بسام ضو *
هناك خطر وجودي يتهدّد المسيحيّن وبمختلف مذاهبهم وطوائفهم وهم يتعرّضون لخطر على ما يبدو من الخارج عبر مخطط سبق، أما على الصعيد الدول المشرقية فقد عاشوا أهل ذمّة لا أكثر ولا أقل وعند أول تجربة بان الخطر ورُحِّلوا إلى دول رُسِمَتْ لهم مُسبقًا . والخطر الأكثر ضراوةً هو الخطر الداخلي وهو يكمن في ديناميات الداخل وهو مرسوم على شكل قادة رأي علمانيين وروحيين تكيّفوا مع المؤامرة وماشوها خطوة خطوة ولبسوا ثوب الحمل الوديع وقضوا على أي قوة مسيحية قوية سواء أكانت سياسية – إقتصادية – مالية - دينية – إجتماعية – تربوية عسكرية...
المُلفت أنّ هذه القوى المسيحية الخنوعة تحظى بإعتراف من قبل الفاعلين على المسرح السياسي الدولي وهما يُخططان ويعملان لإبادة الحضور المسيحي والأدلّة كثيرة على هذا الأمر وتكفي الإشارة إلى ما حصل لدى مسيحيي المشرق العربي وما يحصل حاليًا لمسيحيي لبنان، وهذا الأمر يحصل وفق خطة ممنهجة يتغاضى عنها كل من تبوأ السلطة في لبنان علمانيًا أو إكليروسًا والخطة التي تكشّفت ملامحها لأكثر من متابع تتلخّص بعدة نقاط نوجز الأهم منها وهي على الشكل التالي : الخطوة الأولى تبلور تحالف أممي – داخلي(مسيحي) ضد الوجود المسيحي في لبنان، ثانيًا – إضمحلال الوجود المسيحي جغرافيًا على الأرض اللبنانية، ثالثًا – ضرب البُنى العسكرية للمسيحيين وعدم حثّهم على الإنخراط في المؤسسات الأمنية التي كانوا يشغلون أغلبيتها، رابعًا-عزل المسيحيين عن بعضهم البعض ورهنهم لمنظومات سياسية معينة، خامسًا-فقدان الهوية المسيحية والعمل الديمقراطي .تلك هي أبرز النقاط المُشار إليها وللبحث صلة.
للتوضيح وخصوصًا لمن يعتبرون أنفسهم في طليعة المدافعين عن المسيحيين في لبنان والشرق، ومن الملاحظ وفق ما جرى من لقاءات مع أكثر من مرجعية دولية هناك العديد من الإحتمالات التي يسعى أصحابها والذين لديهم القدرات والمحفزّات وهدفهم وضع المسيحيين أمام خطر تهديد وجودي بات أمرًا واقعيًا في المدى المنظور بسبب بعض الظروف المحليّة ( سنشرح الظرف المحلّي في مقالة أخرى)، وأهم هذه الظروف هي الانقسامات المسيحية السياسية والفكرية وعدم وجود قوة موّحدة كافية وتراجع في التأثير السياسي المسيحي على مستوى سلطات القرار، ونظرًا إلى خطورة المرحلة إننا كباحثين نراقب تقلبات إستراتيجية مرتقبة ومحتملة يمكن أن تخلق جوًا ديموغرافيا جديدًا على مستوى الخريطة السياسية اللبنانية ستُحدث إنقلابًا جذريًا في الحضور المسيحي ممًا يفقد المسيحيين قدرتهم الحضورية على المسرح السياسي اللبناني والأمر ينحصر بثلاثة عوامل نعتبرها من أخطر المراحل التي ستمُّر على المسيحيين وهي مفصلة على الشكل التالي:
- هناك عمل دؤوب لتعزيز دور المسيحيين المرتهنين لهذا المشروع وطلائعهم باتت ملموسة لدى أغلبية الرأي العام وهم يُمارسون أعلى درجات السلطة وتهدف هذه الإستراتيجية إلى تقديم المساعدات لهؤلاء المسؤولين لضمان إستقرار وتنفيذ مشروع الهيمنة والتهجير المبرمج بعدة وسائل منها اقتصادية مالية – اجتماعية – سياسية – أمنية – ديموغرافية، وما عداها من ضغوط باتت ملموسة تُمارس على أكثر من صعيد .
- تحسين الدفاع عن المرتهنين لدى بعض المحافل الدولية ولا داعي لذكرها وهي مناقضة للأحلاف القائمة من خلال التقدم في مشروع تسوية وهمي وتعميق التعاون المتعدِّدْ المجالات مع إعلاء قيمة الراّعين لهذا المشروع الهمجي التهجيري الممنهج .
- تحسين صورة الحُكّام المرتهنين على مستوى الداخل من خلال بعض الخدمات التي تؤمّن للمرتهنين، لأنّ المّسْ بالأمن الاجتماعي للمرتهنين يُفجِّرْ غضبًا واسعًا وعاملاً محركًا لأنصارهم مع عوامل أخرى لتبلور مثل هذا المشروع التهجيري ضد المسيحيين .
