تخطي إلى المحتوى الرئيسي
الدكتور بول حامض *
يعمد ساسة لبنان إستخدام مصطلح “الحرب الأهلية ” في سياقات سياسية لتبرير ضعف إتخاذ القرارات الحاسمة والشرعية والدستورية والهدف عدم إجراء أي إصلاح سياسي – أمني – إقتصادي – مالي – إجتماعي، ومن الملاحظ في هذه المرحلة الحسّاسة كلما طالب المجتمع الدولي والأطراف الإقليمية واللبنانيين الشرفاء ضبط الأوضاع العامة في البلاد ونشر قوى الشرعية الرسمية إستنادًا للقوانين المرعية الإجراء يتحجج هؤلاء بالحرب الأهلية ويتعبرون أنها خطر حقيقي ويتناسون أنّ الخطر الحقيقي على الدولة ومؤسساتها وعلى الشعب هم أنفسهم الذين يُسوّقون لهذه الحرب القذرة.
علميًا وبعد خمسة عشر عامًا من الحروب رأسها قادة الميليشيات في لبنان توّصلوا وبتدخل خارجي ( عربي ودولي ) لصيغة عُرِفَت بـ “الطائف”، ولهذه الصيغة الأثر الكبير في إخماد نار المتقاتلين والذي إتخذ بعدًا دينيًا وطائفيًا لا ينسجم مع الدستور اللبناني وصيغة العيش المشترك. سلاح الميليشيات دمّر لبنان سياسيًا – أمنيًا – إقتصاديًا – إجتماعيًا، لأنّ ممارسة هؤلاء بعنفهم اللامسؤول هو ممارسة لا أخلاقية ولا وطنية…
الحرب الأهلية أيها المسؤولون أدت إلى تدمير لبنان بغض النظر عن الطروحات التي تشكلت أثناء الحرب، وكان كل فريق من الفرقاء ( بعض المسيحيين – بعض المسلمين ) يسعى لفرض منظومته على الأخر وبالصيغة التي تناسبه والتي تنسجم مع مشغليه… لقد كان الوطن الخاسر الأكبر من هذه الحرب، فإنحسرت الدولة وذابت وإضمحلتْ المؤسسات ولم يستطع أحد إنقاذها بسبب الهمجية الفكرية المستحدثة مع جماعة الميليشيات.
إحدى النقاط التحاججية الأكثر بروزًا التي يلجأ إليها المسؤولون على تطبيق القانون هي المتمثلة بالقول إنّ ضبط السلاح المتفلّت سيعني حصول سابقة خطيرة أي الحرب الأهلية، وهذا الموقف يُسمع على لسان المراجع الروحية والسياسية سواء أكان في رئاسة الجمهورية أو في مجلس الوزراء أو في مجلس النواب أو مع قادة أحزاب الميليشيات… وهذه الإحتجاجية هي خلط مستمر وواسع الإنتشار بين منظومات السجال السياسي بين الفكرتين الإنقاذية وعدم ضبط السلاح.
بالنسبة إلينا في جميعة الإرشاد والتثقيف الوطني من المهم إنهاء هذه المقولة من عقول اللبنانيين، لقد بلغ النظام السياسي اللبناني درجة من الإنحطاط والخوف والتهرُّب من المسؤولية، ويستند إلى مرجعية إقليمية بواسطة ميليشيا مسيطرة على كل مفاصل البلاد تديره مباشرة تحديدًا بل وحصرًا بهذا الشكل الهمجي واللامنطقي واللاقانوني…
في حالة عدم تطبيق القانون بلغ نظامنا السياسي درجة خطرة ستصل مرة أخرى على شفير الإنفجار أمام إستحقاق حصرية السلاح، وتغيب فصيلة الصدق في التعاطي السياسي رحم الله البطريرك صفير في رسالة صوم 2006 بعنوان فضيلة الصدق حين قال ” فضيلة الصدق هي من الفضائل المأثورة لدى الله. أن يكون الإنسان صادثًا مع الله، ونفسه، والناس، هذا ما يرفع قدره في عين الله ونفسه والناس. وهذا ليس بالشيء اليسير، لأنّ الكذب أصبح طاغيًا، ومتى طغى الكذب وقعتْ البلبلة وهذا ما عاقب الله عليه الناس، على ما ورد في مستهل سفر التكوين…”
المادة49 من الدستور اللبناني، نصها واضح ولا لُبس في مضمونها وهي الركيزة الأساسية لتحديد موقع رئيس الجمهورية وصلاحياته وآلية إنتخابه، فهو رئيس الدولة ورمز وحدة الوطن وتعطيه هذه العبارة دورا معنويا ووطنيا يتخطى حدود السلطات التنفيذية والتشريعية هو حكم فوق النزاعات الطائفية ومؤتمن على المصلحة الوطنية العليا، إضافة إلى أنّ رئيس الجمهورية مؤتمن على السيادة الوطنية وعلى سلامة مؤسسات الدولة.
المادة 64 من الدستور اللبناني، نصها واضح وصريح إذ أنّ مجلس الوزراء هو السلطة التنفيذية التي تضع السياسة العامة للدولة وتصدر المراسيم وتتولى إدارة شؤون البلاد اليومية، وهذه المؤسسة دستوريًا وقانونيًا هي المفصل الرئيسي في النظام السياسي اللبناني، فمن دون حكومة فاعلة تدخل الدولة في حالة الفوضى وتتراجع قدرتها على إتخاذ القرارات المصيرية في الملفات : السياسية – الأمنية – الإقتصادية – الإجتماعية.
إنّ التحجج بالحرب الأهلية جرم يُعاقب عليه القانون اللبناني حيث أنّ جريمة إثارة الحرب الأهلية أو الإقتتال الطائفي أو المذهبي يعد جرائم أمن الدولة الداخلي في التشريعات الجنائية، وعلى كل مسؤول مهما بلغت درجة مسؤولياته أن يعلم أنّ جريمة الإعتداء على أمن الدولة الداخلي يُعرّفْ بأنه كل فعل أو نشاط مقصود يهدف إلى الإضرار بكيان الدولة السياسي أو زعزعة إستقرار نظام الحكم أو المساس بالدستور أو إحداث الفتنة أو الإقتتال الداخلي.
أصحاب المسؤولية رسميين وعاديين رجال دين مسيحيين ومُسلمين الحرب الأهلية تُصنّف جناية خطيرة تهدد السلم الأهلي وإستقرار البلد والوحدة الوطنية، ولا داعي لتذكيركم بما يلي : تحدد مسؤولية النظام السياسي في الحروب الداخلية ( الحرب الأهلية) إستنادًا للقانون الدولي الإنساني والقانون الدولي الجنائي حيث يفرض القانون الدولي إلتزامات صارمة على الدول وقادتها أثناء النزاعات المسلحة لحماية المدنيين والمنشآت الحيوية ويحاسب الأنظمة على الإنتهاكات التي تركتبها قواتها وتقسم هذه المسؤولية إلى قسمين وهما : المسؤولية الدولية للدولة – المسؤولية الجنائية الفردية للقادة والمسؤولين.
*ناشط سياسي ورئيس جميعة الإرشاد والتثقيف الوطني