حسن الخطيب
عندما أشرع في كتابة أي مقال، أحاول البحث عن موضوع جديد يحمل في طياته نفحة أمل بعيداّ عن أخبار الواقع اللبناني المتهالك والمجبول باليأس و الحقد وانسداد الأفق. منذ فترة ليست بقصيرة وأنا أريد الكتابة عن السيدة فاتن مرعشلي وابنها محمود الذين تعرفت عيلهما قبل سنوات خلت من خلال الحلقة الشهيرة في برنامج "أحمر بالخط العريض". منذ هذه الحلقة، شّلكت فاتن وابنها محمود مصدر إلهام وأمثولة في الكفاح والصبر والألم والأمل ومحاربة اليأس والتطلع إلى المستقبل.
بدأت القصة منذ زمن طويل حين أخبر الطبيب فاتن أنّ ابنها محمود البالغ من العمر سنتين مصاب بالتوحد. ومنذ ذلك التاريخ، تغير كل شئ ولم تعد الأشياء هي نفسها. من الصعب اختصار رحلة فاتن بكلمات قليلة نظراً إلى أنّ هذه الرحلة كما تصفها فاتن نفسها كانت سفراً طويلا تضمن مراحل عديدة ومواقف لا تنتهي وتقلبات ورحلة غوص في أعماق العلم والذات و النفس البشرية. هي أشبه برحلة مركب في بحر هائج، مركب تتقاذفه أمواج الحيرة و الأمل و الإرادة والتغلب على الذات بغية الوصول إلى شاطئ الأمان، مع العلم أنّ هذا الشاطئ مجهول المعالم وأنّ توقيت الوصول ليس بيد البحار نفسه.
من يتابع قصة فاتن، يدرك أنّ معركتها هي ومحمود مع التوحد شملت حروباً امتدت لسنين طويلة على أكثر من صعيد. كان عليها تقبل المرض، كان عليها تثقيف نفسها لفهم المرض وتقبله، كان عليها إدارة العلاقة ما بين محمود وإخوته مع الحرص على عدم تحول الإهتمام بمحمود إلى مصدر غيرة للعائلة، كان عليها التغلب على ذاتها في كل مرة قرع اليأس بابها، كان عليها العودة إلى مقاعد الدراسة من جديد، كان عليها محاربة نظرة الناس والمجتمع. نعم، فاتن فعلت كل هذا بصمت على مدار سنوات لا تحصى ولا تعد.
أنا من أشدً المتابعين للسيدة فاتن وابنها، أتابع أخبارهما بإخلاص عبر صفحتها التي تحولت إلى صفحة إرشاد وتوعية حول ظاهرة التوحد، حيث تقوم السيدة فاتن بمشاركة تجربتها وإعطاء النصائح اللازمة حول كل ما يتعلق بكيفية تسهيل حياة الفرد المصاب. وقد أكسبتها تجربتها العميقة خبرة كافية لا حول كيفية التعامل مع المرض فقط، بل حول تثقيف النفس فيما يتعلق بطبيعة وتحديات هذا المرض. وهوما يجعل التقبل أسهل ويسّهل عملية التفاعل والتجاوب مع الشخص المصاب.
تتابع السيدة فاتن رحلة البحث عن الأمل، وقد انضمت مؤخراً إلى "قرية سند" بدبي والتي تعتبر أكبر مركز لتأهيل أصحاب الهمم في العالم، حيث تطمح السيدة فاتن إلى لعب دور أكبر في توفيرخدمات التدريب والتأهيل لدمج أصحاب الهمم مع المجتمع باستخدام الموسيقى والفن وطرق متعددة أخرى.
لقد أصبح "فاتن ومحمود" مثالاً وعنواناً لمعركة ضروس لا مكان للإستسلام فيها. كل التحية للسيدة فاتن التي أصبحت نموذجاً يحتذى فيه في العالم العربي. وكل التحية إلى بطل القصة "محمود" الذي يبهرنا يوماً بعد يوماً بمدى تقدمه وصلابته ومواهبه وجمال قلبه ووجهه.
*الكتابات والآراء والمقابلات والبيانات والاعلانات المنشورة في اقسام المقالات والاقتصاد والأخبار لا تعبّر بالضرورة ابداً عن رأي ادارة التحرير في صحيفة بيروت تايمز، وهي غير مسؤولة عن أي نص واو مضمونه. وإنما تعبّر عن رأي الكتاب والمعلنين حصراً.
<script async src="https://pagead2.googlesyndication.com/pagead/js/adsbygoogle.js?client=ca-pub-7010601070604374"
crossorigin="anonymous"></script>












11/29/2021 - 09:59 AM





Comments