شموع الكريسماس وأنواره

12/20/2021 - 13:20 PM

Prestige Jewelry

 

 

عادل صوما

 

قاد يسوع المسيح أول ثورة دينية على مفهوم الدين الخاص بفئة واحدة من البشر، الذي ارتبط منذ بدائية الإنسان بطوطم القبيلة ثم العشيرة ثم الدول القديمة.

هكذا ورثت الأدبيات اليهودية التراث الفرعوني وحضارات ما بين النهرين، وجعلت يهوه لأتباعها فقط، لكن لأول مرة في الثقافات الإبراهيمية كافة يجعل المسيح الله للجميع والعبادة أمراً خاصاً بقلب الانسان وخلاصاً لهواجسه من فكرة العدم، بعدما بدأ عقل الكائن البشري يرتقي ويستوعب ما يحدث حوله، وهي أصل التفكير في الماورائيات، وفكرة الخلود بعد الموت التي ابتكرها الفراعنة.

ناداه الناس "يا مُعلّم" لأنهم أدركوا بفطرتهم أنه يقول شيئا جديدا لم يسمعوه من قبل، ولا يتحدث ليستفيد من عملية تسويق الله بتتويج نفسه زعيماً أو ملكاً أو حاكماً.

جعل المسيح الصلاة أمراً خاصاً أيضا بقلب الإنسان، بل أنه ذهب إلى جوهرها وقال: إذا كان أحدكم في طريقه للصلاة وتذكّر أن عليه واجب لأخيه الإنسان، يجب عليه التوجه فوراً ليوفي ما عليه، لأن الله ليس بحاجة للطقوس.

ليس غريبا بناء على هذه الروحانية أن المسيح لم يوصِ بحروب من أجل توسيع أملاكه السياسية أو لقتل خصومه ومن لا يؤمن به. وجهّ ثورته الدينية إلى قلب الانسان، والعمل الصالح والسماء هما الهدف، ولم يدعُ للإنتقام ممن يتركه أو لا يؤمن بأفكاره، وذكر في تطويباته صنّاع السلام وجعلتهم أبناء الله.

المسيح في ثورته الدينية ترك أقوالا وأمثلة ولم يترك نصاً جامداً موحى به أو منزّل، رغم أنه "كلمة الله"، ليتخبط أتباعه في تصنيفه؛ هل هو نص تاريخي تؤخذ العِبر منه، أو نص نهائي شامل لكل زمان ومكان، يصطدم بسببه أتباعه مع حركة التاريخ ويعيقون تطوّر عقولهم، ما يدفعهم إلى أزمة وراء أزمة والخروج من الحاضر لعبادة الماضي.

المسيح لم يجعل طريق الجنة يمر عبر إراقة دم الآخرين بحروب مقدسة تشترك فيها الملائكة ويتدخل الله فيها أحياناً لنصرة المؤمنين. لم يسفك الدماء ولم يتورط في قطع طريق أو إبادة عرقية.

المسيح لم يقل أن الأيمان بدعوته معناه تكفير ومعاداة أي كيان اجتماعي لا يدين بها. هكذا انتمى المسيحيون منذ بدايتهم للإمبراطورية الأشورية والرومانية والبيزنطية والساسانية والفارسية وغيرها، وانتموا بعد ذلك للدول المختلفة بدون أي مشاكل في الانتماء أو انفصام الهوية أو معاناة تقية الانتماء المزدوج أو رهبة ضياع كيانهم. كان المسيحيون كما هم في أي مكان وزمان، يقبلون ما حولهم ويتفاعلون معه.

ليس غريباً أن تنشأ من أتباع المسيح منظومة حقوق الإنسان وأعظم فكرة عن الدولة بجعلها عَلمانية محايدة تنظر إلى جميع مواطنيها بشكل متساو، لأنه كان شخصياً مواطناً صالحاً مهّد بدون أن يدري لعلمانية الدولة مستقبلا "أعطوا ما لقيصر لقيصر وما للّه للّه"، رغم أنه لم يحمل مواطنة الإمبراطورية الرومانية.

