سنة على مغادرتي لبنان: شعب مسلوب الثقافة والإرادة وزعماء إمتهنوا تدمير الوطن

11/26/2021 - 14:51 PM

A

 

 

السفير د. هشام حمدان

 

قرأت ما قاله السيد وليد جنبلاط في مقابلة صحفية بأن "بلاد الأرز تفقد هويتها ومهددة بالإختفاء". تذكرت أنّه في مثل هذا التاريخ من العام الماضي، حزمنا حقائبنا، زوجتي وأنا، وغادرنا لبنان عائدين إلى الولايات المتّحدة الأميركية. لم نرحل لأننا فقدنا الأمل ببلاد الأرز، لكنني بعد هذا التصريح تساءلت هل نعود ومثل هذا القائد "الملهم" يقول مثل ذلك الكلام؟ إبتسمت. 

فمن يعرف السيد جنبلاط يدرك أنّها "شلحة من شلحاته العديدة". وكالعادة هي "شلحة" لا تحسب حسابا لآثارها السلبية على المواطن والوطن. فالبنسبة للبنانيين بشكل عام، وبعض الدروز بشكل خاص، ما يقوله السيد جنبلاط هي قراءة في ما يعرفه الرجل، عن أسرار لبنان، ومخططات الآخرين بالنسبة لمستقبله. كثيرون من الذين هم مثلي في المغترب، تساءلوا إذا انت هذه هي قناعته، فلماذا يدعو الإغتراب للتصويت؟ 

عندما غادرنا لبنان حملنا بعض الثياب وما نحتاجه لرحلة لم يكن مقررا لها، أن تزيد عن الشهرين. كنا قد إشتقنا كثيرا لأولادنا، بعد أن فرضت كورونا علينا بعدا قسريا عنهم، لسنة بكاملها. وإشتقنا لأحفادنا. كما أنني كنت أتطلع أيضا، لمعاودة التواصل مع جامعتي في أوستن. فأنا باحث زائر في جامعة تكساس في أوستن منذ أيار 2019، وأكتب بحثا عن بناء السلم بعد النزاع في لبنان. وكنت سافرت إلى لبنان في تشرين الأول من العام 2019، لمتابعة برنامج بحثي بهذا الصدد، بالتعاون المشترك بين جامعتي في أوستن، والجامعتين الأميركية وسيدة اللويزة في لبنان. إصطادتني الثورة كما غيري، ثم كورونا، ثم تفجير 4 آب 2020. إندفعت أعمل لتعريف الثوار بالواقع الدولي الجديد. وقمت بعد جريمة تفجير المرفأ بتاريخ 4 أب، ونزولا عند رغبة أصدقاء، بإنشاء ملتقى "متّحدون من أجل العدالة للبنان وشعبه"، بغية تعريف اللبنانيين بأنّهم ضحايا، وبغية صياغة القواعد القانونية الدوليّة للحقوق والموجبات الوطنية، للبنان واللبنانيين في القانون الدولي العام. أنجزنا هذا الهدف ووضعنا هدفا للمرحلة الثانية، وهو إنشاء منظّمة خاصّة تعنى ببرامج بناء السلم بعد النزاع في لبنان. كان هذا وعدي وما زال، لمن تعاون معي في إطار الملتقى. بحوث بناء السلم بعد النزاع هي المدخل الضروري، لمساعدة المجتمع الدولي في تحديد البرامج المطلوبة لإعادة بناء أنظمتنا الوطنية المختلفة على أساس القواعد الدولية الحديثة. 

لم أنقطع يوما عن متابعة "النضال" من أجل لبنان. هو يسكن في أعماقي ليس لأنّه وطني فحسب، فالعالم اليوم هو قرية كونية، وكل بلد يمكن أن يكون وطنا جديدا لكل منا. لكن لبنان وطن مميز جعله الله نموذج الرسالة، فحولوه إلى ساحة حروب، وضاعت فيه قيم الحق والكرامة والإيمان والعدالة. لا فرق بينه وبين فلسطين. وكم تذكرت ما قاله الشيخ بيار الجميل للسيد عرفات ، أواخر الستينات، من أن تحويل لبنان ساحة لحروبهم، سيجعله القضية وتضيع قضية فلسطين. كانوا رجالا يعرفون معنى السيادة الوطنية، وقيمة الإستقلال، ومغانم الحرية.

