حسن الخطيب
كلما بدأت بكتابة أي مقال جديد، أحاول أن أذكّر القارئ بأنّ هذا المقال يندرج تحت إطار سلسة "لكم لبنانكم ولي لبناني"، وما أحوجنا إلى هذه المقولة اليوم.
إنّ العاصفة التي يمرّ بها لبنان ولشدتّها جعلت التمسّك بالأمل والرجاء مهمة الصعبة حتى لدى أشدّ المتعصبين لوطننا الحبيب و أنا منهم. ولا أنكر أنّني من الأشخاص الذين ضربهم الإحباط جرّاء تفاقم الأزمات و المشاكل التي مزّقت أوصال الوطن الحبيب، نظراً إلى أنّ أيام المواطن اللبناني في السنتين الأخيرتين طبعتها أخبار الانهيار الاقتصادي وقطع الطرقات والأزمات السياسية والطائفية وكل الأخبار والمحن الأخرى التي أنهكت جسد الوطن من دون رحمة، فشعر الجميع أنّ لبنان قد دخل في نفق صعب وطويل الأمد أصبح الخروج منه مهمّة صعبة. في وَسَط الظلام، أردت البحت عن جرعة من الأمل، أردت أن أزوّد نفسي بجرعات أمل تمكنّني من الاستمرار وتساعدني على استعادة بعض من الحلم والحنين الذين كانا قد تلاشيا في وَسَط العَتَمَة. قررت أن أكتب أسبوعياّ عن شخصيات ومؤسسات وأسماء لامعة غدت رمزاً من رموز النجاح و رفعت اسم لبنان عالياً و شكّلت مرآةً تظهر صورة لبنان الحقيقية، لبنان فيروز و لبنان جبران و لبنان عاصي الرحباني، لبنان الذي أريده وطناً لي.
أردت أن أكتب هذه المرة عن الجامعة الأميركية في بيروت، جامعتي الحبيبة. تعيدني الذاكرة إلى ذلك اليوم من العام 2008 حيث وصلت مع الطلاب الجدد إلى صرح الجامعة من أجل حضور حصص التوجيه والتعريف لتبدأ رحلتي على مقاعد الدراسة بهدف التخصص في مجال الاقتصاد. لا أنكر أنّ تجربتي في الجامعة الأميركية كانت تجربة شاقة وعميقة على المستوى الشخصي عمومًا، حيث كانت عملية الانتقال من مدينة طرابلس الهادئة في شوارعها وأحلامها إلى مدينة بيروت المليئة بالضجيج والزحمة عملية شاقة.
غصت في زوايا الجامعة على مدى ثلاثة سنوات، تنقلت بين جدران مكتبتها وصفوفها، بنيت العديد من الصداقات مع أشخاص رائعين لا يزالون حتى الآن أناس مقربين. نلت شهادة الإقتصاد التي أدخلتني ميدان العمل من أوسع أبوابه وأدركت مع الوقت أهمية الإسم العريق الذي تمثله الجامعة الأميركية والذي أضفى على خبرتي و ملفي المهني نكهة مميزة.
عندما أتحدث عن الجامعة الأميركية، أتحدث عن رمز من رموز بيروت. أتحدث عن تلك المباني المتداخلة التي لا تنتهي والتي تجاور شاطئ عين المريسة و شوارع بلس و الحمرا. لقد أصبحت هذه الشوارع والزوايا المحيطة بالجامعة جزء لا يتجزأ من هويتها، و لا يمكن تخيل أي معلم من معالم هذه الشوارع من دون الجامعة. شكّلت الجامعة الأميركية في بيروت معبداً للعلم والكفاءات و أصحاب المواهب الذين رفعوا مشعل لبنان عالياً في أقاصي العالم. كما أنّ هذا الصرح العلمي العريق يمثّل منبعاً يضم أهم الأساتذة والوجوه الذين أخذوا على عاتقهم نقل العلم والمعرفة إلى أجيال المستقبل و أبناء الحلم. في هذا الصدد، يؤكد الأستاذ المحاضر في الجامعة الدكتور سامر حنقير أنّ " الجامعة الأميركية في بيروت لا تمثّل مؤسسة تربوية و تعليمية أو مركز بحوث فقط" بل هي ملتقى حوار وثقافات وتبادل للآراء و الأفكار من دون خوف أو قيود" و يؤكد الدكتور حنقير أنّ الجامعة هي تجسيد للتنوع الثقافي والفكري الذي يشكّل تجرِبة غنية لكل من يرتاد هذا الصرح".
شهدت الجامعة الأميركية على مرّ تاريخها أزمات عديدة عصفت بها من دون أن تستطيع أن تهز ركائزها. لا شكّ أنّ طيف العاصفة الهوجاء التي تلف لبنان حالياً قد لفح الجامعة التي قرعت إدارتها جرس الإنذار منذ مدة، قبل أن تهدأ أصوات الخوف و تؤكد الإدارة أنّ الجامعة مستمرّة وباقية برغم الأزمات. وهذا ضرورة نظراً إلى أنّ الجامعة الأميركية تمثّل رمز وطن الحداثة والريادة. على الجامعة الأميركية أن تبقى خليةّ تكتظّ بالأحلام واتّساع السماء. على شوارعها أن تبقى تعجّ بوجوه الطلاب الحالمين التواقين لالتهام الحياة و معانقة طرق المستقبل.
نحن في زمن يشهد فيه لبنان معركة طاحنة، يحاول البعض من خلالها تغيير وجه لبنان وفرض هُوِيَّة وثقافة جديدة على أهله. وعلى الرغم من أنّ هؤلاء قد يكونوا كسبوا عدة جولات حتى الآن، لن يكون النجاح حليفهم. فلقد تناسى هؤلاء أنّ وطننا الحبيب هو رسالة، هو أرض القديسين، هو لبنان الذي حملته فيروز في صوتها، هو لبنان الذي رقص له عبد الحليم كركلا و تغنّى به سعيد عقل. هو ليس أرض الحروب العبثية والمشاريع المدمرة.
على اللبنانيين أن يتمسكوا بالأمل، أن يجرؤوأ على الحلم، أن يسمعوا ما قاله عاصي الرحباني الذي كان صارماً في لبنانيته وهو يوصي ابنته ويعلمها كيف يجب ان تربي أولادها في إحدى المسرحيات: 'ازرعيهم بالوعر أرز وسنديان، قوليلهم لبنان، بعد الله 'يعبدوا' لبنان.
عسى أن تبقى الجامعة الأميركية صرحأ صامداً تحميه أحلام اللبنانيين وأولادهم وتسّيجه أمواج شاطئ بيروت لتبعد عنه أي غريب أو منافق. وعسى أن يبقى طلاب هذا الصرح أسياد المستقبل القريب و البعيد يرددون مع فيروز: الإيام الجايي جايي و فيها الشمس مخباية.












01/09/2022 - 03:39 AM





Comments