تخطي إلى المحتوى الرئيسي
41,670 مشاهدة
بقلم / دعاء هزاع الجابري ـ اليمن
حين تتحرك المقاتلات في أكثر من مسرح وتتزامن مهام الدفاع الجوي مع تدريبات تحاكي استخدام السلاح النووي، يصبح السؤال أكبر من حركة الطائرات ذاتها، في: هل نحن أمام إجراءات عسكرية منفصلة فرضتها ظروف مختلفة، أم أمام مرحلة تعيد فيها القوى الغربية ترتيب أدوات الردع والاستعداد لمواجهة احتمالات أكثر خطورة؟
ففي غضون ساعات قليلة ظهرت إشارتان تستحقان القراءة، الأولى إعلان بريطانيا نشر مقاتلات ” تايفون ” لحماية الأجواء السعودية من الهجمات الجوية، والثانية مشاركة هذه المقاتلات نفسها للمرة الأولى في تدريب فرنسي يحاكي مهمة لضربة نووية إلى جانب مقاتلات ” رافال “، وبين سماء الخليج والبحر المتوسط تتشكل صورة عسكرية متعددة الأبعاد وتكشف اتساع الاهتمام الغربي بإعادة تنظيم أدوات القوة في بيئة دولية شديدة الاضطراب، حيث أعلنت ” لندن ” أن مقاتلات تايفون التابعة لسلاح الجو الملكي ستنفذ طلعات دفاعية لحماية المدن السعودية والبنية التحتية الحيوية من الهجمات التي تطالها.
وشمل الدعم البريطاني كذلك تمديد التزود بالوقود جوا وتوفير طائرة نقل عسكرية ومستشارين لدعم القدرات السعودية، كما وأكدت الحكومة البريطانية أن مهمة المقاتلات دفاعية فقط لا هجومية، الا أن الدلالة الأعمق لا تكمن في الطائرات الدفاعية بل في طبيعة اللحظة التي اختارت فيها بريطانيا توسيع حضورها العسكري، فالسعودية تقع عند تقاطع حساس بين ” أمن الخليج والبحر الأحمر وباب المندب ” وهي مناطق ترتبط فيها حركة التجارة والطاقة بحسابات الأمن الدولي، لذلك فإن حماية المجال الجوي السعودي تتجاوز معناها العسكري المباشر لتلامس مصالح استراتيجية ترى لندن أن اضطرابها ينعكس على أمنها الاقتصادي والسياسي
وما كان لذلك ساعات إلا وكانت مقاتلات تايفون البريطانية تحلق فوق البحر المتوسط إلى جانب مقاتلات رافال الفرنسية ضمن تمرين ” رومي ” الذي يحاكي مهمة ” لضربة نووية فرنسية ” ومن هنا تتبدل دلالة ” تايفون ” ففي الخليج تؤدي دورا دفاعيا معلنا لحماية الأجواء السعودية، وفي البحر المتوسط تشارك في تدريب يرتبط بالردع النووي الفرنسي عبر مرافقة مقاتلات ” رافال ” في مهمة محاكاة، نعم الطائرة واحدة لكن السياق مختلف، والرسالة السياسية تتغير باختلاف المسرح الذي تظهر فيه، فمشاركة بريطانيا في هذا التدريب لا تعني أنها أصبحت صاحبة قرار في استخدام السلاح النووي الفرنسي، ولا تعني أن المقاتلات البريطانية المشاركة تحمل أسلحة نووية، فباريس ولندن تحتفظان بقوتين نوويتين مستقلتين وبقرار وطني مستقل بشأن استخدامها، الا أن التدريب يكشف اتجاها نحو تنسيق عسكري أعمق بين ” قوتين أوروبيتين نوويتين ” في وقت تتزايد فيه المخاوف الأوروبية بشأن روسيا ومستقبل الضمانات الأمنية الأمريكية وقدرة القارة على حماية نفسها
ومن هنا يبرز السؤال الأعمق في كل ذلك، ب : هل تتقاطع هذه التحركات في إطار إعادة توزيع الأدوار الغربية، بحيث تتولى القوات الأوروبية تعزيز الردع في محيطها وتشارك في الوقت نفسه في حماية المصالح الحيوية لحلفائها خارج أوروبا ؟، حيث أن هذا الاحتمال يسلط الضوء حول توقيت اجتماعهما في أسبوع واحد وعلى اتساع نطاق المهام التي تؤديها القوى العسكرية الغربية من حماية الأجواء إلى بناء قدرة مشتركة على العمل في سيناريوهات استراتيجية بالغة الحساسية.
إلى جانب ذلك فقد تم صدور تعليمات للدبلوماسيين البريطانيين بمغادرة الشرق الأوسط فورا بالتزامن مع توقيت اوامر الولايات المتحدة بمغادرة موظفيها الغير أساسيين وأفراد من عائلاتهم في السعودية على خلفية تصاعد المخاطر الأمنية، ولهذا فإن التحذيرات الأمنية وتقليص بعض البعثات الدبلوماسية حين تتزامن مع تعزيز القدرات العسكرية تعكس ارتفاع تقديرات المخاطر، وبين الأمرين مساحة واسعة من الاستعداد والضغط والردع، حيث تحاول الدول حماية مصالحها من دون أن تفقد السيطرة على مسار التصعيد
إن ما تقوله ” تايفون ورافال ” في هذه اللحظة هو إن القوى الغربية تعمل على إظهار قدرتها على التحرك في أكثر من اتجاه، وعلى تنسيق أدواتها العسكرية في بيئة تتداخل فيها المخاطر الإقليمية بالحسابات الدولية، ليبقى السؤال الأشد أهمية في هذا المشهد، هو: هل تنجح هذه الاستعدادات في منع الحرب عبر إقناع الخصوم بكلفة المواجهة، أم أن تراكم الرسائل العسكرية حين تقرأها الأطراف الأخرى باعتبارها تهديدا قد يدفع الجميع إلى دائرة أوسع من التأهب والشك؟، فأحيانا لا تكفي قراءة مسار الطائرات لفهم وجهتها، فالأهم من ذلك هو معرفة الرسالة التي تحملها والحدود التي يراد لها أن تتوقف عندها، وبين سماء السعودية ومياه المتوسط تبدو معادلة الردع أمام اختبار جديد، في : كيف تستطيع الدول إظهار القوة من دون أن تجعل استخدامها أقرب إلى الاحتمال؟ .