وسط ما يُحاك من مؤامرة، ووسط الانقسامات المسيحية الداخلية، ووسط ما يحصل في الكواليس أثناء الجولات التفاوضية والتي تدخل القضية اللبنانية الحيّزْ الأكبر فيها لأنّ الورقة اللبنانية بيد اللاعبين الإقليمي والدولي، بدأ المسيحيّون يتحوّلون جائزة ترضية ويجتمع الكل عليهم سلبًا... ولنقرأ التاريخ بإسهاب لم يرحل المسيحيّون شرقًا في حينه لأنه في تلك الأيام كانت مملكة بني أميّة وبني العبّاس، ولم يرحل المسيحيّون شمالاً لأنه في تلك الأيام كانت الأمبراطورية البزنطية، وعمليًا لم يبق لهم إلاّ لبنان الذي هو حُكمًا مسقط رأسهم والغرب من البحر والذي دعاهم إليه فرحلوا حيثما رحل السالفون من قبلهم إلى العديد من الدول ومنها قبرص – مالطة – أوروبا – أميركا، وللأسف لم تنته إلى الآن فصول الهجرة ...
كثر من قادة الرأي لم يقرأوا بتمعُّن أصول الأزمة وخطورتها، فجميعهم قرأوها كما طاب لهم فكانت الويلات والميليشيات والسلاح المتفلّتْ والقتل على الهوية والتشريد والإقتتال الداخلي – الداخلي وسالت دماء الأبرياء ثدًا وأغلبية المسيحيين لم يفهموا حقيقة الأمر في حينه وأظن وفقًا لكوني أنتمي إلى بيت من أصول بلاد جبيل أنّ العميد ريمون إده كان محقًا في مواجهة بعض المسيحيين ذات التأثير الميليشياوي والذي قرأ في حينه خطورة تغلغل التأثير الفلسطيني إلى الشارعين المسيحي والإسلامي في لبنان ولكنه كان يأخذ بالإعتبار الميحط الشرق الأوسطي، ويعمل على تجنُّب إنقسام مسيحي – إسلامي حاد بين اللبنانيين.
وفي الوقت نفسه لم يكُن راغبًا في أن يستأثر بعض القادة المسيحيين بكامل الزعامة المسيحية . أشهد أني عندما أقرأ تلك المراحل أستخلص أنه لم يكُن عند قادة الرأي المسيحيين في حينه الوعي الكامل للتجربة اللبنانية لأنهم إعتقدوا وللأسف أنّ كل اللبنانيين لديهم إنتماء واحد هو ل لبنان .
مشكلة المسيحيين أنهم يُحاطون بعاملين الأول قادة رأي خُصيان، وثانيًا بيئة غير قادرة بقواها الذاتية على تطوير نفسها سياسيًا وإقتصاديًا وتربويًا قبل أن تعمل على معالجة العديد من المشاكل المهمّة والتي تندرج في عدة عوامل نذكر أهمها:
- وجود أنظمة دكتاتورية تحيط بالجغرافية اللبنانية ولها العديد من الأطماع التوسعية.
- وجود زعامات مسيحية مرتهنة .
- التخلّف الإقتصادي وإنعدام الخطط الإستراتيجية.
- تنامي العمالة للغرباء .
- غياب الفكر المتنوّر والمتحرر وتغلُّب الإنصياع والهمجية وقلّة المسؤولية .
- تهميش دور الشرفاء من قبل الكنيسة وقادة الرأي المرتهنين وهنا تتلاقى مصلحة الطرفين في عدم المساعدة.
- السياسات الغربية والمشرقية المنحازة للأمر الواقع .
هذه المشاكل التي عددناها هي السبب الرئيسي في هجرة المسيحيين إلى بلدان العالم حيث من الممكن أن تتوفر لهم الشروط المنصوص عليها مبدئيًا في شرعة حقوق الإنسان، إنّ التهديد الوجودي لا يفهم كامل قوته إلاّ الشرفاء الذين يدركون خطورته . هل يعلم رؤساء الطوائف المسيحية أنّ المسيحيّن باتوا يشكلون حوالي 30 إلى 35% من مجموع سكان لبنان؟ نعم يعلمون ولكنهم يتغاضون عن قول الحقيقة ولا يواجهون، هذا الإنخفاض مرتبط بالوضع السياسي والمؤسف أنّ بعض رعاة الكنيسة أطلقوا على السياسيين لقب "الأقطاب" وتناسوا عمدًا خطورة أدائهم الدموي في مراحل سابقة والمُشكلة الأكبر أنّ هؤلاء الإكليريسيّون تجاهلوا ما فعله السياسيّون من مشاكل والتي أوصلت إلى إتفاق الطائف الذي إنهى حروبهم المدمّرة فعليًا ولكن عمليًا ألغى الكثير من المزايا التي كان المسيحيّون يتمتعون بها، ناهيك عن زعامات مارونية تدعم مُسلّحين غير شرعيين يُشكّلون خطرًا إيديولوجيًا على الوجود المسيحي... هذا ما يدفعنا إلى القول وبحسرة إنّ المسيحيين يحتضرون ديمغرافيًا وحضاريًا وسياسيًا، والأمل برب العالمين عملا بما ورد في الكتب المقدّسة .
*كاتب وباحث سياسي لبناني
*الكتابات والآراء والمقابلات والبيانات والاعلانات المنشورة في اقسام المقالات والاقتصاد والأخبار لا تعبّر بالضرورة ابداً عن رأي ادارة التحرير في صحيفة بيروت تايمز، وهي غير مسؤولة عن أي نص واو مضمونه. وإنما تعبّر عن رأي الكتاب والمعلنين حصراً.
<script async src="https://pagead2.googlesyndication.com/pagead/js/adsbygoogle.js?client=ca-pub-7010601070604374"
crossorigin="anonymous"></script>












12/18/2021 - 13:01 PM





Comments