مقالات رأي
تفكيك الخطاب الممانع وإعادة الإعتبار للمفهوم الوطني السيادي، ومواجهة أوهام “الإنتقاد الخشبي” بواقعية سياسية وقانونية صلبتها مصلحة لبنان وأهله.
بين وهم "الجهوزية" وإنهيار المروع: حين يُنقذ السلاح الإيراني نتنياهو وتدفع الدولة ثمن الخيانة السياسية..

بقلم: نزيه محمد حسن
تخرج علينا من كوكب البودكاست والغرف المغلقة في ضاحية خنقها الحرمان وأطبقت عليها الحسابات الخارجة عن الحدود، أصواتٌ تشبَّعت بالإنكار الصارم والهروب التكتيكي من إستحقاق الحساب والمساءلة.
تنطلق من حنجرة هذا المسؤول أو ذاك القيادي في “ثنائي الممانعة” عباراتٌ خشبية مستهلكة: “وضعنا ممتاز”، “عهد عون إنتهى”، و “اللعب معنا ممنوع”.
تُقال هذه الكلمات بحمولة زرقاء طافية فوق أنقاض بلدٍ أُحرق جَنوبه، وتَشرَّد مئات الآلاف من أبنائه، وتُستباح ممتلكاته، فيما يُراد من اللبنانيين ومؤسساتهم أن يقفوا مدهوشين، نصف مصفقين و نصف خائفين، أمام سراب “الإنتصار الإلهي الثاني الوهمي” ومصطلحات “الجهوزية” التي لم تُشبع جائعاً، ولم تُعِد نازحاً، ولم تُرمِّم جداراً واحداً في قرى الجنوب الذبيحة.
إن قراءة مشهد الكارثة الوطنية التي حلَّت بلبنان عموماً، وبالجنوب و البيئة الشيعية خصوصاً، تتطلَّب جرأة إستثنائية في تسمية الأشياء بأسمائها دون تعمية طائفية أو تهرب تاريخي.
وحين نضع الخطاب الممانع في ميزان الواقع السياسي والقانوني والدولي، تنكشف عورة السردية الإيرانية في لبنان، ويظهر بوضوح من قاد الجنوب والبلاد إلى محظور التطهير التدميري، ومن حاول وميزان الدولة أن ينقذ ما يمكن إنقاذه من أشلاء وطنٍ إستُبيح طيلة أربعة عقود.
أولاً: التطهير التدميري وجريمة “فتح الجبهات المساندة”، خدمة مجانية لنتنياهو..
لم يكن رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو بحاجة إلى رئيس الجمهورية اللبنانية العماد جوزيف عون، ولا إلى مؤسسات الدولة، كي يجد مسوغاً لتوسيع تدميره وإختراق الحدود وإستباحة القرى الجنوبية وتصفية قيادات الصف الأول و الثاني فيما عُرف بمعارك البياجر والتصفية الميدانية في الحانات و الملاجئ و المقرات وعلى الأتوسترادات.
لقد قدَّمت له قيادة حزب إيران و الولاء المطلق لمشروع ولاية الفقيه أكبر خدمة مجانية على طبق من ذهب سياسي وعسكري: جبهة الإسناد الإقليمية.
1- إعطاء الذريعة الكاملة للعدو.
قانونياً ودولياً، وفق أحكام ميثاق الأمم المتحدة وقواعد القانون الدولي الإنساني، حين تطلق مادة عسكرية غير تابعة للدولة مسلحة من أراضيها شرارة الحرب تجاه دولة أخرى دون قرار سيادي صريح من السلطة الدستورية (مجلس الوزراء ورئاسة الجمهورية)، فإنها تخلق بيئة بيانية تُتيح للعدو التذرع بحالة الدفاع عن النفس، وتفعيل قواعد الإشتباك الشاملة.
من جعل نتنياهو بطلاً قومياً داخل مجتمعه السياسي والعسكري بعدما كان يواجه أزمات السجن والتفكك الداخلي والرفض الإسرائيلي..؟
إنها تلك الهجمات العشوائية وحسابات “وحدة الساحات” التي مكَّنته من الظهور بمظهر “المخلِّص” الذي يقضي على المخالب الإيرانية ويلاحقها في القصور والملاجئ والشوارع.