أما الآن فمن يحكمنا هم أمراء حرب، ترعرعوا على سفك الدماء، والقتل، والتشريد، والخوّات والتفريق. من يجرؤ على انتقادههم؟ شبيحتهم جاهزة لمعاقبة كل صوت حر. أمراء الحرب لم يعتادوا التخطيط السياسي الإستراتيجي. هناك في الخارج من يضع هذه الإستراتيجيات.هم اعتادوا التخطيط الإستراتيجي الحربي. والتخطيط الحربي هدفه تنفيذ الاستراتيجيات السياسية. لذلك هم لم يكونوا يوما أصحاب قرار بشأن لبنان ومستقبله، بل متلقين يستمعون لمن يضع تلك الإستراتيجيات وينفذون المطلوب لتحقيقها. عقلية الحرب تعشعتش في عقولهم. فكيف سيقوم مثل هؤلاء ببناء هذا الوطن وإعادته أهزوجة في العقل البشري كما كان قبل الحرب؟ هم أصلا مستمرين لأنهم ما زالوا يخدمون ويفيدون من يقيم الإستراتيجيات السياسية. لذلك فإن كلام جنبلاط، يقع في خانة ما ورده من إستراتيجية سياسية خارجية وهو يبحث عن دوره الحربي في إطارها. 

أعلم أنّ هذا الكلام سيزيد من نقمة بعض أهلي. لكن مهلا دعونا نسال وبهدؤ. كيف بدأ وليد جنبلاط وباقي أمراء الحرب المقيمين على السلطة، أدوارهم في اللعبة السياسية في لبنان؟ الأستاذ جنبلاط ورث "زعامة" الدروز من والده المرحوم الشهيد كمال جنبلاط. أنا كنت حاضرا يوم وقف سماحة شيخ عقل الطائفة الدرزية محمد ابو شقرا في باحة المختارة، ووضع على كتفيه العباءة وقال : "مات الزعيم، عاش الزعيم". كنت أعيش يوميات كمال جنبلاط خلال حرب السنتين. لم يكن السيد وليد شريكا له في مسيرته السياسية. من عاش تلك المرحلة، يعرف أن جنبلاط الإبن، كان يعيش حياته الخاصة لا هوادة. ربما لهذا السبب يسعى أن يكون إبنه السيد تيمور إلى جانبه، فلا يتسلم مكانة بمثل هذا الحجم من دون استعداد مسبق. 

الأستاذ وليد جنبلاط إستلم قيادة في حالة مخيفة من الفوضى والتشتت. كما أنّه وصل إلى هذا الموقع في ظرف غير اعتيادي تبع إغتيال والده، على أيدي النظام السوري، الذي كان يحكم بآليته العسكرية وفكره الإستراتيجي السياسي الإقليمي والدولي، كل لبنان. وسرعان ما وجد حوله جماعة من مرتزقة النظام السوري من دروز أو غير دروز، يقتلون ويسفكون الدم المسيحي في محيطه، بحجة إغتيال كمال جنبلاط. كانت رسالة واضحة من هذا النظام: إما الخضوع أو نغرقك في بحر من الدماء لا تعرف عقباها. سار على هدى الإستراتيجية السياسية للرئيس حافظ الأسد. السيد جنبلاط لم يكن يوما مقررا في الحالة السياسية للجبل، فالمقرر كان الرئيس حافظ الأسد. كم ضحكت يوم قرأت أنّه جمع قياديي حزبه، ليذكرهم بموقف النظام السوري إلى جانبه، في معركة سوق الغرب عام 1983. هو من كان يقف إلى جانب النظام السوري وليس العكس. حرب سوق الغرب كانت حرب النظام السوري الذي صمم بتأييد سوفياتي، أن يقضي على مشروع الرئيس رونالد ريغن الأميركي للسلام في الشرق الأوسط.

ذلك المشروع كان يفترض أن يبدأ بوقف حرب لبنان وسحب كل القوات الأجنبية منه: الإسرائيلية والسورية والمسلحين الفلسطينيين. وكان يفترض ان يضم المشروع سورية ايضا، لكن الحرب الباردة بين الجبارين قلبت الموازين. ويقول الوزير إيلي سالم في مذكراته، أن السفير السوفياتي سولداتوف، جاءه بعد توقيع إتفاق 17 أيار 1983 مع إسرائيل، وهنأه معتبرا أنّه اتفاق جيد، وأنه الأول والوحيد في العالم العربي، الذي يؤدي إلى إنسحاب إسرائيلي، من دون توقيع معاهدة سلام معها. لكن سولداتوف أضاف: "أنا هنا لأعمل كل جهدي لإفشال السياسة الأميركية في لبنان والمنطقة". لقد دفع الجبل ثمن رفض إتفاق 17 ايار في حينه. فسادت المجازر الدموية التي أعدت لها إسرائيل بين الموارنة والدروز. تماما كما فعل النظام السوري عندما أقام المجازر التي تبعت إغتيال كمال جنبلاط. في حينه، رضخ الأستاذ جنبلاط للنظام السوري، أما في موضوع إتفاق 17 ايار، فهو لم يكن صاحب القرار بل كان النظام السوري، وعليه كان يجب أن يرفضه مهما كان الثمن. وهكذا فإن كل أبناء الجبل تحولوا إلى ضحايا.

