اغراءان عَوْلمَا الاحتفال بالميلاد!!

12/20/2021 - 14:06 PM

Bt adv

 

 

بقلم: مَارون سَامي عَزّام

 

الزمن الميلادي الأمـثل

بدأت أجراس الميلاد تقرع في كل مكان. المتاجِر الكبيرة والصّغيرة، تدعونا للاستعداد اقتصاديًّا، لشراء أحدث موديلات لوازم الزينة المنزليّة لهذه السنة، الملوّنة بأحدث الألوان، وأيضًا لشراء مستلزمات الإنارة الخارجيّة الخاصّة. بالنسبة لأصحاب المحلاّت، هذا زمن جني الأرباح الأمثل لهم... فترانا نتسوّق عفويًّا، لنشعر بحرارة بهجة العيد، كأن فرحنا بالأعياد المجيدة لن يكتمل إلاّ بشراء الزّينة! ومع مرور السنين أصبحت تقليدًا للبهرجة لا أكثر، وليست لإدخال الفرح للأجواء الاحتفاليّة، هكذا خبّأنا مشاعرنا الرّوحيّة خلف سِتار اللامبالاة. 

حوَّلت فئة كبيرة من الناس موقع فيسبوك إلى قناةٍ ميلاديّة في هذه الفترة، تَعرِض طوال ساعات النّهار أشكالاً عديدة ومُنوّعة من شجَر الميلاد المزيّن بأفخر زينة، وافتتحوا مسابقة Christmas Idol الموسميّة، بدون لجان تحكيم، فقط الأصدقاء يصوّتون، بضغطهم على خاصيّة الإبهام، دلالة على إعجابهم، وفي النّهاية الجميع يفوز بعدد كبير من "اللايكات" والتعليقات المدهشة، لكن تبقى رزانة العقل هي الخاسرة الوحيدة والأهم، لأنها عَجِزَت عن مَنِع روّاد الفيسبوك مِن كَشف خصوصيّاتهم المنزليّة المقدّسة، على الساحة الخلفيَّة للإنترنت. 

لقد رسّخنا في عقولنا على مدار عدّة سنوات ثقافة فخامة الزّينة، وتخلّينا عن البساطة التي كانت سائدة في الماضي، لتُصبح البيوت من الدّاخل مَعرضًا ميلاديًّا للوازم الميلاد، ومن الخارج تغدو مظاهر الزّينة مزارًا ليليًّا لافتًا... فهذه اللفتة الميلاديّة الكريمة، تُعتبر مَدعاة استعراضية، لتتحوّل زينة بعض البيوت الخارجيّة إلى حدَثٍ اجتماعيٍّ كبير!!      

النشاط الميلادي المكثّف للسيّدات من خلال الفيسبوك، هو فرصة مزدوجة، فمن جهة يعرضن زينتهن الميلاديّة، ومن جهة أخرى يعرضن جانبًا من التّصميم المنزلي الدّاخلي عن غير قصد!! فهذا هو الزّمن الميلادي الأمثل بالنسبة لقسم من السيّدات العصريّات، المواظبات على جَعل مواهبهن تتأقلم لاستيعاب التغيّرات التكنولوجيّة السّاحرة والسّريعة التي حلّت عليهن! 

يمكن للسيّدات مشاركة أجمل مطارح زينتهن المنزليّة من خلال مبعوث الفيسبوك الشهير، واتس أب (الذي اشترته شركة فيسبوك مؤخّرًا)، من خلال إنشاء مجموعة خاصّة مغلقة، وكما نُسمّيها بلغتنا العربيّة المطوَّرة "جروب"! إذ يغدو الواتس أب مرسالاً ميلاديًّا مكّوكيًّا، ينقل بين المجموعات أهم نتائج المباحثات والصّور التذكاريّة وملفّات الفيديو المميّزة، في أي وقت، وبرأيي هذا أفضل، دون أن يطلبن الصبايا شرعية الفيسبوك... بلجوئهن إلى مجلس الأمن الاجتماعي، ليطرحن على طاولته مسودَّات معايداتهن المستعجَلَة!! 

آن الأوان أن يُدرك المتخاصمون أن هذا هو الزّمن الأمثل لمُصالحة الآخرين، بانضمامهم إلى قافلة التّآخي التي قفزوا منها في لحظات الخصام، أتمنّى أن يعيدوها إلى سكّة الوفاق. أجراس الميلاد تقرع خيريًّا في زمنٍ مثالي لدعم العائلات المحتاجة، فاستيقظت هذه السِّمَة الإنسانيّة من سباتها العميق بمبادرة خيريّة مؤسّساتيّة مشكورة، فهذا هو الزّمن الميلادي الأمثل. 