السلسلة السببية للكارثة الجنوبية:
أ- إرتهان للإستراتيجية الإيرانية.
ب- فتح جبهة الإسناد دون قرار دولة.
ج- تدمير بنية المقاومة وإستباحة القرى.
د- تشريد أبناء الجنوب وفرار القيادات.
ه- فرض واقع إحتلالي وشروط مُذلَّة.
2- التضحية بالجنوب وأهله (التطهير العرقي و التدميري).
أولاً: إن أكبر عملية تهجير وتفريغ للجنوب من سكانه لم تكن وليدة صدفة، بل نتيجة مباشرة لربط مصير قرى الشريط الحدودي و منازل أبناء الجنوب بحروب غزة وطهران.
لقد إندفع المقاتلون والموجهون عقائدياً في هذا المسار، حتى إذا ما إندلعت الحرب الشاملة وحَصدت القيادات و الخطوط الدفاعية، وُجد الجنوب خالياً، وفرَّت فلول المجموعات العسكرية وسط الأهالي والمدنيين نحو بيروت ومناطق الإيواء، تاركة القرى والبلدات لآلات التجريف الإسرائيلية.
أي تطهير أشدَّ قسوة من أن تفرض على أهلك حرباً لا قرار لهم فيها، ثم تتركهم في الخيم والأزقة، وتُطل عليهم من المنابر لتقول: “وضعنا ممتاز، ولا نزال في أعلى درجات الجهوزية”..؟!
ثانياً: رداً على منطق الخيانة ومقولة “عهد عون إنتهى”..
حين يخرج علينا أعضاء المجلس السياسي أو النواب الممثلون للحزب لينادوا بصلف “عهد عون إنتهى” أو ليطلقوا تهديداتٍ من نوع “اللعب معنا ممنوع”، فهم ينطقون بلسان ثقافة الأستعلاء السياسي التي مهَّدت لإفلاس لبنان وإستباحة سيادته على مدى عقود.
1- موقع رئيس الجمهورية:
أ- رمز السيادة وحامي المؤسسات.
ب- إن رئيس الجمهورية العماد جوزيف عون يمثل الشرعية الوطنية المتبقية والرمزية السيادية التي تحاول إنتشال لبنان من بين براثن التفكك والعمق الإيراني.
ج- رئيس الجمهورية ليس طرفاً طائفياً، ولا هو قائد ميليشيا يحسب موازينه بالصواريخ المخزَّنة بين الأحياء السكنية، إنه رئيس كل اللبنانيين الذي يحاول ترميم مؤسسات الأجهزة الأمنية و العسكرية، والتنسيق لمنع تداخل الصلاحيات، وضمان حضور الدولة في القرى التي طهَّرها الإحتلال أو هُجِّر منها أهلها.
حقيقة سياسية:
التخوين أسهل البضائع عند القوى التي تُفلس مشروعيتها الميدانية.
لكن تحمل المسؤولية الوطنية وإعادته لبنة واحدة من لبنات الدولة تحت ميثاق الدستور هو البطولة الحقيقية التي تفضح أوهام “القبضايات”.
2- مقارنة الظلم: بين الوطنية والإرتهان لخارج الحدود..
من الظلم الفادح، بل من التجني السياسي والقانوني، مقارنة رئيس جمهورية وطني حريص على السلم الأهلي بقادة وموجهين حركتهم الإملاءات الواردة من طهران، والذين حوَّلوا لبنان من ثقافة الشرق إلى منصة لإطلاق الصواريخ وحفر الأنفاق ومسرح لإدارة تجارة النفوذ الإقليمي.
أ- من الذي عبث ببلادنا لأربعة عقود..؟
ب- من الذي فجَّر موانئ بيروت وعطل العدالة وحطَّم مفاهيم المحاسبة والقضاء..؟
ج- من الذي إغتال القادة و المفكرين و السياسيين و الأحرار من رفيق الحريري إلى سمير قصير و لقمان سليم وغيرهم كثر..؟
د- من الذي جعل من لبنان ساحة طائفية مستباحة ينتهك سيادتها السلاح غير الشرعي بقرارات خارجية..؟
الجواب يعرفه كل لبناني شريف: إنهم أولئك الذين إدَّعوا حماية البلد، فإذا بهم يُرهنونه لدولة إقليمية طالما باعت وإشترت على حساب دماء الشعوب العربية.