بعد هذا التصريح الجنبلاطي أسال نفسي ما فائدة العودة إلى لبنان؟ نحن لدينا إقامة قانونية في أميركا منذ عام 2013. لكنني لم أسع للحصول على الجنسية. وعندما تقدمت طوعا عام 2016، بطلب تقاعدي من عملي الدبلوماسي، لم أسع أن أشحن أغراضي وأسافر برا إلى أميركا، لأكون قريبا من أولادي وأشقائي، فاشتري بيتا واستقر نهائيا، في حضن هذا البلد العظيم. قررت في حينه، العودة إلى بيتي في البنيه، لأكون جانب والدتي التي كان قد تقدم العمر بها. أنا بنيت حلما لتقاعدي، كان لبنان ركيزته. فأقمت منزلا في ضيعتي دفعت من أجل استكماله، كل جنى عمري. أردت أن يعود أولادي إليه. أردت أن أعيش وأموت لبنانيا، بين أحفادي، وأدفن في لبنان، بعد أن أفنيت عمري في خدمته. ظلّ الأمل يغلبني وما زال، أنّ لبنان سيعود إلى دوره التاريخي. كنت واثقا أنّ اللبنانيين سيعودون إلى أصالتهم كجسر حضاري بين الشعوب، وأنّ مغتربينا بما في ذلك اولادي وإشقائي، سيعودون إلى وطنهم الأصل. 

كنت قبلت بهدوء، أن الزعامة تجاهلت أسباب مواجهتي مع جبران باسيل الطائفي، وتركتني وحيدا خدمة لمصالحها السياسية. شعرت باشمئزاز لكنني قررت أن لا أتوقف عن استكمال ما كنت أقوم به لخدمة وطني وشعبي. وقمت رغم كل الخسارة المادية التي لحقت بي إثر تقاعدي من عملي، بإنشاء المركز اللبناني لخدمة العلاقات العربية الأميركية اللاتينية. وانطلقت جاهدا لأكمل ما لمسته من فوائد جمّة في جعل لبنان الجسر الحضاري والإقتصادي والإنساني بين أميركا اللاتينية والدول العربية. ونشرت ، بالتعاون مع دار سائر المشرق، الجزء الأول من مذكراتي الدبلوماسية التي تتصل بمهمتي في المكسيك، مبرزا سؤ السياسة الوطنية لوزير الخارجية جبران باسيل، التي دفعتني إلى مواجهته ومغادرة عملي، وكذلك الأسباب الوجيهة لقناعتي بدور لبنان في تعزيز الروابط والعلاقات بين أميركا اللاتينية والعالم العربي. 

إطلعت بعمق خلال إقامتي في لبنان، على الواقع الفكري السائد فعليا في البلاد. فعلى الرغم من موجب متابعتي اليومية للأحداث في بلدي، كما كان يفترضه عملي الدبلوماسي، إلا أنني لم أكن أدرك عمق التغيير الثقافي، الذي شهده الشعب اللبناني خلال أربعين سنة من وجودي المهني خارج الوطن. فجيلي القديم الذي عرف لبنان السيد، الحر والمستقل، غاب عن التأثير العملي في مجريات الأحداث. وصار من يدير دفّة البلاد سياسيا وإقتصاديا وإداريا ودبلوماسيا، هم من رعيل الأجيال التي نشأت خلال الحرب.

وتبين لي بوضوح، أنّ لبنان ما زال في خضم هذه الحرب، التي إنفجرت ظاهريا عام 1975، ولكنها بدأت واقعيا منذ عام 1969، وذلك حين وقّع لبنان إتفاق القاهرة المشؤوم، وسمح لقوى خارجية (فلسطينية) بممارسة قراراها الحر بالحرب والسلم من على أراضيه. فقد كان أمراء الحرب، مستمرين في الولاء للقوى الخارجية. إنتقل ولاء أمراء الحرب من ولاء للإحتلال السوري، إلى ولاء للإحتلال المقنّع الإيراني.

والشعب خلفهم ما زال مقسّما طائفيا كما كان في الحرب، يرى مصيره مرتبطا بهم كحماة لطوائفهم. وهكذا إمتلكوا وكالة شبه حصرية منه. فصاروا أصحاب القرار الحاسم بكل ما يتصل بمقدرات البلاد وثرواته. صارت المحاصصة نظام عمل وطني يتمتع من خلاله أمراء الحرب بإدارة البلاد ومقدراتها. لا وظيفة إلا بإرادتهم. ولا مشروع إلا بموافقتهم. ولا حلول لقضايا الناس إلا بتدخلهم. هم تحولوا من أمراء حرب يتقاتلون على حساب الشعب ودمه، إلى رفاق يتقاسمون ويغرفون من الأموال العامة، ودائما على حساب أبناء الشعب وما جنوه من كفاح طوال حياتهم. وبعد أن كان لكل منهم، قادة ميليشياته لإدارة دفة القتل والتشريد والدمار، صار لكل منهم سماسرته وحيتان المال في الداخل والخارج، الذين يعملون لخدمة مشاريع النهب والسرقة من أجله.

