تخطي إلى المحتوى الرئيسي

بيروت تايمز Beirut Times

منوعات

أمينة التي لم توجد: حين بكى العالم على فتاة من حبر


محمد ناصر

لم تكن أمينة عبد الله عارف العمري تملك وجهاً حقيقياً، ولا عنواناً في دمشق، ولا أماً في فرجينيا. ومع ذلك صدّقها الملايين، وكتبت عنها صحف كبرى، وتحركت من أجلها وزارة خارجية أقوى دول العالم. كل ما كانت تملكه مدونة وصوتاً مقنعاً، وعلى هذين الشيئين وحدهما قامت واحدة من أشهر الخدع في تاريخ الإنترنت. وللتوضيح، فهذه ليست قصة تحوّل جنسي كما يظن بعضهم، بل قصة اختلاق شخصية وهمية بالكامل.

مدونة تولد قبل الثورة

في 19 فبراير 2011 ظهرت مدونة بعنوان «فتاة مثلية في دمشق» (A Gay Girl in Damascus). كتبتها امرأة قدّمت نفسها باسم أمينة، سورية أمريكية في الخامسة والثلاثين، أبوها سوري وأمها أمريكية. كتبت بجرأة عن السياسة والجنس والدين، وقالت إنها لا ترى تناقضاً بين كونها مسلمة ومثلية.

لم تلفت المدونة الأنظار في البداية. ثم اندلعت الاحتجاجات في سوريا في منتصف مارس، وفجأة صار العالم يبحث عن أي صوت من الداخل.

الأب البطل

في أواخر أبريل نشرت أمينة تدوينة بعنوان «أبي البطل»، روت فيها أن عنصرَي أمن اقتحما بيتها ليعتقلاها، فوقف أبوها في وجههما وأقنعهما بالانصراف بالكلمات لا بالسلاح. قصة تصلح لفيلم، وهذا بالضبط ما أثار ريبة من يعرفون طبيعة الأجهزة الأمنية السورية.

لكن الإعلام كان جائعاً لقصة كهذه. كتبت عنها الغارديان بوصفها «بطلة غير متوقعة في بلد محافظ»، ثم تبعتها شبكات كبرى مثل سي إن إن وسي بي إس.

مساء السادس من يونيو

في الأسبوع الأول من يونيو ظهرت على المدونة تدوينة بتوقيع «رانيا إسماعيل»، تقول إنها ابنة عم أمينة. قالت إن ثلاثة رجال في مطلع العشرينات، مسلحين، خطفوا أمينة قرب محطة العباسيين مساء الاثنين، وإن الخاطفين يُرجَّح أنهم من أجهزة الأمن أو ميليشيا حزب البعث.

انتشر الخبر في ساعات. أُطلقت صفحة «الحرية لأمينة» على فيسبوك، وانتشر وسم #FreeAmina على تويتر، وقالت وزارة الخارجية الأمريكية إنها تحاول التحقق من مصيرها.

وفي مونتريال، كانت ساندرا باغاريا (Sandra Bagaria) تنتظر. ناشطة كندية جمعتها بأمينة منذ مطلع 2011 مئات الرسائل، وقصة حب لم تعرف حدودها سوى الشاشة. كانت تخطط للقائها في أوروبا قبل نهاية الشهر، وكان آخر ما وصلها منها رسالة صباح يوم الاثنين، قبل ساعات من «الخطف».

حين نُشر الخبر، لم تكتفِ ساندرا بالبكاء، بل تحدثت إلى الصحافة وساهمت في تحريك حملة المطالبة بالإفراج عن حبيبتها. ثم جاء الاعتراف: لا أمينة، ولا دمشق، ولا حبيبة. كتبت ساندرا أنها تشعر بجرح عميق. وبعد سنوات صارت قصتها فيلماً وثائقياً بعنوان «The Amina Profile» (2015) للمخرجة الكندية صوفي ديراسب، نال جائزة لجنة التحكيم الخاصة في مهرجان هوت دوكس، وواجهت فيه ماكماستر بنفسها، بصوت هادئ ومؤلم.

الخيوط التي بدأت تنحلّ

بدأ الصحفيون والمدونون يبحثون عن أي شخص التقى أمينة فعلاً، فلم يجدوه. ولم تعثر السفارة الأمريكية في دمشق على سجل بهذا الاسم، وبحث صحفيون في فرجينيا فلم يعثروا على أثر لها أو لعائلتها.

