صادق غانم الاسدي
الأعلام هو عملية كبيرة يتم فيها نقل المعلومة والخبر بطرق متقدمة من مكان إلى اخر لترتقي بعقول الناس، وهو أيضأ صوت الارتباط العقلي والقلبي للإنسان المغيب والمهمش وبين اصحاب القرار على رأس هرم السلطة وليعبر عنه بحلقة الوصل ويتم فيها النزاهة والامانة والجرأة كمقومات اساسية في عمل الإعلام، يقول الإمام الخميني قدس سره ( السياسة تدار بعجلة الإعلام )، لا يخلو عمل الإعلامي من المخاطر والموت ويكون بمثابة فدائي الكلمة، في كل عصر ومرحلة ينساق العامل بالأعلام الى ظروف ومعطيات الواقع وحسب المساحة وحجم التحدي بدءاً من العصر الإسلامي الاول وما تمخضَ عنه في نجاح الحروب الإسلامية ونشر تعاليم وسنة الرسول للدول التي شهدت حروب التحرير.
فالمعارك الإسلامية وأن لم يكن لها حقل اعلامي وممارسة وخبرة من اجل ادارة ونجاح الحروب لبث الرعب والخوف في صفوف العدو، الا أنه ومن خلال الرسائل والتهديدات التي يبعث بها قادة المسلمين اثناء المواجهة للعدو كقول جئناكم بجنود يحبون الموت كما يحبون الحياة، والقائل البحر خلفكم والعدو امامكم، واخر هدد جيوش الروم برسالة شديدة قال فيها الى نقفور كلب الروم ما تراه دون ما تسمعه والسلام، مما ادى الى ولوج الرعب لملوكهم وضعفت معنويات جيوشهم، وحققت الانتصار الفعلي بأعداد قليلة مقارنة بما يمتلكه العدو من تفوق القوات في العدة والعدد.
منذ زمن بعيد ولغاية اليوم يشكل الإعلام نقطة جوهرية في استقطاب الرأي العام وحقق تعاطف الجماهير لأي قضية يطرحها الأعلام كمظلمة حقيقية، ولاتزال الثورة الحسينية التي تشكل منعطفا تفاعلت معه كل الثورات ضد الطغاة في العالم وأعطت لشخصية الفرد المسلم عنفواناً في التحدي لتتحول المظلمة الى انجاز كبير يقلع قصور الظالمين، وبفضل السيدة زينب عليها السلام وما حملته من طروحات وافكار واعلام ديني هادف لقضية واقعة الطف نتج من ذلك اعلام مؤثر حتى من داخل بيت يزيد لعنه الله والتي اطلق فيما بعد عليها انتصار الدم على السيف.
اما قضيتنا اليوم مع الزمر التكفيرية وما آلت اليه الاحداث من السقوط المفاجئ والسريع لمدينة الموصل بيد تنظيم داعش كان الاعلام المغرض والدعايات المؤثرة في غرائز وسلوك الانسان والسيطرة على نفسيته لها العامل الاول في سقوط ثاني اكبر مدن العراق، بحيث لو كان هنالك اعلام عسكري ينقل الاخبار وخصوصا ان الجيش اليوم يختلف عنه في السابق لما يمتلكه من اجهزة نقال وفضائيات ومراسلين في وسط الحدث ولكن لم تستثمر تلك الامور لصالح قضية الجيش الذي هزم بمجرد سماعه صيحات بثها مرجفون في المدينة تحمل اخبار كاذبة ومبالغ فيها احبطت ثقة وقدرات وعزيمة الجيش في المواجهة، مما ادى الى الهروب وترك اسلحته ولم يرِ عدوه او يحصي اعداده بشكل حقيقي.
في الجانب الاخر تحتل الدعاية مساحة اعلامية كبيرة في الوسط الجماهيري وهي جزء من وسائل الاعلام الحديثة، ولازالت مدينة نيويورك اكبر مدن العالم تدرٌس وتهتم في الدعاية وهنالك مئات المؤسسات انشأت لهذا الغرض ويظهر ذلك للعالم وللجماهير الامريكية اثناء الانتخابات الرئاسية الامريكية بشكل مباشر ناهيك عن الدعاية العسكرية المبالغ فيها قبل ارسال الجنود الى سوح القتال، بعد القرن العشرين تحول العالم من تكنلوجيا الاسلحة وصنع الذرة الى اتساع مصادر ونشر الاخبار الاعلامية، لما يشكله الاعلام كآلة حادة وحاسمة في الحروب الحديثة وربما لم يحقق المدفع او الطائرات من اصابت اهدافها وتحقيق انتصارات اثناء المعركة بقدر ما يحققه الخبر والمعلومة في انكسار القطعات وانسحابها وانهاء المعارك بمجرد تناقل الاخبار وبث الدعايات المغرضة ويتوقف ذلك على عامل الخبرة والاهتمام بوسائل تكنلوجيا حديثه ومتطورة، بحيث يكون للخبر اثره الواضح على تحطيم نفسية المقاتل وتركه ساحات المعركة بشكل سريع.
ولا يخفِ عليكم ان الاحتلال الامريكي للعراق لم يشهد قتال حقيقي الا في بداية دخول القوات الامريكية الى ام قصر وبمجرد انتهاء تلك المعركة بثت دعايات ان الجيش يزحف على عشر محاور وبأحدث الدبابات وبسرعة خاطفة ادى الى فرار جميع افراد الجيش العراقي داخل بغداد وترك أسلحتهم حتى بعضا منهم تورطوا في عملية اخفائها قبل ان تكتشفها الطائرات ذات الذبذبات المتطورة وما رافق تلك العمليات من دعايات متنوعة، ولا يختلف الامر ان احتلال مدينة تلعفر ذات الاغلبية الشيعية في مدينة الموصل والتي قاومت فترة عدة ايام وحققت صمود لبضعة ايام، وبعدها تعالت الصيحات وبث بعض من الخلايا النائمة اعلاما كاذبا ودعايات بأن تنظيم داعش بدء الهجوم من 10 محاور وفي كل محور الاف المقاتلين، مما عجل بجميع سكان المدينة مغادرة المعركة وترك دورهم لكي ينجون مع عوائلهم من هذا الكم الهائل الزاحف اليهم، اليوم الدول الاوربية بدأت تشعر ان حسم المعارك يتم عن طريق الاعلام لهذا اتجهت لبناء مؤسسات اعلامية ضخمة ورصدت لهام مبالغ خيالية من اجل سرعة ايصال الكلمة المؤثرة والدعاية التي تحتل العقول والقلوب بسرعة، وواحده من اسباب سقوط زعماء العرب في موجة الربيع العربي هو الاعلام الذي هشم عروشهم من خلال إيقاظ واستقطاب الرأي العام العربي والعالمي.
*كاتب عراقي
*الكتابات والآراء والمقابلات والبيانات والاعلانات المنشورة في اقسام المقالات والاقتصاد والأخبار لا تعبّر بالضرورة ابداً عن رأي ادارة التحرير في صحيفة بيروت تايمز، وهي غير مسؤولة عن أي نص واو مضمونه. وإنما تعبّر عن رأي الكتاب والمعلنين حصراً.
<script async src="https://pagead2.googlesyndication.com/pagead/js/adsbygoogle.js?client=ca-pub-7010601070604374"
crossorigin="anonymous"></script>












01/07/2022 - 13:11 PM





Comments