في بلاد الفضة من جديد: الأرجنتين وطني الثاني

11/26/2021 - 13:07 PM

Prestige Jewelry

 

 

السفير د. هشام حمدان

 

 غادرت الأرجنتين أوائل شباط 2013، منهيا مهمتي سفيرا للبنان في بلاد الفضة. وها أنا أعود إليها بعد تسع سنوات، مواطنا أرجنتينيا. والأرجنتين كانت أواخر القرن التاسع عشر وأوائل القرن العشرين، قبلة المهاجرين من لبنان وسورية وبلدان أوروبية وغيرها، يفدون إليها هربا من العوز والفقر والظلم والإضطهاد الذي ساد في تلك الدول. فتحت الأرجنتين ذراعيها للمغتربين ومنحتهم الفرص كلها لتحقيق احلامهم، وتحسين ظروف معيشتهم، والإطمئنان إلى الأمان والسلام في ربوعها.

كان جدي أحد الذين وفدوا إلى الأرجنتين وذلك عام 1910. جاء وحده وعلى أمل أن تتبعه العائلة عندما تستتب له الأمور ويقيم منزلا يأويهم. لكنّ الحرب العالمية الأولى فاجأته وفاجأت العائلة أيضا. فاضطرت العائلة للتريث سنوات قبل اللحاق به، وهي انضمت إلى قافلة اخرى من المهاجرين إلى الأرجنتين بعد معاناتها أيضا من فظائع تلك الحرب، مثل كل اللبنانيين الباقين.

كانت العائلة تعيش حالة من الإستقرار. وقد ولدت والدتي في حينه. لكن القدر سرعان ما لعب دوره من جديد. فقد خسرت العائلة أبنا شابا في ظرف مأساوي، فأصيبت جدتي بكآبة حادة. وعلى الأثر قرر جدي العودة إلى لبنان. وهكذا ترك خلفه كل ما بناه طوال ثلاثين سنة وعاد من أجل العائلة ووحدتها، إلى الوطن الأم.

أخفى جدي كل الوثائق الأرجنتينية كي لا يسمح بهجرة جديدة لأي من أفراد العائلة. ربما ان معاناته الطويلة بعيدا عن العائلة، ومعاناتهم، دفعته إلى إحاطتها بسياج يبقيها متّحدة ومجتمعة. ومرّت الأيام، لكنّ والدتي كانت ترنو بأنظارها دائما نحو هذا الوطن. كانت الأرجنتين حلما لا يخبو في خاطرها. وعندما تم تعييني سفيرا للبنان فيها بكت. إستجاب الله إلى دعائها فهي سترى الأرجنتين مجددا، وستعود إلى البيت الذي ولدت فيه، والمخزن الذي كانت تلهو في داخله خلال النهار. وجاءت غير مصدقة. ورافقتها إلى سان بيسنت حيث ولدت. وزرنا قبر شقيقها وكذلك البيت والمتجر. ووقفنا على أطلال محطة القطار الذي استقلته العائلة يوم غادروا البلدة، مستذكرة كيف أنّها أخرجت رأسها من الشباك لحظة تحرك القطار صارخة "تشاو سان بيسنت"، فملأ الغبار عينيها، فتوجعت، وظلّت تتوجع لعدّة أيام.

طلبت والدتي أن أستعيد لها وثائقها الأرجنتينية ففعلت. ولما استعادت تذكرتها وجواز سفرها، قالت لي لا تترك الأرجنتين، فأنا صار من حقي قانونيا ان أكتسب الجنسية. ولطالما فرحت بأن وحيدي طارق يعشق هذا الوطن، وكان يريد العودة إليه. ففي الأرجنتين عاش مراهقته. كان عمره أحد عشرة سنة عندما وصلنا إلى بيونس ايريس، وهو غادرها في الرابعة والعشرين من عمره، لكنه عاد ليكمل دراسات الماجتسير فيها، واستمر مقيما هنا.

 كنت أحترم رغبة والدتي لكن لبنان كان يسكن في ضلوعي، وكنت اشعر بحزن أن أغادره بعد كل تلك السنوات من العطاء من أجله. هناك أقمت بيتي ورسمت المرحلة النهائية لمشوار عمري. كنت أكتفي بوجود طارق هنا. فهذا كان يبعث فرحا كافيا في قلب والدتي. لكنني لم أتمكن أن أقبل الواقع اللبناني الجديد. فانا عشت حياتي ادافع عن حرية لبنان، وتاريخه، وتراثه، والكرامة الإنسانية لمواطنينا. فكيف يمكنني أن أنكفئ عن كل ذلك؟ قررت أن أطلب الجنسية وطلبتها. وقد فرحت والدتي عندما استلمت هويتي الأرجنتينية. كان ذلك قبل أربعة أشهر فقط من وفاتها.

ها أنا الآن في وطني الثاني. أعلم أن الأرجنتين تعاني إقتصاديا. فقد دفعت بلاد الفضة ثمنا باهضا لعلاقاتها العميقة مع الغرب الليبرالي. كانت الأرجنتين قبلة الدول الغربية وتبنت النيوليبرالية دون أن يكون لديها النظام الإداري القادر على كبح ومراقبة وضبط عمل الشركات الكبرى. لكن الأرجنتين ما زالت تتمتع بإرادة وطنية وتعبق في أرجائها مشاعر الكرامة الوطنية. وهي عضو في المجموعة عشرين التي تقيم النظام الإقتصادي الدولي الجديد. قد تتأخر بعض الشيء للحاق بالإزدهار الإقتصادي لدى كبرى الإقتصاديات في العالم لكنها ستفعل. لا بد من ذلك.

أنا أرجو أن أكون مفيدا لهذا الوطن لكنني لن أنسى طبعا، وطني الأم لبنان. ما يجمع لبنان والأرجنتين يمكن أن يقيم تعاونا ممتازا بينهما. سأسعى جاهدا، ووفقا لآليات العمل التي تسمح به ظروف المواطنة، أن أدفع قدما هذا التعاون. ولا شك أن سفارة لبنان تبقى هي الرمز السيادي اللبناني في الأرجنتين والذي أرجو أن أتعاون معها كأحد أعضاء الجالية، لهذا الغرض. 

 

 

 

 


 

*الكتابات والآراء والمقابلات والبيانات والاعلانات المنشورة في اقسام المقالات والاقتصاد والأخبار لا تعبّر بالضرورة ابداً عن رأي ادارة التحرير في صحيفة بيروت تايمز، وهي غير مسؤولة عن أي نص واو مضمونه. وإنما تعبّر عن رأي الكتاب والمعلنين حصراً.

 

 

Share

Comments

There are no comments for this article yet. Be the first to comment now!

Add your comment