ثالثاً: القراءة القانونية والدولية لإتفاقات سقف الإنكسار..
طرح الشارع اللبناني سؤالاً بديهاً ولاذعاً في وجه الخطاب الخشبي:
أ- إذا كانت الصواريخ متوفرة بكثرة، والوضع ممتازاً، والجاهزية في أعلى مستوياتها..
ب- لماذا توقفت المقاومة عسكرياً عن العمل..؟
ج- لماذا لم تُطلق صاروخين لتطيير الإتفاقات التي أملتها إسرائيل و دول القرار..؟
1- الإنكسار العسكري والتوقيع الصاغر..
إن الحقيقة القانونية والعسكرية الميدانية تؤكد أن الحزب و إيران قد وصلا إلى نقطة الإنهاك التام بعد خسارة المقومات القيادية، وتدمير خطوط الدفاع في الجنوب، ومسح البنية التحتية، وخسارة النسبة الكبرى من مخازن السلاح والقدرة اللوجستية.
الإتفاق القائم وإلتزام قواعد ضبط النفس لم يأتِ من موقع إقتدار و تكتيك، بل جاء لأن الحزب أُنهك، وإيران أُجبرت على التفاوض و التوقيع وهي صاغرة تحت ضغط التدمير والضربات الإستراتيجية المباشرة.
2- خرق السيادة القانونية
من منظور القانون الدولي العام:
أ- السلاح المنفلت: يُعد وجود قوى مسلحة خارج إطار الجيش والقوات المسلحة الرسمية خرقاً لسيادة الدولة ولمعاهدة السلام والسلم الدوليين (لا سيما القرارات الدولية 1559 و 1680 و 1701).
ب- معاهدات فرض الأمر الواقع:
الإتفاقيات التي تُبرم على هامش الحروب وتُفرض على لبنان بسبب مغامرات فئة مسلحة تجعل الدولة اللبنانية في موقف الضعيف الذي يحاول الرئيس والمؤسسات الرسمية حمايته وتخفيف الأضرار القانونية والدولية عنه.
رابعاً: مقارنة شواهد الواقع بين خطاب البودكاست وحقيقة الأرض..
لتبيان حجم الإنفصال عن الواقع بين الخطاب الممانع وحقيقة البيئة الوطنية والجنوبية، يستعرض الجدول التالي ملامح الصورة الحقيقية:
المحور
أدبيات وخطاب الممانعة
الواقع الميداني والسياسي القانوني
وضع الجنوب وأهله
“وضعنا ممتاز والعودة حتمية”
مئات القرى المدمرة، آلاف العائلات في خيام ومراكز إيواء بلا إعمار ولا تعويضات، وإستمرار الإحتلال في نقاط إستراتيجية.
مفهوم الجهوزية
“الصواريخ في منها كتير ونحن جاهزون”
إنضباط تام، وتوقف كامل للعمليات العسكرية، وتوقيع إتفاقات فرضت قيوداً صارمة بعد إستنزاف المقومات.
العلاقة مع الدولة
“عهد عون إنتهى وممنوع اللعب معنا”
محاولة للإنقلاب على الشرعية الوطنية لتغطية الإخفاق والأستقواء المتبقي على الداخل بعد الخسارة الإقليمية.
صناعة القرار
“قرار التدخل يعود لطبيعة المرحلة”
الإرتهان المطلق للمفاوض الإيراني وحسابات طهران الإقليمية على حساب الدم والتراب اللبناني.
خامساً: من الذي جعل نتنياهو بطلاً قومياً..؟
لا يحتاج الإنسان إلى عناء كبير ليُعرِّف اللبنانيين بـ “المعتوه” السياسي الذي أعطى بنيامين نتنياهو حبل النجاة من مقصلة السياسة الداخلية الإسرائيلية.
قبل الثامن من تشرين الأول عام 2023، كان نتنياهو يواجه مظاهرات عارمة، وإنقساماً غير مسبوق في الشارع الإسرائيلي، وتُهم فساد تُطوِّق عنقه، وتفككاً في حكومته الإئتلافية.
وبدلاً من ترك العدو يغرق في أزماته الداخلية، إنطلقت صيحات “إسناد غزة” من جنوب لبنان لتمنحه الهدية الإستراتيجية الأكبر في تاريخه:
أ- توحيد الشارع الإسرائيلي خلف حرب شاسعة.
