د. إسراء شاكر*
قبل أن أُحدِّثكُم عن صاحب العنوان، اسمحوا لي أن أُقدِّم لكم عرضاً وافيّاً للكلمة؛ التي رافقت اسمه، فـ " اللوكَي " كلمة عراقية تعني: الشخص المُتملق، كثير المجاملة، والذي يتودد لشخصٍ معين، وينافق من اجل الوصول الى مصالِحه، أو هو الشخص الذي يتملق لِمن هو أعلى رتبةً منه، أو ذاك الذي يتدخل في أمورٍ عدّة.
تأتي أيضاً كوصفٍ لشابٍ سيء التربية و الأدب، والبعض يقول أن أصل المفردة في الإنجليزية " Lucky "، وتعني المحظوظ، بل أن البعض يختصِرُ هذه الكلمة، ويمنحُها لقباً للدلع وهي " لولو". هذا باختصار ما استطعت أن احصل عليه مِنْ معانٍ لهذهِ المفردة.
الآن؛ هل تسمحون لي أن اصف لكم حيدر الذي أكتبُ عنه، والذي ابتسامته تساوي ألف ربيعٍ عراقي نسمع عنهُ ولا نعرفُ ملامحهُ، إلَّا لحظة نقِطف الزهور، لنسرع في التخلص منها.
هذا الشخص الذي يعملُ مِنْ العاشرة مساءً، حتَّى الثامنة صباحاً لم يتغيَّب عن واجب مَنْ يعرِفهُم و مَنْ لا يعرِفهُم أحياناً. هذا الذي لم نُفكِّر بتعزيتهِ لوفاةِ نسيبه قبل أيّام؛ بل لم يُفكِّر أن يتغيَّب عن عملِه أو دراسته الجامعية، لم يتوقف عن التفكير بصناعةِ الابتسامات مِنْ خلال مبادراته الكبيرة مع زملائه كافة.
لم يسئم للحظة مِنْ مراسلة الجميع، ولا يتردد في أن يكون " طباب خير "، فهو يرفِضُ فكرة أن يرى أي اثنين على خلافٍ أو قطيعة. هذا الإنسان يزِنُ كلماته بالسُّكر قبل أن يتلفَّظها، لدرجةٍ تجعلُك تشعر إنك تستمتعُ بـ "صينية دهينة" مِنْ حلاوةِ وصفهِ للأشياء والمواقف والأشخاص. على سبيل المثال: الأسبوع الماضي قام هذا المُتملِّق بكتابة مقالةٍ، يعتذِرُ فيها لزميلهِ، لأنهُ شَعْرَ بأنّهُ قد قصَّر بحقِّهِ في تأدية الواجب مع أبنه المريض. حزنهُ الذي بدا واضِحاً في كلماتهِ وصوتهِ كان كافياً لجعلنا نهرول للسؤال عن ذلك الصديق! وفي الوقت ذاته كان يراسل كُل من يستطيع أن يصل لأخبارِ إحدى زميلاته للاطمئنان على وضعِها الصَّحي، لأنهُ يخجل مِنْ فعل ذلك، ليعود في اليوم نفسه، ليقترح أن يضع صورة زميلةٍ أُخرى على " البروفايل " الشخصي له ولزملائهِ، بمناسبة ذكرى مولِدها وصدور مجموعتها القصصية، و يجتهِدُ بالسؤال عن إمكانية الحصول على كُتبٍ تُفيده، لتطوير مهاراتهِ في الكتابةِ. يلتهِمُ الكُتُب ليعود بعد ساعاتٍ قليلة، طالِباً كِتاباً آخر. يبكي على صورةِ فراشةٍ، التقطتها إحدى صديقاته التي أرسلتها له، مُرفقَةً بالتعليق التالي: حيدر أمي الله يرحمها اليوم زارتني للبيت.
المفارقة أنك لا تُفكِّر قبل أن تطلب منه أي شيء؛ فكلمة " خادم " تقفِزُ مِنْ بين نبضاتِ قلبِه، قبل أن تُكمِل شرح ما تُريد. هو أكثر شخص يُشعِرُك بالخجل من شِدَّة عطاءه. هو بالمختصر يُشبِهُ شخصية سبع الليل، والذي قام بتأدية دورِه الممثل الكبير أحمد زكي- رحمهُ الله - في فيلم ( البريء )، والذي أختار أن يتقبل عقاب آمِر وحدتهِ، على أن ينال ترقيةٍ في الجيش، في سبيلِ الدِفاع عن صديقه؛ حسين وهدان (ممدوح عبد العليم)؛ الذي علّمهُ حب الوطن، ويتَقَبَلُ سُخط وغضب قائِده، لرفضِه تأدية واجبِه العسكري، لينتهي في زنزانةٍ واحِدة مع أبن قريته؛ الذي يموتُ متأثراً بلدغةِ ثُعبانٍ بين ذراعي حيدر.. عفواً "سبع الليل".
في نهاية الفيلم، يقومُ بإطلاق الرصاص على الضُّباط والجنود، لاقياً مصرعهُ بدورهِ، على يدِ أحد الجنود، بينما المعتقلون يدقون أبواب سيارات النقل الكبيرة مِنْ الداخل مُطالبين بالحرّية.
كُل ما أريدهُ منكُم الآن، هو أن تقوموا بمقارنةٍ بسيطةٍ، بين مفردة " اللوكَي "؛ التي سمحنا لنفسنا أن نُطلِقها على حيدر، في لحظةٍ التزم فيها ذلك السيء الخُلق والتربية بالصمت، وكان بمقدوره لحظتها أن يرد بعنوانٍ آخِر كتابٍ قرأهُ لـ عادل أدهم : كلماتي ليست لكم أيها الصعاليك. لكنه لم يفعل. كان بإمكانه أن يُغادِر منصة " الزووم"، لكنه كان متحمساً لقراءةِ مقال زميله؛ الذي تغيَّبَ عن المُحاضرة، ليُربكنا بإحساسهِ وصوته؛ الذي كان كما الناي: حزين ومؤثِّر، لدرجةِ أن الكثيرين مِنّا لم يستطع حبس دموعهِ.
لعل معنى كلمة " اللوكَي " بالإنجليزية، هي الوحيدة الصحيحة، في كُّلِ ما ذكرناهُ في المُقدِّمة، والتي تستحق أن ترافقنا.. نحنُ مَنْ نعرِفُ حيدر الفتلاوي حقَّ المعرِفة. ذاك الذي اختار أن يغادرنا بصمتٍ كما شمس الغروب، لينير كما الأقمار قلوبنا وعقولنا، والذي لا يرتضي إلَّا أن يكون " لوكياً " أو " لولو " بامتياز!.
* كاتبة و أكاديمية عراقية












06/04/2021 - 10:50 AM





Comments