حسن الخطيب
لدى اخيتار جريدة "الأوريان لوجور" المعالجة زينة دكاش كإحدى الشخصيات التي صنعت بإنجازاتها العام 2021م، لم أتفاجأ وعرفت أنّني يجب أن أضئ على أعمال زينة التي استطاعت من خلال جمعيتها إحداث تغيير ملموس في حياة سجناء لبنان الذين ألقت بهم الحياة والظروف في نفق المجهول و النسيان. كنت قد كتبت سابقاً عن برنامج عاطل عن الحرية الذي أضاء لسنوات على أوضاع السجون في لبنان و سرد لنا قصصاً من عمق الواقع اللبناني الذي أصبحت الكلمات عصّية على وصفه حالياً. وقد لفتني أنّ اسم زينة دكاش ورد أكثر من مرة في البرنامج على لسان السجناء و المحكومين الذين تحدثوا كيف أنّ عمل الأستاذة زينة من خلال جمعيتها "كاتارسيس" قد زودهم بنظرة جديدة للحياة وأعطاهم أملاً كان قد تلاشى بين أروقة السجن المظلم.
لطالما استوقفني موضوع السجون ولطالما استوقفتني مواضيع حياة السجناء الذين يقبعون وراء القضبان. أنا من الناس الذين يعتقدون أنّ المحن والتجارب الاستثنائية قادرة على تغيير الإنسان بشكل جذري وقادرة على منحه رؤية جديدة يتمكن من خلالها من رؤية ومجابهة الحياة بشكل مختلف.
في الحياة هناك نوعين من التجارب: التجارب اليومية الاعتيادية التي يواجهها معظم الناس والتي لا تعتبر حكراً على أناس معينين والتجارب الإستثنائية القدرية التي تحصل لأناس محددين في الحياة وتكون في بعض الأحيان غريبة لمدى قسوتها وعمقها. النوع الأول من التجارب قد يغيرّ الناس ببطء وقد يترك آثاراً على طريقة تفكيرهم وعيشهم، ولكن في معظم الأحيان ليس كفيلاً بإحداث تغيير جذري في طريقة تفكير ونمط حياة الشخص. النوع الثاني من التجارب عادةً ما يعيد تكوين الشخص بحيث يجد الشخص نفسه قادراً ومضطراً في بعض الأحيان على تبديل طريقة تفكيره وإجراء عملية إعادة تقييم لكل جوانب الحياة وكل تفاصيلها ومشاكلها. وبالطبع ينتمي السجن إلى نوع الثاني من التجارب.
عندما تدخل الى السجن، يتغير كل شئ. يتغير مفهومك الى الخطأ، تصبح الحاجة الى الفرصة الثانية ملّحة أكثر من أي وقت مضى، تدرك أنّ شعور الألم هو شعور لا يمكن لأحد أن يشاطرك إياه، أنّ أحداً غير قادر على انتشالك من عمق النفق، وأنّ حياةً جديدة بقوانين جديدة قد بدأت للتو. في السجن، البقاء للأقوى، لا مكان للضعف. الحاجة إلى القوة مفرطة ولا يحتاج السجين إلى نوع واحد من القوة بل عليه أن يزود نفسه بأكثر من نوع قوة كي يستطيع اجتياز النفق. عليه أن يكون قوياً كي يجابه حياة السجن بكل مخاطرها، عليه أن يكون صبوراً كي يحارب عقارب الساعة التي يصبح معناها مختلفاً في السجن، عليه التعايش مع السجناء القادمين من خلفيات و مجتمعات مختلفة، عليه التحلي بعمق هائل يمكّنه من تقييم تجربته والظروف التي أودت به إلى السجن من أجل تحديد الخطأ و مراجعة الذات، عليه أنّ يتحمل البرد والجوع وغربة النفس والإشتياق وشبح الذنب، وعليه أيضاً أن يجيد التعامل مع سيف الإدانة والإتهام الذي عليه أن يكون حاضراً لمواجهته لحظة الخروج. لطالما اشتكت السجون في لبنان من غياب أي برامج فعّالة قادرة على إعادة تأهيل السجناء وتحضيرهم لعملية إعادة الإندماج في المجمتع.

في خضّم هذا الواقع المرير، تضئ الأستاذة زينة دكاش نفحة أمل في نفق العتمة. منذ سنوات خلت، دخلت زينة السجون اللبنانية. أخذت على عاتقها تحويل عتمة السجون إلى فضاء علاج من خلال الفن والإبداع. دخلت إلى السجن، صادقت السجناء، نظرت إليهم بعين الإنسانية بعيداً عن نظرة الشفقة أو الإدانة التي أثقلت كاهلهم. أقامت جلساتها العلاجية، صوّرت أفلاماً، أجرت مقابلات مع سجناء وعرضتها على سجناء آخرين بهدف بلسمة ألمهم.
ثمّ اقتحمت زينة "المبنى الأزرق" الذي يضمّ بين جدرانه السجناء المنسيين والمصابين باضطرابات نفسية. يطمئن السجناء الى زينة بعد أن يدركوا نبل مهمتها، وبعد أن يعرفوا أنّها تحمّلت مشقة القدوم إلى السجن من أجل بثّ الأمل في نفوسهم، من أجل طلاء جدران نفقهم المظلم بألوان الحياة والحلم، من أجل أن تقول لهم أنّ هناك أحدأ يهتم لأمرهم، وأنّ الحياة لا تزال تنتظرهم.
وثّقت زينة تجربتها من خلال أفلام وثائقية ك "12رجل غاضب"و"السجناء الزرق" حيث شكّلت هذه الأفلام ملحمة إنسانية أضاءت على مأساة المساجين الذين نسي بعضهم تاريخ دخوله السجن، كما تقول زينة.
وعلى الرغم من أنّ الأوضاع الراهنة أثرت بشكل كبيرعلى جميع قطاعات العمل والعطاء في لبنان، فإنّ الظروف المذكورة أعطت لعمل زينة بعداً جديداً نظراً إلى أنّ الشعب اللبناني بغالبيته أصبح عرضة للمشاكل النفسية والعصبية في خضمّ الواقع المتهالك والأليم.
كم نحن بحاجة اليوم إلى شعلة أمل في خضم الظلام الذي نعيشه. فالواقع اللبناني أصبح أشبه بمستنقع ملئ بأخبار الإقتصاد المتهاوي والصراعات السياسية و المشاكل الطائفية التي قتلت الوطن في مهده. والإعلام اللبناني أصبح مسرحاً للإبتذال والسخافة واللهث الغيرالمفهوم وراء نسبة المشاهدة. أمام هذا الواقع الأليم، تصبح الحاجة ملحة إلى أناس مختلفين يحاولون التغيير ويحاولون إنقاذ ما يمكن إنقاذه.
الأستاذة زينة والتي ترشح فيلمها "السجناء الزرق" لجائزة في مهرجان البندقية هي إحدى النماذج الراقية التي تكافح لإحداث تغيير حقيقي بعيداً عن الضوضاء الفارغة. ولا بد من الإشارة إلى أنّ دكاش قد استطاعت من خلال متابعتها المساجين المرضى المساهمة في إقرار إطلاق سراح عدد من السجناء الذين كانوا خائفينن من أن يختطفهم شبح الموت وهم يرددون أغنية الأخوان رحباني: "يا خوفي ينسوني وياخدني الغياب".
كل التحية لك زينة.












01/20/2022 - 10:58 AM





Comments