قاموا هم بتأمين الحماية السياسية والشعبية لدويلة حزب الله الإيراني وحروبه في المنطقة. فالقوى الخارجية الناشطة في رسم خارطة جديدة للشرق الأوسط، أملت عليهم ذلك. ومن لم يفعل، صار عزله، كما حصل للدكتور سمير جعجع في تسعينيات القرن الماضي. الشعب لا يحاسب. المجتمع الدولي يغدق الأموال ولا يحاسب. وحزب الله يغمض العين ولا يحاسب. وهكذا استنزفوا البلاد، وهكذا إستمر القرار السياسي الإستراتيجي بشأن لبنان، بإيد خارجية. فاستمر إنهيار الدولة لمصلحة الدويلة. واستمر لبنان وشعبه وقودا في حروب الآخرين.

بالطبع، سعيت كثيرا لمواجهة هذه الثقافة، سواء من خلال كتاباتي، أومحاضراتي، أو أنشطتي العامّة، أو خلال لقاءاتي. شرحت كثيرا التطورات التي شهدها العالم منذ بداية التسعينات، وحقيقة ما يجري في الشرق الأوسط. ودعوت إلى اعتماد الحياد الإيجابي مخرجا للبنان من هذه الحروب. لكن عبثا، فالزعيم هو صاحب الحقيقة المطلقة. وما يقوله هو فعل الخلاص للوطن. ومن يقف بوجهه خائن لا مكان له بينهم.

تذكرت ما قاله لي صديق إبن عائلة قانونية مرموقة قبل بضعة سنوات، من أنه ذهب يوما إلى السيد جنبلاط يسعى لديه من أجل وظيفة فأجابه: "أنت متعلم ويمكنك السفر والعمل في الخارج فلماذا تبقى هنا؟". أنا متعلم ومقيم في أعظم دولة في العالم. فلماذا سأعود طالما ان بلد الأرز إلى زوال. كم أشعر بالقنوط من شعب يرسم مثل هؤلاء السياسيين زعماء له. شعوب العالم تفتش عن القادة الذين يقيمون أوطانهم من الدمار، بينما في لبنان يتثبتون زعماء دمروا أوطانهم. وما زالوا ويبعثون فيهم كل يوم، مشاعر الهزيمة والإستسلام.

للمتابعة إستمر عمل هذا المركز حتى شباط 2019. وقد أوقفت نشاطه بعد حادثتين: الأولى حصلت خلال مشاركتي في مؤتمر كبير في "الداخلة" بدعوة كريمة من المملكة المغربية، والثانية في لقائي مع سعادة سفير دولة الإمارات العربية السابق في لبنان حمد الشامسي. فهاتين الحادثتين أشعرتاني أن جهودنا في المركز، لن تثمر ولن تؤت بالنتائج المرجوة.

فمفهوم العروبة إختلف جذريا. كنت أدرك ذلك، ولكني لم أقرن الفعل بالقناعة. وعليه، كان من الضروري البحث عن مدخل آخر لخدمة لبنان وشعبه. العروبة اختلفت. مفهوم الصراع الإسرائيلي العربي، إختلف. معالجة الحقائق كلها في المنطقة، تبدلت. لم تعد القومية (العربية أو السورية) قاعدة الصراع من أجل فلسطين، بل صار الدين هو العامل الرئيسي في تحريك الحقائق. ورغم ذلك فإننا ما زلنا نعيش ثقافة ستينات وسبعينات القرن الماضي. أذكر تماما تعليق السيد جتبلاط عن الإشتراكية في مقابلة تلفزيونية. كان محقا، فالإشتراكية انتهت، وتسود اليوم الليبرالية أو الرأسمالية.  

ولم يكن بإمكاني أن أجد وظيفة فضاقت بي الظروف المادية. حصلت على الجنسية الأرجنتينية محتفظا بخياري اللحاق بإبني. وقد شعرت والدتي بحالتي فشجعتني على السفر. كانت صحتها جيدة.

 

 

 

*الكتابات والآراء والمقابلات والبيانات والاعلانات المنشورة في اقسام المقالات والاقتصاد والأخبار لا تعبّر بالضرورة ابداً عن رأي ادارة التحرير في صحيفة بيروت تايمز، وهي غير مسؤولة عن أي نص واو مضمونه. وإنما تعبّر عن رأي الكتاب والمعلنين حصراً.

 

Share

Comments

There are no comments for this article yet. Be the first to comment now!

Add your comment