ثم جاءت الضربة من لندن. ظهرت امرأة كرواتية الأصل تُدعى جيلينا ليتشيتش (Jelena Lecic) تقول إن الصور المنشورة لـ«أمينة» في الصحف هي صورها هي، أُخذت من حسابها على فيسبوك. وقد نشرتها صحيفة الغارديان، ثم اعتذرت لها لاحقاً وأقرّت بأنها تأخرت في سحبها.

وفي الوقت نفسه لاحظت مدوّنة أمريكية تُدعى بولا بروكس (Paula Brooks)، كانت تراسل أمينة، أن عنوان الـIP يعود إلى مدينة إدنبرة في اسكتلندا، لا إلى دمشق. وكانت أمينة قد برّرت ذلك بأنها تستخدم وسطاء لحماية نفسها، ثم سألتها في إحدى الرسائل عن جامعات بريطانية لدراسة التاريخ.

الاعتراف

لم يمضِ على «الاختطاف» أسبوع حتى جاء يوم الأحد 12 يونيو. نشر توم ماكماستر (Tom MacMaster)، أمريكي في الأربعين، متزوج، وطالب ماجستير في جامعة إدنبرة، تدوينة بعنوان «اعتذار إلى القرّاء». أقرّ فيها بأنه الكاتب الوحيد لكل ما نُشر، وأن أمينة ورانيا اسمان من اختراعه.

قال إنه لم يتوقع هذا القدر من الاهتمام، وإن «الوقائع المذكورة في المدونة صحيحة وغير مضللة» بشأن ما يجري في سوريا. واعتذر بالاسم لجيلينا وبولا وساندرا وآخرين، قائلاً إنه لم يقصد إيذاءهم.

مفاجأة داخل المفاجأة

بولا بروكس نفسها، رئيسة تحرير موقع مثلي أمريكي، لم تكن امرأة. كشفت الواشنطن بوست أن وراءها رجلاً متقاعداً من سلاح الجو الأمريكي اسمه بيل غرابر (Bill Graber)، وكان يتحدث إلى الصحيفة أياماً بصفته «والد بولا». وهكذا اتضح أن «أمينة» كانت تتبادل رسائل الود مع شخصية مختلقة أخرى، وهو ما وصفه غرابر بأنه اصطدام خدعة كبرى بخدعة كبرى.

الثمن

غضب الناشطون والصحفيون، فقد استُهلكت جهود وتضامن كان ينبغي أن تذهب إلى قضايا حقيقية. ونبّهت لجنة حماية الصحفيين إلى أن هذه الفضيحة ينبغي ألا تحجب قضايا مدوّنين حقيقيين في سوريا، مثل طل الملوحي التي حُكم عليها بالسجن خمس سنوات.

وخشي ناشطون من أن تُستخدم الفضيحة للتشكيك بروايات المعارضين الحقيقيين، ووصفت جهات رسمية سورية القضية بأنها دليل على «أكاذيب» تُحاك ضد بلادها. أما الصحف التي نشرت القصة فأضافت تصحيحات واعتذارات بعدها.

ما تعلّمنا

يقول الباحثون إن ماكماستر اختار الهدف بدقة: سوريا كانت مغلقة أمام الصحافة، والإعلام كان متعطشاً لأي شهادة من الداخل. لم يكذب على جمهور متشكك، بل قدّم لجمهور متلهف ما كان يتمنى أن يسمعه.

وُلدت أمينة من حبر، وماتت حين جفّ الحبر. لكن درسها بقي: ليس كل صوت يشبه ما نتوق إليه هو صوت حقيقي.

المصادر: الغارديان، الجزيرة، الواشنطن بوست، سي بي إس نيوز، إن بي سي نيوز، فورين بوليسي، لجنة حماية الصحفيين (CPJ)، سالون، مجلة تايم، الصندوق الوطني للأفلام في كندا (NFB).

* كاتب محتوى ومحرّر مستقل ثنائي اللغة (العربية والإنجليزية)، متخصص في التقنية والأعمال والمحتوى الفكري، ومقيم في الأردن.

LinkedIn: linkedin.com/in/mohammed-naseer-1bb596412

انظر ايضاً
إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock