مقالات رأي
تيك توك في العالم العربي: ملايين المشاهدات، ومال طائل لا يصل إلا إلى القلة
شاشة صغيرة، منافسة على المال الكبير

مقال صحفي تحليلي، اعداد ضياء الدين مرزقي
في بث مباشر يبدأ من غرفة نوم أو مقهى أو سيارة، يتحول المشاهد إلى ممول لحظي. يرسل وردة رقمية، ثم تاجًا، ثم هدية أعلى سعرًا؛ يظهر اسم المتبرع على الشاشة، ويرتفع ترتيب صاحب البث، ويتحول التفاعل إلى سباق معلن أمام جمهور يتابع من بلدان مختلفة. خلال دقائق، يمكن أن يبدو المال سهلًا وسريعًا. لكن خلف هذه الصورة البراقة توجد معادلة أكثر تعقيدًا: جمهور واسع، منصّة تملك قواعد التحويل، وملايين المبدعين الذين يتنافسون على نسبة صغيرة من الإنفاق.
تبدو عناوين الأرباح العربية أحيانًا كأن تيك توك أصبح ماكينة رواتب. غير أن البيانات المتاحة لا تثبت وجود دخل عربي إجمالي “طائل” من العروض المباشرة. ما تثبته هو اتساع السوق، وارتفاع قيمة الهدايا عالميًا، ووجود قصص فردية عن أرباح كبيرة، مقابل غياب كشف مالي منشور يوضح كم ينفق المستخدمون العرب على الهدايا وكم يصل منها إلى المبدعين في كل دولة.

جمهور يتسع، لكن الأرقام ليست عدد المستخدمين
تعطي بيانات Digital 2025 التي جمعها DataReportal من أدوات إعلانات تيك توك صورة عن حجم الوصول المحتمل بين البالغين. في الإمارات بلغت النسبة المعلنة 123.1%، وفي السعودية 138.2%، وفي مصر 56.1%، وفي المغرب 54.7%، وفي الأردن 31.2%.
لا تعني هذه النسب أن 138.2% من السعوديين يستخدمون تيك توك، فهذا مستحيل حسابيًا. إنها تقديرات للوصول الإعلاني المحتمل، وقد تتجاوز حجم السكان البالغين بسبب الحسابات المتعددة، واختلاف قواعد تعريف الجمهور، وتحديثات أدوات الإعلانات. لذلك تُستخدم هنا كمؤشر على قوة السوق الإعلانية والانتشار المحتمل، لا كإحصاء سكاني نهائي.
وتؤكد أرقام البيئة الرقمية سبب جاذبية البث المباشر. ففي بداية 2025 بلغ عدد مستخدمي الإنترنت في السعودية 33.9 مليونًا، مع انتشار وصل إلى 99%، بينما بلغ عدد هويات مستخدمي وسائل التواصل 34.1 مليونًا. وفي مصر وصل مستخدمو الإنترنت إلى 96.3 مليونًا، وبلغت هويات مستخدمي وسائل التواصل 50.7 مليونًا. أما الإمارات فسجلت 11.1 مليون مستخدم للإنترنت و11.3 مليون هوية لمستخدمي وسائل التواصل. هذه الأرقام لا تخص تيك توك وحده، ولا تعني أشخاصًا فريدين دائمًا، لكنها توضح حجم البنية التي يمكن أن يحمل عليها بث مباشر واحد.
كيف تتحول المشاهدة إلى مال؟
يعتمد نموذج البث على شراء المشاهد عملات داخل التطبيق، ثم استخدامها لإرسال هدايا افتراضية إلى صاحب البث. وبحسب مركز مساعدة تيك توك، تجمع الهدايا في صورة “ماس” يمنح للمبدع وفق نظام المنصة وشعبية البث. لكن تيك توك لا يعلن في صفحته العامة سعرًا موحدًا عالميًا لتحويل الماس إلى نقد، كما أن الإتاحة والقواعد تختلف بحسب الدولة والحساب والسياسات المحلية.
هذا التفصيل مهم لأن قيمة الهدية التي يراها المشاهد ليست بالضرورة قيمة المبلغ الذي يصل إلى صاحب البث. فهناك فرق بين سعر العملة داخل التطبيق، وقيمة الهدية، والماس الذي يظهر في رصيد المبدع، والمبلغ القابل للسحب بعد شروط المنصة والرسوم والتحويلات. لهذا فإن مقاطع “أرسل لي هدية بقيمة كذا، إذن ربحت كذا” لا تكفي لإثبات الدخل الحقيقي.
كما تشترط تيك توك أن يكون جامع الهدايا بالغًا، وأن يعيش في بلد تتوافر فيه الميزة، وأن يكون حسابه مؤهلًا للبث وفي وضع جيد. وهذا يعني أن الحديث عن أرباح الأطفال أو المراهقين من الهدايا يثير مسألة حماية، لا مجرد مسألة دخل.
أين يذهب المال؟
في تحليل نشرته شركة FXC Intelligence عام 2024، قُدرت قيمة الهدايا التي دفعها المستخدمون عالميًا بنحو 6.5 مليارات دولار في 2023، مقابل نحو 1.5 مليار دولار قُدرت للمبدعين. وبالحساب التقريبي، تعادل حصة المبدعين 23%، بينما تذهب النسبة الأكبر، نحو 77%، إلى المنصة وفق تقدير التحليل.
هذا الرقم عالمي وليس عربيًا، وهو تقدير مستقل لا يمثل كشفًا محاسبيًا منشورًا من تيك توك. لكنه يكشف جوهر النموذج: المنصة لا تبيع الشهرة فقط، بل تبيع نظامًا متكاملًا لتحويل الانتباه إلى مدفوعات، وتحتفظ بجزء كبير من التدفق المالي قبل أن يصل إلى المبدع.
وفي أوروبا وحدها، قدرت FXC أن المستخدمين أرسلوا هدايا بين 1.8 و2.2 مليار دولار في 2023، بينما كان نصيب المبدعين المقدر بين 418 و511 مليون دولار. هذه المقارنة لا تسمح بتقدير حصة عربية، لكنها تمنع تصورًا شائعًا بأن كل دولار ينفقه الجمهور يتحول إلى دولار دخل للمبدع.
قصص عربية عن الثراء: حالات لا متوسطات
نشرت هيئة الإذاعة البريطانية عام 2022 شهادات لمبدعين في المنطقة. قال صانع محتوى مصري مقيم في السعودية إنه يحقق بين ألف وثلاثة آلاف دولار شهريًا من نشاطه المرتبط بتيك توك، بينما قال مؤثر لبناني إن الوصول إلى عشرة آلاف دولار شهريًا ممكن بحسب المتابعين والمحتوى. وفي المقابل، قالت مؤثرة مغربية للصحيفة إن دخلها من تيك توك ليس كبيرًا رغم امتلاكها جمهورًا واسعًا، وإن منصة أخرى كانت تحقق لها عائدًا أفضل.
هذه الشهادات مهمة لأنها تظهر التفاوت، لكنها لا تصلح لحساب متوسط دخل منشئي المحتوى العرب. فلا توجد عينة احتمالية، ولا سجلات سحب، ولا تدقيق مستقل في الأرقام. كما أن الدخل الذي يقال إنه “من تيك توك” قد يجمع بين الهدايا، والإعلانات، والتسويق بالعمولة، والاستشارات، وتحويل المتابعين إلى يوتيوب أو خدمات خارج المنصة.
ووفق باحث في الاقتصاد الرقمي نقلت عنه بي بي سي، فإن نسبة صغيرة جدًا تحقق الأرباح الكبيرة، بينما لا يحصل معظم المستخدمين على دخل مهم لغياب الجمهور أو التبرعات أو عقود الإعلانات. هذه هي الفجوة بين اقتصاد الانتباه واقتصاد الأسرة: ملايين يتنافسون على الظهور، وقلة محدودة فقط تحوّل الظهور إلى مال مستقر.
لماذا ينجح البث المباشر في المنطقة؟
أولًا، لأنه يلغي المسافة بين المتلقي والمبدع. في الفيديو المسجل يمكن للمشاهد أن يمرر الشاشة، أما في البث فيرى اسمه لحظة إرسال الهدية ويحصل أحيانًا على رد مباشر أو اعتراف علني. الهدية هنا ليست تحويلًا ماليًا محايدًا؛ إنها شراء للاهتمام والمكانة والانتماء إلى جماعة رقمية.
ثانيًا، لأن المنافسة مصممة على هيئة لعبة. الترتيب، وعدّاد الهدايا، والمواجهات بين أصحاب البث، والرسائل التي تظهر أمام الجمهور، كلها تجعل الإنفاق جزءًا من عرض عام. كلما زاد التنافس، زادت قابلية المستخدم للإنفاق الاندفاعي، خصوصًا عندما يشعر أن توقفه سيؤثر في ترتيب شخص يتابعه أو في نتيجة مواجهة مباشرة.
ثالثًا، لأن الحاجز التقني منخفض. الهاتف يكفي، والانتشار لا يتطلب دائمًا قاعدة متابعين ضخمة؛ يمكن لمحتوى واحد أن ينتقل خارج دائرة الحساب الأصلي. غير أن سهولة الدخول لا تعني سهولة تحقيق دخل ثابت. السوق مفتوحة للجميع، لكن القدرة على الاستمرار مرتبطة بجودة المحتوى، والوقت، والقدرة على إدارة مجتمع، والعلاقات التجارية، والحظ الخوارزمي.
اقتصاد جديد أم عمل هش؟
يقدم تيك توك وعدًا جذابًا للشباب: لا تحتاج إلى مكتب أو رأس مال كبير كي تبدأ. لكن هذا الوعد يخفي عملًا غير مستقر يعتمد على خوارزمية لا يملكها المبدع. قد يرتفع الحساب خلال أسبوع، ثم يتراجع ظهوره بعد تغيير في التوصيات أو مخالفة أو تشبع الجمهور.
كما أن البث المباشر يحمّل المبدع كلفة غير ظاهرة: ساعات طويلة أمام الشاشة، ضغط الحفاظ على الحضور، التعامل مع التعليقات، صناعة خلافات أو مشاهد مثيرة لجذب التبرعات، وتحويل الحياة الخاصة إلى مادة مستمرة. وقد يؤدي السعي وراء الهدايا إلى محتوى أكثر استفزازًا أو إلى استغلال عاطفة الجمهور، خصوصًا عندما تُبنى العلاقة على الشفقة أو الإلحاح أو التحدي.
أما المشاهد، فليس مجرد “مستهلك هدايا”. هو طرف في سوق قد تدفعه آليات المكافأة الفورية إلى إنفاق يتجاوز قدرته. وقد لا يدرك أن الهدية الصغيرة المتكررة يمكن أن تصبح مبلغًا كبيرًا خلال جلسة واحدة، أو أن قيمة ما يراه على الشاشة ليست مساوية لقيمة ما يسحبه المبدع.
ما الذي ينبغي أن تفعله الدول والمنصات؟
لا تحتاج الدول العربية إلى مطاردة كل بث مباشر أو التعامل مع كل مؤثر بوصفه مشكلة. المطلوب أولًا شفافية مالية: نشر قواعد التحويل والرسوم والحد الأدنى للسحب، وإظهار المبلغ الصافي المتوقع قبل شراء العملة أو إرسال الهدية. كما ينبغي وضع تحذيرات واضحة من الإنفاق الاندفاعي، وأدوات للحد اليومي، وإشعارات دورية للمستخدم بحجم إنفاقه الحقيقي.
ويجب أن تكون حماية القاصرين عملية لا شكلية. بما أن تيك توك يشترط سن 18 عامًا لجمع الهدايا في الميزة الرسمية، ينبغي منع التحايل عبر حسابات الكبار أو الوسطاء، ومراقبة استدراج الأطفال إلى بثوث تعتمد على التبرعات. ويجب أن تتعامل المنصة بصرامة مع الابتزاز، والتشهير، واستخدام المرض أو الفقر أو النزاعات الأسرية لاستدرار الأموال من جمهور صغير السن.
وفي المنطقة العربية، تحتاج الحكومات أيضًا إلى بيانات عامة: حجم الإنفاق على الهدايا بحسب الدولة، عدد الحسابات التي تحقق دخلًا، متوسط الدخل الوسيط لا دخل النجوم، عدد الشكاوى، ونسبة الحسابات التي تعتمد على البث المباشر كمصدر رئيسي. من دون هذه البيانات سيظل النقاش عالقًا بين مقاطع استعراضية عن ملايين مزعومة، وإنكار كامل لحجم السوق.
الخلاصة: المال موجود، لكن ليس للجميع
أصبح البث المباشر في تيك توك سوقًا حقيقية للانتباه، وتوجد أموال كبيرة تدور حول الهدايا عالميًا. لكن لا يوجد دليل منشور يثبت أن معظم المبدعين العرب يدخلون أموالًا طائلة، ولا توجد حتى الآن إحصائية عربية مدققة عن إجمالي عائدات الهدايا.
القصة الأدق ليست “تيك توك يوزع الثروة”، بل إن المنصة تبني اقتصادًا شديد التفاوت: جمهور واسع يدفع، منصة تضع قواعد التحويل وتحصل على الحصة الأكبر وفق تقديرات مستقلة، وقلة من المبدعين تنجح في تحويل الشهرة إلى دخل كبير. أما الأغلبية، فتعمل في سوق احتمالية، قد تمنحها لحظة انتشار، لكنها لا تمنحها بالضرورة راتبًا ولا أمانًا ماليًا.
لذلك فإن السؤال الحقيقي ليس: كم ربح أشهر مؤثر؟ بل: كم أنفق الجمهور؟ كم بقي للمبدعين؟ ومن يحمي المستخدم الصغير من تحويل الترفيه إلى التزام مالي لا يفهم كلفته
تنويه من إدارة بيروت تايمز
الآراء الواردة في المقالات المنشورة على موقع "بيروت تايمز" الإخباري تعبّر عن أصحابها فقط، ولا تمثّل بالضرورة رأي أو موقف الموقع أو إدارته.



