ب- منحه التفويض المفتوح لتدمير البنية التحتية وإغتيال القيادات.
ج- ظهوره بمظهر “القائد القومي” الذي إستطاع دحر خطوط التماس الإيرانية على حدود شمال فلسطين المحتلة.
د- إن مسح الكرامة الميدانية، وإختراق ذات البياجر، وإغتيال الرموز السياسية والعسكرية في أسبوع واحد، وتدمير القرى، ليس “إنتصاراً ولكننا مرقناها لكم”، بل هو هزيمة شنيعة حاول إعلام الممانعة تغليفها بعبارات الصمود الخشبي.
المعادلة البسيطة:
فتح جبهة مجانية
إنقاذ نتنياهو وسياساته
تدمير الجنوب وإستباحة لبنان
إدعاء الإنتصار على كواكب البودكاست..!
سادساً: التحدي الإستراتيجي.
حماية الدولة ومنع الفوضى..
إن البطولة الحقيقية اليوم في لبنان لا تُقاس بعدد الصواريخ المخزنة تحت منازل المدنيين، ولا بالنبرات التهديدية الموجهة لقصر بعبدا أو لرئيس الحكومة.
البطولة الحقيقية هي حماية ما تبقى من لبنان من الفوضى الشاملة، وتحصين مؤسسات الدولة الشرعية.
1- كف يد التخوين والإبتزاز..
التخوين هو البضاعة الأكثر رخصاً لدى المفلسين سياسياً.
حين تفشل في حماية أرضك، وحين تفشل في حماية قياداتك، وحين تعجز عن إعادة نازح واحد إلى بيته المهدم، يصبح التخوين والغمز على رئيس الجمهورية هو الوسيلة الوحيدة لإشعال عواطف الجمهور المغيب.
2- منطق الدولة الواحدة والسلاح الواحد..
لا يمكن للبنان أن يستمر بسيادتين، ولا بجيشين، ولا بقرارين للحرب والسلم.
لقد أثبتت التجربة المأساوية أن “إستراتيجية الدفاع” المزعومة خارج إطار الجيش اللبناني لم تكن سوى إستراتيجية لأستجلاب التدمير وتغطية مشاريع النفوذ الإقليمي.
إن المطالبة بتعزيز إنتشار الجيش والأجهزة الأمنية في كل شبر من أراضي الجنوب والبقاع والضاحية هو المطلب الوطني والقانوني الأول لكل لبناني حريص على أرضه وأهله.
أخيراً: إلى من يهمهم الأمر في كوكب البودكاست..
يكفي قلباً للحقائق، ويكفي ضحكاً على أوجاع الناس. فاللبنانيون، وفي مقدمتهم أهل الجنوب الذين ذاقوا مرارة التشريد والقتل والدمار، يعرفون جيداً من أخذ البلد إلى الكارثة، ومن يقاتل اليوم في أروقة الدولة والمحافل الدولية ليُخرحه منها.
عهد عون لم ينتهِ، بل هو العهد الوحيد الذي يُمثِّل الشرعية الدستورية والقانونية والوطنية لأمة تريد أن تحيا بكرامة بعيداً عن أوهام “ولاية الفقيه”.
واللعب بإستقرار لبنان لم يعد مسموحاً به، لا من قِبل أعداء الخارج ولا من قِبل أدوات الخارج في الداخل.
إن الجنوب الحقيقي هو جنوب العودة إلى الدولة، وجنوب المؤسسات الشرعية، وجنوب المؤسسة العسكرية الوطنية.
أما حروب الوكالة وصواريخ الهروب إلى الأمام، فلم تنتج سوى الخراب والنزوح وخيانة الأمانة الوطنية.
قد حان الوقت ليرتفع الصوت السيادي دون خوف أو مهادنة:
لبنان أولاً، والدولة هي الحامي الوحيد، وحساب العبث بمصير الوطن لن يسقط بالتقادم السياسي ولا بالخطابات المتلفزة.
تنويه من إدارة بيروت تايمز
الآراء الواردة في المقالات المنشورة على موقع "بيروت تايمز" الإخباري تعبّر عن أصحابها فقط، ولا تمثّل بالضرورة رأي أو موقف الموقع أو إدارته.


