بَعد أن عممنا عيد الميلاد على العالم من خلال الفيسبوك، تَخدَّر إحساسنا بقيمنا الإنسانيّة... خفّت لهفتنا بهذه الأعياد المبارَكة، وبات الفيس يقف سدًّا منيعًا أمام جَرف المعايدات الشخصيّة، يعني كلّما انخرطنا فيه أكثر، كلّما ابتعدنا عن العادات والتقاليد لا شعوريًّا، كلّما فقدنا الانتماء إلى اجتماعيّاتنا العائليّة المنسيّة تمامًا، وصرنا نتبَع نَجم الفيسبوك المحلِّق في فضاء الإعلام الجديد. 

التخلّي عن ميلاد اللمَّة

بالنسبة لعدد لا بأس به من الشُبّان والأزواج الشّواذ سلوكيًّا، يرُون متعة احتفالهم بالأعياد المجيدة، بالتخلّي الكلّي عن القيَم الأُسريّة، غير مهتمّين بتأثيرها السّلبي على أهاليهم وأحبّتهم، الذين سيحتفلون لوحدهم قسرًا عشيّة هذه الليلة الفريدة بأهميتها، التي من المفروض أن تلتم أفراد العائلة حول مائدة الوئام والتسامح، المفروشة بالتعاضُد. 

لدى البعض الصورة الاحتفاليّة التقليدية "المملّة" مع العائلة، باتت "مستنفذة" واكتفوا بقصّ شريط التهاني الوهمي بعيد الميلاد مع أهاليهم من خلال الاحتفال معهم عبر شاشة الفيسبوك علنًا، أو بإرسال التهاني الملوّنة بالزّيف، عبر تطبيق التراسل الفوري واتس أب... كنوعيّة جديدة من الخصوصيّة الوهمية!، الخالية من روُح اللهفة والتضامن مع الآخر. 

هنا تبدأ مرحلة احتفاليّة حديثة من احتفال هؤلاء الأزواج بالأعياد المجيدة، بالتّخطيط للسّفر إمّا إلى مدينة بيت لحم، "ليعيشوا وليشعروا" بأجواء الميلاد الحقيقيّة، رغم تعاستها، نتيجة الكساد السّياحي! أو يسافر البعض إلى إحدى الدّول الأوروبيّة، هربًا من "روتين المعايدات"، وصخَب اللقاء العائلي، ففي أوروبا، يشعرون أكثر "ببهجة العيد"!!  

تخلّى هؤلاء الأزواج عن لياقة احتفالهم مع أهاليهم، ومع إخوتهم بالعشاء الميلادي التقليدي... تخلّوا عن أهم شيء وهو اللّمة الأسريّة التي نشتاق إليها اليوم، في ظل تراجع اللقاءات الاجتماعية والأسريّة، التي امّحَت كليًّا من جدول مواعيدهم المتراصّة بالانشغالات اليوميّة التي لن تنتهي... لذا الميلاد المجيد ليس فقط تزيين الشجرة، ونثر الأضواء في كل أرجاء المنزل والشُّرفات الخارجية، بل نثر المحبة بين العائلة الواحدة. 

ليلة الميلاد تُصبح أروع بالتفافنا حول كبارنا، ليفرحوا بحضورنا بينهم، كما تصبح أكثر حميميّة، كلّما تقرّب أبناء العائلة من بعضهم البعض، فتتجدّد فيهم دورة المشاعر الأخويّة الصّادقة، لا أن يتغرّبوا عن وطن الأسرة الصّغير، بالسّفر في هذه الفترة المميّزة، إلى الخارج، تمثُّلاً بالمفاهيم الخاطئة للآخرين، إرضاءً لأهواء ترفيهيّة شخصيّة مزيّفة، حبًّا بترقية مستوى عيشهم الشّرقي!!

هذا العيد يُضيئ لكل فرد فينا بَهو حياتنا بأضواء التآخي، لئلاّ نُضيِّع سلسلة الفرح المتبقية، فعلى النّاس أن تستفيق من غيبوبة تصرّفاتها الدّخيلة، لنُبعِد عن نوافذ آمالنا الضيّقة، خفافيش الأفكار السّوداويّة... فيا ليت بابا نويل الإتيكيت، يستطيع اختراق ضباب النّفاق الاجتماعي، الذي يحجب عن البعض رؤية أبعاد "حياته الخاصّة"... أتمنّى مع حلول الأعياد المجيدة، أن تتسرّب فكرة الابتعاد عن الأهل عشيّة عيد الميلاد، من مسارب هواجس النّاس، الذين جعلوا من هذه الأيّام المباركة، مُنطَلَقًا لعولمة احتفالاتهم!! 

 
 
 
 

 


 

*الكتابات والآراء والمقابلات والبيانات والاعلانات المنشورة في اقسام المقالات والاقتصاد والأخبار لا تعبّر بالضرورة ابداً عن رأي ادارة التحرير في صحيفة بيروت تايمز، وهي غير مسؤولة عن أي نص واو مضمونه. وإنما تعبّر عن رأي الكتاب والمعلنين حصراً.

 

<script async src="https://pagead2.googlesyndication.com/pagead/js/adsbygoogle.js?client=ca-pub-7010601070604374"

     crossorigin="anonymous"></script>

 

Share

Comments

There are no comments for this article yet. Be the first to comment now!

Add your comment