الحريري يداوي عون "بالتي كانت هي الداء"

05/29/2021 - 15:41 PM

Bt adv

 

 

خاص بيروت تايمز- بقلم ميشلين أبي سلوم*

 

لوحظ مؤخرا أن رئيس الحكومة المكلف يعتمد سياسة جديدة قائمة على المعاملة بالمثل على غرار المثل القائل " داوني بالتي كانت هي الداء"... فمثلما سبق لعون ان وضع دفتر شروط امام الرئيس المكلف عليه الالتزام به إذا أراد أن يوقع على مرسوم التشكيلة الحكومية التي يقدمها له ، قام الحريري بالأمر نفسه ووضع دفتر شروط في المقابل على عون التقيّد به لا بل والانصياع له من أجل أن يضع توقيعه إلى جانب توقيع رئيس البلاد حتى يتسنى للمولود الحكومي أن يبصر النور.

الحريري يستخدم الأسلوب نفسه والأسلحة نفسها، لا بل يتبع المنهجية نفسها ،في لعبة عض أصابع أو شد حبال من غير الواضح إذا كانت ستستمر حتى نهاية ولاية عون مع كل ما يعنيه هذا الأمر من انزلاق البلاد نحو مزيد من الانهيارات على كل الصعد والميادين ، ولاسيّما على الصعيدين المالي والاقتصادي.

ما فعله الرئيس الحريري الذي حاز على ثقة جديدة من المجلس النيابي من خلال جلسة التداول برسالة رئيس الجمهورية، أسقط كل الاتهامات التي وجهت له بالتراخي في مواجهة عون المتصلب لأسباب نابعة من شخصيته أولاً، وبمحاولته ثانياً إنقاذ ما تبقى من صورة لتياره السياسي حاضراً ومستقبلاً بعد أن شهد عهده الرئاسي أسوأ ما يمكن أن يحصل في أي عهد ، رغم أن التشبث بالمواقف  في هذا الإطار لن يكون له على ضفتي تيار المستقبل والتيار الوطني الحر أي أثر إيجابي على الوضع المتدهور في البلاد التي تقف على ضفة الانهيار الكامل والتام.

وإذا كان الحريري لم يترك في كلمته أمام المجلس النيابي أي  ثقب صغير في جدار الأزمة يمكن الولوج منه لإيجاد حل، لا بل ذهب أبعد من ذلك" ولم يترك للصلح مطرح" على حد تعبير رئيس  كتلة نيابية وازنة عملت خلال الاشهر الماضية على محاولة التقريب بين الرئاستين الاولى والثالثة ،فإن عون وفريقه وخصوصاً صهره كان لهم الأسبقية في ذلك من خلال بذل الجهود للحؤول دون تسمية الحريري بداية ومن ثم في محاولة تكبيله بشروط  لا يمكن لأحد القبول بها بشكل عبّر بوضوح عن أن الهدف من وراء  ذلك هو العمل على دفع الحريري للاعتذار.

ولذلك فإن المعادلة "التعطيلية" اليوم تقوم على أن رحيل الحريري عن السلطة لا يمكن أن يتم إلا برحيل عون عن موقعه.

ولهذا السبب فإن ما تكرّس يعتبر أبعد من مجرد الرد على الرسالة غير المسبوقة التي وجهها رئيس الجمهورية إلى مجلس النواب ليصل إلى حدود رسم معادلة التعاطي من الآن وصاعداً بين أي رئيس جمهورية وأي رئيس مكلف بتشكيل حكومة، وفي ذلك رد من الطراز نفسه الذي اختاره فريق عون الرئاسي لخلق أعراف على حساب نص الدستور أي إن ما يراد قوله لا بل تثبيته هو أن رئيس الجمهورية الحالي الذي لم يوفر وسيلة إلا واستخدمها في محاولة استعادة صلاحيات كانت للموقع الاول في البلاد  عبر تكريس أعراف وتفسيرات للدستور ،سيواجه من الآن وصاعداً بمحاولات موازية من أجل الحؤول دون ذلك ومنع من يتربص باتفاق الطائف من تحقيق اهدافه خصوصاً وان هذا الاتفاق لم يحصل منذ إقراره وحتى الآن ما يخلّ به في ولايات سابقة للرؤساء الياس الهراوي وإميل لحود وميشال سليمان مثلما حصل في ولاية عون الحالية.

