي تصب في خانة خدمة المواطن والوطن وأمنه وأمانه.
هل نشهد معارضة وطنيّة صادقة متعاطفة مع طرح سيّد بكركي تعمل من أجل مصلحة لبنان وشعبه بعيدًا عن إغراءات السلطة؟
باسمي وباسم رفاقي المناضلين، وبالإنابة عن بعض مراكز البحوث في لبنان وعالم الانتشار أتمنى ذلك، لا بل أنتظر، لأرى ولأفي بوعدي أمام الله وأمام كل المناضلين ووفائي يشمل أيضًا كل الذين واكبوني في كل المسيرة النضالية.
*كاتب وباحث سياسي












06/04/2022 - 19:34 PM





Comments