ليس غريباً نشأة فكرة تقديس الحرية والايمان بالفردية من أتباع المسيح، لأنه حررهم من الرعب من الله والانسان الآخر وزرع فكرة محبة الله للإنسان في قلوبهم عوضاً من الخوف منه، ومحبة الآخر عوضاً عن التوجس منه.

كان المسيح انساناً حراً لم يتدخل في شؤون مريديه العامة ولم يسّن لهم أساليب حياته في الخاصة كطريق يجب ألاّ يحيدوا عنه.

لم يزرع المسيح في نفوس أتباعه عقيدة عدم وجود قيمة لهم بعيداً عنه، والنتيجة أن كل ما كتبه أتباعه لم يكن مجرد هوامش وتفسيرات وتبريرات وترقيعات لنصه الجامد وما قاله وتقولوا عنه، فكان طبيعياً أن تضيف ثقافاتهم وحركة التاريخ روحا جديدة وفهما متجدداً لما تركه المسيح من سيرة ذاتية، دونها غيره كلٌ حسب إيمانه الشخصي ورؤيته وما فهمه منه ومن رسالته.

تعاليم المسيح تحث على السلم الأهلي وتبعث الطمأنينة النفسانية وتوحي للإنسان بالسمو في مواجهة الشر.

المسيح لم يحمل أسلحة. فسروا ذلك بأنه كنت مستضعفاً. أغفل المفسرون أن كثيراً من مستضعفي الدنيا وحتى حثالتها حملوا سلاحاً وصاروا ثواراً أو قاطعي طرق أو زعماءً أو متمردين بعدما تعاظم حولهم المستضعفين والمرتزقة والصعاليك والمستفيدين والخائفين من سيوفهم.

المسيح أكل كل الأطعمة وشرب الخمرة، وقال أن ما يُدنّس الانسان هو الشر الذي يضمره في عقله أو يقوله لسانه وليس ما يدخل معدته، فكان صاحب أول ثورة على الادبيات الإبراهيمية كافة التي تعادي بشكل غير مبرر بعض الأطعمة والحيوانات والحشرات، وهذه المعادة تدخل في صميم ايمانهم ومن شروط دخول الجنة.

شكراً أيها المسيح لأنك حملت رسالة بسيطة هي المحبة والإنسانية والنخوة للمساعدة، وتركت الناس يتفرغون لشؤونهم وحياتهم، ولم تجيشهم وتسخرّهم لنفسك بإسم الله فعاشوا عبيداً وماتوا جهلة.

كنت "المُعلم" و"محب البشر" كما أطلقوا عليك، والمسافة الزمنية بينك وبيننا تسمح بالحكم بأنك من أرقى وأنقى ثوار تاريخ الأديان والعبادة والصلاة والتصوف، وأنبل شخصية في الأدبيات الإبراهيمية.

ليس غريباً من ثمة أن يختار الإمبراطور الحكيم قسطنطين بدء دورة طول النهار "عيد الشمس" في الامبراطورية الرومانية كيوم ميلاد المسيح، وقد أحتُفل به منذ ذلك الوقت بإضاءة الشموع ثم الأنوار في كل الثقافات على الكوكب، ما عدا المناطق المُعتمة القلوب، لأنه الرجل الذي أنار حياة البشر بالتسامح والمحبة والسلام.

 

 

 

 


 

*الكتابات والآراء والمقابلات والبيانات والاعلانات المنشورة في اقسام المقالات والاقتصاد والأخبار لا تعبّر بالضرورة ابداً عن رأي ادارة التحرير في صحيفة بيروت تايمز، وهي غير مسؤولة عن أي نص واو مضمونه. وإنما تعبّر عن رأي الكتاب والمعلنين حصراً.

 

<script async src="https://pagead2.googlesyndication.com/pagead/js/adsbygoogle.js?client=ca-pub-7010601070604374"

     crossorigin="anonymous"></script>

 

Share

Comments

There are no comments for this article yet. Be the first to comment now!

Add your comment