المحامي فؤاد الأسمر
عندما تولى القاضي النزيه المثقف والمتجرد طارق البَيطار مِلَفّ التحقيق بانفجار مرفأ بيروت رددت مع الكثيرين عبارة : " الله يحميه ويعينه تجاه العصابات المجنزرة التي ستواجهه".
فترة من الصمت ودرس الملفات تلت استلامه للملف، تبعتها بعض الاجراءات التحقيقية، الى ان كان قراره بطلب الاذن بملاحقة عدد من كبار الرؤوس في الدولة واستدعاءهم للتحقيق بصفة مدعى عليهم.
شكّل قرار القاضي البيطار صدمة ايجابية لدى اللبنانيين عامة والضحايا وذويهم خاصة حول جرأة وأهمية وجدية هذا القرار.
ان قرار القاضي بيطار ليس مجرد قرار قضائي ولا اجراء تحقيقي انما هو خطوة حاسمة باتجاه القرار "الكلمة Logos" والتي ما قبلها شيء وما بعدها كل شيء.
انها انبلاج الشعلة الخافتة لتشق غياهب العتمة وتكسر سلطان الموت ويتفجر معها نور قيامة القضاء، وتشرق شمسه القوية الفاعلة لاغمر لبنان وشعبه واراضيه ومؤسساته.
انها انتصار الدم والدمع والمأساة على وحشية البارود وغطرسة القوة، انتصار الحياة على الموت، انتصار الكرامة على ذلّ الخنوع.
انها "كلمة" استعادة القضاء لحضوره ودوره ومسؤولياته كسلطة محاسبة ومحاكمة، بعد ان عرف هذا القضاء، لعصور، استتباعاً للسلطة السياسية التي وضعت يدها عليه من خلال التشكيلات والتعيينات والمناقلات ومحاباة البعض على حساب الآخرين.
انها "الكلمة" التي تهزم الباطل وتردع الجريمة وتقصي الشر وتجازي المجرمين وتحاسب الفاسدين وتقوّم الاعوجاج.
انها "كلمة" نهضة القضاء الذي يقف امامه الجميع متساوين في الحقوق والموجبات، دون تمييز بين سياسي او مسؤول او موظف رسمي او مجرد مواطن عادي، فلا كبير ولا صغير امام القضاء بل مجرم يحاكَم ويحاسَب وبريء يُترك حراً وصاحب حق ينال حقه.
انها "الكلمة" التي صنع فيها القضاة رقيّ اممهم وحققوا مجد اوطانهم وحافظوا على كرامة شعوبهم ودافعوا عن ثروات اوطانهم وجابهوا بحزم كل اعتداء على بلادهم او ارضهم او شعبهم فشمخت بهم اوطانهم واستحقوا بأن يتربعوا وساماً على صدر تاريخها.
لا قيامة لوطن ولا نهضة لمؤسساته ولا انتظاماً لعمل سلطاته واداراته الا بتحقق قضاء قوي فاعل نزيه وعادل.
ان قرار القاضي البيطار الجريء والمضي به وتحقيق غاياته بكشف تفاصيل جريمة العصر والاقتصاص من المجرمين، أياً كانوا ومهما علا شأنهم، هو الفيصل بين قضاء قديم انهكته السياسة وفسادها، وبين قضاء جديد مرتجى يقول كلمته ويعيد مجد لبنان ويصنع التاريخ.
فهل سنشهد على تحقق معاني هذه الكلمة التاريخ؟.
* الكتابات والآراء والمقابلات المنشورة في اقسام المقالات والاقتصاد والأخبار والاعلانات عامة لا تعبّر بالضرورة ابداً عن رأي ادارة التحرير في صحيفة بيروت تايمز، وإنما تعبّر عن رأي الكتاب والمعلنين فيها حصراً.











07/08/2021 - 12:48 PM





Comments