وهذا الأمر، قد يكون بالغ الخطورة في ظل الظروف الحالية ، خصوصاً وأن روحية الطائف هي روحية تسويات وتوازنات ومشاركة بين الجميع ،بصرف النظر عن عدم وضوح في هذه المادة من الدستور أو تلك أو تباين النظرة إلى ما توخّاه الذين أقروا الاتفاق الذي أنهى الحرب في بعض مواد الدستور. ولذلك فإن أي مس بهذا الاتفاق من شأنه العبث بالتسويات والميثاقية والتوازنات وعملية المشاركة التي لا يمكن للبنان أن يصمد ويستمر ويتجاوز أزماته المزمن منها والمستجد من دونها.

وقد كان الحريري واضحاً وصريحاً في رفض- تياره وما يمثل - محاولات عون وفريقه خلق أعراف جديدة تؤدي إلى تجويف الطائف أو العمل على فرض اتفاق جديد من النوع الذي يحاكي

أحلامه أو أوهامه على حد تعبير أحد قياديي تيار المستقبل ، الذي يعتبر أن عملية صرف الأنظار في البحث عن جنس الملائكة في ظل هذه الظروف إنما يراد منه كما بات مكشوفاً أمام الجميع في الداخل والخارج هو إنقاذ مشروع جبران باسيل وهو الامتداد الفعلي والحقيقي لمشروع ميشال عون ، سواء من خلال إثارة العصبيات الطائفية وافتعال الحديث عن حقوق المسيحيين كما فعل عون في رسالته الأخيرة إلى الإليزيه أو من خلال كلام جبران باسيل المثبت والموثق في روسيا ، أو من خلال رمي مسؤولية ما يحتدم في البلاد من أزمات على كل القوى الأخرى في البلاد لنفيها عن نفسه وعن فريقه ، وهو أمر اقل ما يمكن ان يقال عنه أنه مجرد عملية إمعان في التغطية على ما يحصل وكأن فريق عون ليس جزءاً من التركيبة الحاكمة في البلاد سنوات طويلة ومما شهدته على مر تلك الأعوام من أخطاء...

ومن يستمع إلى الخطاب العوني هذه الأيام، يستمع إلى الاسطوانة نفسها التي كانت وما تزال أداة تجييش وتحريض ضد الآخرين، فالمعزوفة هي نفسها يتمّ تردادها رغم أنها باتت مستهلكة ومستهجنة في ظل الظروف الحالية للبلاد، علما انها لم تكن كذلك عندما كان عون يعمل على الوصول إلى سدّة الرئاسة ويسعى وراء تفاهمات وتسويات ليصبح رئيساً. والمشكلة اليوم هي أن هذا الفريق الذي كان يوجه في السابق الاتهامات يميناً وشمالاً ضد كل من لا يشاركه الرأي والموقف في سياساته، ما زال يتعاطى بالمنطق نفسه اليوم وكأن شيئاً لم يتغير ليس فقط بالنسبة لموقعه في الحكم بل وأيضا على مستوى الأزمات الواقعة في البلاد، في تعبير صارخ عن وجود حالة إنكار غير مسبوقة يعيشها هذا الفريق.

ولعل التعبير الصارخ لحالة الإنكار هذه يتمثل في السقطة التي ارتكبها وزير خارجيته شربل وهبة بحق دول شقيقة ، قبل أن يستفيق المعنيون بالأمر من سباتهم أو حالة الإنكار التي يعيشونها في محاولة لتصحيح ما فعله وهو ما لم يكن ليفعله لولا أنه يعبر عن مناخ وأجواء وسياسات أضرّت بلبنان وعلاقاته التاريخية ومصالحه وشعبه من كل الفئات والجهات والانتماءات ومن ضمنهم بالطبع أبناء الطوائف المسيحية الذين يقول جبران باسيل أنه يعمل لضمان حقوقهم والحفاظ على مكتسباتهم.

لهذا كله فان الحريري يطبق قاعدة جديدة قوامها العين بالعين والسن بالسن ، ردا على كل ما تعرض له من إساءات ورمي للتهم في وجهه. وهو بذلك إنما يرد لعون وصهره التحية بمثلها ، كأنه بات خريج المدرسة العونية في السياسة والحكم وإدارة البلاد. والأهم من كل ذلك هو أن الحريري المدعوم من أكثرية 65 نائبا أراد القول بأنه لن يسكت أو يطنش من الآن وصاعداً على أي خطوة تصعيدية سيقدم عليها عون وباسيل في ظل ما يشاع عن أن العهد بصدد اتخاذ خطوات تصعيدية أكبر من الخطوات التي اتخذها حتى الان.

*صحافية لبنانية

Share

Comments

There are no comments for this article yet. Be the first to comment now!

Add your comment